اطبع هذه الصفحة


مقصد الاعتكاف ومقاصد المعتكفين

طلال سليمان الدوسري
‏@tsa1429


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن مما يسر النفس ويبهج الخاطر ما يُرى من اجتهاد كثير من المسلمين وإقبالهم على أنواع الطاعات والقربات في شهر رمضان عموماً، وفي العشر الأخيرة منه خصوصاً؛ لما لها من الفضل والمزية الخاصة، ومن ذلك إقبال كثير من المسلمين على عبادة "الاعتكاف" اقتداءً و ائتساءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وطلباً للأجر والمثوبة، فالحمدلله رب العالمين.

ومما يسر ويبهج أيضاً: أن ترى حرص أولئك المعتكفين على حفظ اعتكافهم وصونه عما يبطله ويفسده، وذلك بالسؤال والقراءة في أحكامهم الفقهية.

لكن مما يؤسف له أن ترى بعض المعتكفين وإن التزموا بأحكام الاعتكاف الفقهية -في الجملة- إلا أنهم قصروا في تحقيق مقاصده وغايته الشرعية، ولذا ترى بعضهم لا يكاد يزداد في أفراد الطاعات عما كان عليه قبل الاعتكاف، وربما مضى أكثر الوقت على بعضهم بين النوم الطويل، والأحاديث الجانبية، والانشغال بالأجهزة وبرامج التواصل، وربما انجر ذلك إلى غيبةً أو نحوها مما لا يجوز!

ولذا حري بالمسلم الموفق المريد للاعتكاف أن يعرف غاياته ومقاصد تشريعه، ثم يسعى أن يكون مقصده بالاعتكاف موافقاً لها، فذلك أصلح لقلبه وأعظم في أجره.

وهدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي وأتمه في الاعتكاف وغيره، فعلى الموفق أن يتلمسه، ويقتدي به.

ليس الاعتكاف اعتكاف البدن فقط بل إن عكوف القلب على طاعة الله هو المقصود الأعظم، واعتكاف البدن وسيلة لتخلية القلب عن شتى الهموم والمشغلات؛ ليتحلى بأنواع الهدايات، وليقبل بكليته على الله تبارك وتعالى.

وللإمامين ابن القيم وابن رجب كلام نفيس في هذا المعنى يحسن إيراده والانتفاع به.

قال ابن القيم: "لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثاً، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطرا قط...([1])".

وقال: "وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله، وتغسله وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف. فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها، وكان ذلك ليلاً، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريره في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه، فلا يعرج عليه ولا يسأل عنه. واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا، كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون([2])".

وقال ابن رجب: " وإنما كان يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر؛ قطعاً لإشغاله وتفريغا للياليه وتخلياً لمناجاة ربه وذكره ودعائه وكان يحتجر حصيراً يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعلم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات...فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد خصوصا في شهر رمضان خصوصا في العشر الأواخر منه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه...

فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق([3])، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال كان بعضهم لا يزال منفرداً في بيته خالياً بربه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني([4])".

فيا أخي المعتكف:


املأ قبلك بحمد الله والامتنان له على أن وفقك لهذه النعمة التي حرمها كثيرون، فلولا فضل الله عليك ورحمته لما اعتكفت، وشكراً لهذه النعمة: إن استطعت ألا تمر عليك ثانية من اعتكافك إلا في طاعة وقربة: فافعل، وجانب فضول المباحات فضلاً عن المكروهات والمحرمات، واسع في إصلاح قلبك، ولا تشغلنك عبادات الجوارح عن عبادات القلوب، بل لتكن محققة لعبادات القلوب، وليكن هذا المعيار فيما يشتغل فيه من عبادات إذا تزاحمت عليه فيحرص على ما هو الأصلح لقلبه، مع الضرب بسهم في كل منها ما استطاع.

أما من لم يتيسر له الاعتكاف:


فإن لم تستطع الاعتكاف ولا أقله وهو يوم أو ليلة فلا يضع عليك هذا الموسم الفاضل سدى، بل استكثر من الطاعات، وأطل المكوث في المسجد خاصة في الليل؛ فإنه عبادة، ويعين على العبادة.

(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) والحمد لله رب العالمين

رمضان 1435

--------------------------------------------
([1]) زاد المعاد، لابن القيم، 2/82-83.
([2]) زاد المعاد، لابن القيم، 2/85-86.
([3]) أي عبادته وطاعته سبحانه.
([4]) لطائف المعارف، لابن رجب، ص 190-191.
 

شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية