اطبع هذه الصفحة


نور البدر في مسائل ليلة القدر

حمود بن عالي القحطاني


بسم الله الرحمن الرحيم


 الحمد لله رب العالمين، المتفضل على عباده المؤمنين، بمواسم الرحمة والمغفرة إلى يوم الدين.            أما بعد ...
فهذه رسالة مختصرة في مسائل ليلة القدر جمعت فيها أكثر من خمسين مسألة وأنا على عجل من أمري، وقد أسميتها
(( نور البدر في مسائل ليلة القدر )). والله أسأل أن ينفع بها ويجعل جزاؤها قبولنا في ليلة القدر إنه سميع مجيب.  

1- أنزل الله تعالى في ذكر هذه الليلة العظيمة وبيان فضلها سورة كاملة في كتابة وهي سورة القدر.

2- أُنزل القرآن في هذه الليلة المباركة كما قال سبحانه في أول سورة الدخان: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ }([1]).

3- قيل في سبب تسميتها بليلة القدر أمورًا منها:
1/ أن الله يقدِّر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة كما قال سبحانه: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)}([2]) .
2/ وقيل سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها.
3/ وقيل لأن للطاعات فيها قدرًا عظيمًا.
وقيل غير ذلك، والأول أقرب. والله أعلم.

4- ليلة القدر خير من ألف شهر كما قال تعالى, وهذا يعني أن العبادة فيها خيرٌ من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. والألف شهر نحو ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر.

5- ليلة القدر {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} ([3]), والمعنى:
قيل سلامة وخير كلها لا شر فيها.
وقيل سالمة من تسلط الشياطين فيها على المؤمنين.
وقيل تسليم الملائكة على أهل المساجد في تلك الليلة.
وقيل غير ذلك والله أعلم بالصواب.

6- من شرف هذه الليلة وعظيم قدرها أن الملائكة وجبرائيل عليهم السلام ينزلون فيها إلى الأرض كما قـال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } ([4]) وهذا دليل عظيم على كبير رحمة الله في تلك الليلة, نسأل الله من فضله.

7- جاء في مسند الإمامين أبي داود الطيالسي وأحمد([5]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : « أن الملائكة في تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى». وإسناده ضعيفٌ. وفي الآية شاهد بذلك كما قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } ([6]).

8- جاء في سنن ابن ماجة من حديث أنس بن مالك مرفوعًا: « إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا محروم »([7]). وإسناده ضعيفٌ. وقد جاء في المسند والمجتبى للنسائي من حديث أبي قلابة عن أبي هريرة: « من حرم خيرها فقد حرم »([8]). وأبو قلابة لم يسمع من أبي هريرة. ولا شك أن من فاته هذا الفضل العظيم فقد حرم خيرًا كثيرًا.

9- اختلف أهل العلم في تعيين ليلة القدر على أقوال كثيرة، وأوصلها الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى ستة وأربعين قولاً([9]). قال الحافظ ابن حجر: وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. وقال الشوكاني في النيل([10]): وأرجح هذه الأقوال أنها في الأوتار من العشر الأواخر.
قلت: وبعض هذه الأقوال باطل ومردود لا عبرة فيه.

10- من أقوى الأقوال في تعيين ليلة القدر أنها ليلة سبع وعشرين وبه جزم أبيُّ بن كعب كما في صحيح مسلم([11]),
وكذا قال معاوية بن أبي سفيان كما في سنن أبي داود([12]). وقد روي حديث معاوية موقوفاً ومرفوعاً.
والموقوفُ أصحُّ. وقد قال الحافظ ابن رجب في اللطائف([13]): وله علة وهي وقفه على معاوية وهو أصح عند أحمد والدارقطني. قلتُ: وكذا روي مرفوعًا من حديث ابن عباس كما رواه الإمام أحمد في مسنده([14]).

11- الأظهر والله أعلم أن ليلة القدر متنقلة في ليالي العشر لقوله: « التمسوها في العشر الأواخر ». كما في الصحيحين([15]).
 وليالي الوتر أرجى لقوله: « التمسوها في الوتر من العشر الأواخر ». كما في الصحيحين([16]).
والسبع البواقي أرجى لقوله: « فلا يُغلبن على السبع البواقي ». كما في صحيح مسلم([17]).
وليلة سبع وعشرين أرجى لما سبق من حديث أُبيٍّ ومعاوية وغيرهما.
 
12- من اللطائف في القول بأنها ليلة سبع وعشرين أن كلمات سورة القدر ثلاثون كلمة وكلمة « هي » هي الكلمة السابعة والعشرون في السورة.
قال ابن عطية: هذا من مُلَح التفسير, لا من متين العلم.
قال الحافظ ابن رجب في اللطائف([18]): وهو كما قال.

13- وقعت ليلة القدر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إحدى وعشرين كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري([19]). وعند مسلم من حديث عبد الله بن أُنَيس أنها وقعت ليلة ثلاث وعشرين([20]).

14- الصحيحُ أن ليلة القدر باقية إلى آخر الدهر ولم ترفع، والخلاف في ذلك غير معتبر، والمراد بقوله: « فتلاحى فلان وفلان فرفعت ». أي فرُفع تعيينها.

15- قال غ: « أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر ». كما في الصحيحين من حديث ابن عمر([21]). وفيه إذا تواطأت الرؤى أي توافقت على رؤيتها في ليلة معينة فإن ذلك قرينة على وقوعها في تلك الليلة, ولا يعد ذلك جزمًا فتنبه. وفيه أيضًا دليل على عظم الرؤيا والاستناد إليها في الاستدلال على الأمور الوجودية المستحبة شرعًا من غير منافاة لقواعد الشرع الكلية.

16- قوله صلى الله عليه وسلم : « فتلاحى فلان وفلان ». كما في الصحيح([22])، وفي رواية لمسلم([23]): « يحتقَّان, معهما الشيطان ». فيه إشارةٌ إلى ذمِّ الخصومة والجدال، خاصة في الأزمنة الفاضلة والأمكنة المباركة.

17- الحكمة في إخفاء هذه الليلة والله أعلم أن يجتهد الناس في طلبها بغية إدراكها.
قال بعض العلماء: أخفى الله هذه الليلة عن عباده ليجدُّوا في العمل ولا يتَّكلوا على فضلها ويقصِّروا في غيرها. وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن أُنَيس أنه قال: يا رسول الله أخبرني أي ليلة تبتغي فيها ليلة القدر؟ قال: « لو لا أن يترك الناس الصلاة إلا تلك الليلة لأخبرتك »([24]). وفيه نكارةٌ ومخالفة لما في الصحيح.

18- الحكمة من تخصيص العشر الأواخر بالاعتكاف والله أعلم هو التماس ليلة القدر كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد الخدري كما في الصحيحين وفيه: « إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة ...» إلى قـولـه: « ثم أُتيت فقيل إنها في العشر الأواخر »([25]).
 
19- وردت أحاديث كثيرة في ذكر علامات ليلة القدر ومنها:
1/ ليلة سمحاء لا حارة ولا باردة. عند أبي داود الطيالسي([26]). وهو ضعيفٌ.
2/ ليلة صافية ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حر. عند أحمد([27]). وهو ضعيفٌ.
3/ ليلة بلجة لا سحاب فيها ولا مطر ولا ريح ولا يُرمى فيها بنجم. عند الطبراني([28]). وهو باطلٌ.
4/ ليلة ريح ومطر ورعد. عند الطبراني([29]). وهو ضعيفٌ.
5/ ليلة طلقة بلجة - أي مشرقة – لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها, تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة. عند ابن خزيمة([30]). وهو ضعيفٌ.
وقد ذُكر في هذا الباب علامات أخرى أعرضنا عنها لنكارتها وبطلانها.

20- أصَحُّ علامة على ليلة القدر ما جاء في صحيح من حديث أُبي بن كعب: « أنَّ الشمس تطلع ذلك اليوم لا شُعاع لها».
وفي رواية عند أحمد بإسنادٍ حسنٍ([31]): « مثل الطَّسْت حتى ترتفع ». أي مستديرة لا شُعاع لها.
وفي رواية عند ابن أبي شيبة في مصنفه([32]): « أن الشمس تطلع بيضاء تَرَقرَق ». وفي إسناده الأجلح وهو ضعيفٌ.
وجاء عن ابن مسعود موقوفًا عليه بإسنادٍ صحيحٍ: « تطلع بيضاء ليس لها شُعاع ». أخرجه ابن أبي شيبة([33]).

21- قال بعض العلماء: ومن علاماتها استجابة دعاء من وفق لها.

22- قال الساعاتي كما في الفتح الرباني([34]): ويستحب أن يُكْثَر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين, فهذا شعار الصالحين. قلتُ: وهذا حسن.

23- قيل في سبب كون ليلة القدر تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها أمران:
1/ أنها علامة جعلها الله لها.
2/ لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها فسترت بأجنحتها وأجسامها ضوء الشمس وشعاعها. والله أعلم بذلك كله.

24- ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد ا لخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِي ليلة القدر وهو يسجد في ماءٍ وطين وكان ذلك ليلة إحدى وعشرين.
وليس فيه دليلٌ على أن تكون ليلتها مطيرة؛ إذ أنه رأى ذلك رؤيا فوقعت تلك الليلة ولم يجعله وصفًا ثابتًا أو علامةً لها.

25- من فضل هذه الليلة أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه كما أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة من حديث أبي هريرة([35]).

26- قوله: « من قام ليلة القدر » المراد بقيامها إحياؤها بالصلاة والتهجد ويدخل في ذلك قراءة القرآن والذكر والدعاء والاستغفار.

27- قوله: « إيمانًا واحتسابًا » أي إيمانًا بموعود الله وتصديقًا بثوابه واحتسابًا للأجر من الله لا من غيره.

28- إخلاص النية لله وصدقها أصلٌ في قبول العمل الصالح ومنه طلب ليلة القدر.
قال ابن عبد البر: ومحالٌ أن يزكو من الأعمال شيء لا يراد به الله.

29- جاء في حديث أبي هريرة المتقدم: « من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ». زيادة: « وما تأخر ». كما في مسند الإمام أحمد والسنن الكبرى للنسائي([36]).
وهي لفظة شاذة لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
تفرد بها محمد بن عبد الله بن يزيد وقتيبة بن سعيد عن سفيان بن عيينة كما في السنن الكبرى، وهما ثقتان, لكن خالفا بذلك جمعٌ غفيرٌ من الحفاظ الذين رووه بدون هذه الزيادة كالإمام أحمد والحميدي وابن المديني وإسحاق ابن راهويه وعمر بن علي الفلاس وجماعة. وجاءت هذه الزيادة في المسند وفي الإسناد عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيفٌ على الصحيح لا سيما عند تفرده، وقد فعل. 

30- من قام ليلة القدر ولم يعلم بها؛ فهل ينال أجرها؟
قولان للعلماء, والصحيح أنه يناله ذلك لعموم قوله: « من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا ».
وأما حديث مسلم([37]): « من يقم ليلة القدر فيوافقها ». فالمراد يوافق قيامه تلك الليلة لا علمه بها.

31- السنة أن يجتهد المسلم في العشر الأواخر من رمضان فهي ختام الشهر وفيها ليلة القدر، ومن ذلك أن يوقظ أهله ويحثهم على قيامها، ويرغبهم في أجرها، ويرهبهم من حرمانها.
ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: « كان رسول الله إذا دخل العشر شدَّ مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله »([38]).
  
32- يستحب شهود أهل البادية والدور الشاسعة - أي البعيدة – الصلاة في المساجد مع المسلمين في العشر الأواخر وفي الأوتار منها خاصة تحريًا لإدراك ليلة القدر.
فقد أخرج الإمام ابن خزيمة في صحيحه من حديث محمد بن إبراهيم عن ابنٍ لعبد الله بن أنيس عن أبيه قال: قلت يا رسول الله إني أكون بالبادية وأنا بحمد الله أصلي بها فمرني بليلة أنزلها لهذا المسجد, أصليها فيه. قال: « انزل ليلة ثلاث وعشرين ». قال: قلت لابن عبد الله؛ فكيف كان أبوك يصنع؟ قال: يدخل صلاة العصر ثم لا يخرج حتى يصلي الصبح ثم يخرج ودابته - يعني على باب المسجد – فيركبها فيأتي أهله([39]). وهذا إسنادٌ حسنٌ.

33- يستحب للشيوخ والعجزة قيام الليلة التي ترجى أن تكون ليلة القدر لما قاله الإمام أحمد في مسنده: حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن عكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فأمرني بليلة لعل الله يوفقني فيها ليلة القدر. قال: « عليك بالسابعة »([40]).
وهذا إسناد لا بأس به ورجاله رجال الصحيح، إلا أن معاذ بن هشام قد غُمِز في أحاديث أبيه عن قتادة، لا سيما عند المخالفة, ولم أره هنا مخالفًا. وقد قال الحافظ ابن رجب في اللطائف([41]): وإسناده على شرط البخاري.

34- يُستحب للمسلم أن يجتهد في طلب ليلة القدر فإن لم يكن معتكفًا للعشر اعتكف للليلة التي ترجى أن تكون ليلة القدر.
لما رواه ابن خزيمة أن ابنًا لعبد الله بن أنيس سئل كيف كان يصنع أبوك؟ قال: يدخل صلاة العصر ثم لا يخرج حتى يصلي الصبح.
ولأن الاعتكاف على الصحيح لا حدَّ لأقله ولو ساعة من نهار أو ليل.

35- يُستحب الإكثار من الدعاء في ليلة القدر وخاصة بما رواه الخمسة غير أبي داود من حديث عبد الله بن بريدة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر - وفي رواية إن وافقت ليلة القدر- ما أقول فيها؟ قال: قولي « اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني »([42]).
وعبد الله بن بريدة في سماعه من عائشة نظر. قال الدارقطني: لم يسمع من عائشة.
وقد تابعه أخوه سليمان بن بريدة كما رواه أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم([43]) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
قال ابن عبد الهادي كما في المحرر([44]) - عقب قول الحاكم -: وفي قوله نظر.
قلت: وسليمان بن بريدة ليس من رجال البخاري, وهو أوثق من أخيه كما قاله أحمد وغيره.
وقد روي هذا الحديث موقوفًا على عائشة كما عند ابن أبي شيبة([45]), وغيره أنها قالت: إني لو عرفت أي ليلة ليلة القدر، ما سألت الله فيها إلا العافية.

36- جاء في بعض نسخ الترمذي زيادة قول: « كريم ». بعد قول: « إنك عفو ». والصواب في ذلك والله أعلم أنه لا أصل لها فلم أرها في نسخ الترمذي المعتمدة ولا شروحها كما في التحفة وغيره. وقد أشار الألباني إلى هذا بقوله: الظاهر أنها مدرجة من بعض النساخ.

37- جاء في حديث عائشة قولها: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؟
وهذا فيه دليل على أن المسلم قد يعلم هذه الليلة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في الفتاوى([46]): وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام أو اليقظة فيرى أنوارها, أو يرى من يقول له هذه ليلة القدر, وقد يُفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر.

38- يبدأ وقت ليلة القدر من غروب الشمس وينتهي بطلوع فجرها.

39- استحب بعض أهل العلم الاجتهاد في نهار ليلة القدر كالاجتهاد في ليلها. وهذا مرويٌ عن الشعبي وقاله الشافعي في القديم. والصحيح أن القيام خاص بليلتها، أما العمل في نهارها فاستحبابه لكونها من العشر الأواخر.

40- استحب بعض السلف آدابًا في تلك الليلة ومنها:
الاغتسال ومسُّ الطيب وتخفيف الفطر وتأخير باقي الطعام إلى السحر. فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه بإسنادٍ حسنٍ: أن زر بن حبيش كان يقول: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فإذا كان تلك الليلة فليغتسل أحدكم وليفطر على لبن وليؤخر فطره إلى السَّحر([47]). وقد روي تأخير الفطور إلى السحر مرفوعًا ولا يصحُّ.
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه بإسنادٍ صحيحٍ: أن أيوب السختياني كان يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسُّ الطيب([48]).

41-  من السنة تذاكر ليلة القدر والسؤال عنها؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله. فقال: « أيكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شِقِّ جَفْنة »([49]).
والشِقِّ هو النصف، والجفنة هي القصعة. قـال القاضـي عياض: فيه إشارة إلى أنها إنما تكون في أوخر الشهر، لأن القمر لا يكون كذلك عند طلوعه إلا في أواخر الشهر.
وأخرج الشيخان أيضًا عن أبي سلمة أنه قال: تذاكرنا ليلة القدر, فأتيت أبا سعيد الخدري وكان لي صديقًا. فقلت: ألا تخرج بنا إلى النخل. فخرج وعليه خميصة. فقلت له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر؟ قال: نعم... ثم ذكر الحديث([50]).

42- مشروعية النظر إلى مطلع الشمس صبيحة اليوم الذي ترجى فيه ليلة القدر لرؤية علامتها. فقد أخرج ابن حِبَّان في صحيحه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش أنه كان يواصل إلى السحر فإذا كان قبلها بيوم أو بعدها بيوم صعد المنارة فنظر إلى مطلع الشمس، ويقول: إنها تطلع لا شُعاع لها حتى ترتفع([51]). وإسناده حسنٌ.
وهذا الظاهر من صنيع أُبيُّ بن كعب كما في مسلم.  

43- قيام ليلة القدر وطلبها مرغب فيه لكل مسلم ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، والمقيم والمسافر، والبدوي والحاضر، والمجاهد والقاعد.

44- الحائض والنفساء يشرع لهما طلب هذه الليلة والاجتهاد فيها بأنواع من القربات إلا الصلاة كقراءة القرآن على الصحيح والدعاء والذكر والاستغفار.

45- هل للأعمال الصالحة في تلك الليلة فضيلة على غيرها من الليالي كصلة الرحم والصدقة وعيادة المريض وإتباع الجنائز ونحو ذلك فيجتهد الناس بفعلها؟
    الأظهر والله أعلم أن فضلها خاص بقيامها لقوله: « من قام ليلة القدر» أي إحياؤها بالتهجد والقيام والدعاء والذكر. وهذا ظاهر فعل النبي غ وكذا أزواجه وأصحابه رضوان الله عليهم.

46-  قال بعض أهل العلم: من صلى العشاء في جماعة فوافق ليلة القدر يكون مدركًا لفضلها، واستدلوا بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: « من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر»([52]).
والحديث إسناده ضعيفٌ. فيه عقبة بن أبي الحسناء وهو مجهول. قاله غير واحد من الأئمة.
وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها([53]). وهذا من بلاغات مالك ولا يصحُّ، ثم هو مقطوع على سعيد بن المسيب.
وقد رواه أيضًا ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث قتادة عن سعيد([54]). وأحاديث قتادة عن سعيد تكلَّم فيها علي بن المديني وضعَّفها ضعفًا شديدًا.

47- قال الإمام الماورديُّ: ويسن لمن رآها كتمها. قلتُ: لا والله لا يسن، بل السنة الإخبار عنها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب وجماعة من الصحابة والتابعين.

48- هل ليلة القدر من خصائص هذه الأمة أم كانت في الأمم السابقة؟
قولان للعلماء؛ وأحاديث كلا القولين ضعيفة، والأكثر على تخصيصها بهذه الأمة، والله أعلم بالصواب.
 
49- قال بعض أهل العلم: أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر, وهذا قولٌ لا دليل عليه صحيح ولا بيان لا من سنة ولا قرآن.
والحق أن ليلة القدر أفضل ليالي السنة على الإطلاق.

50- أيهما أفضل ليلة القدر أم ليلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
أجاب عن ذلك ابن تيمية رحمه الله كما في الفتاوى([55]) فقال: ليلة الإسراء أفضل في حق النبي غ وليلة القدر أفضل بالنسبة للأمة. ثم ذكر وجه التفضيل بينهما.

51- أيهما أفضل قيام ليلة القدر أم رباط تلك الليلة في سبيل الله؟
الرباط في سبيل الله لا يعدله شيء من الأعمال إلا الجهاد في سبيل الله، ولذا فهو أفضل من قيام ليلة القدر وإن كان القائم في مسجد الكعبة أو المدينة أو بيت المقدس، كما دلت على الأحاديث الصحيحة والشواهد الصريحة بذلك ومنها ما أخرجـه البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعـد أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال: « رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها »([56]). وأخرج مسلم في صحيحه من حديث سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه »([57]). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها »([58]). وإسناده ضعيفٌ، ثم هو مرسلٌ . وأخرج ابن حِبَّان في صحيحه من حديث أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن عن مجاهد عن أبي هريرة أنه قال سمعت رسول الله يقول: « موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود »([59]). وظاهر إسناد ابن حِبَّان الصحة، إلا أن في إسناده اختلافًا على أبي الأسود، فرواه تارة عن مجاهد كما سبق، ورواه عن عيسى بن خفاف كما في مسند ابن أبي عمر العدني([60])، ورواه عن يونس بن يحيى كما في التاريخ الكبير للبخاري([61]). وقال البخاري أيضًا يونس بن غياث عن أبي هريرة. وقال الحافظ ابن حجر كما في المطالب العالية: خالفه عباس الترقُفي فقال عن مجاهد بدل يونس أخرجه ابن حبان. فالأظهر أن هذا الاختلاف علة قادحة في صحة الحديث، والله أعلم. وقد قيل أيضًا مجاهد لم يسمع من أبي هريرة ذكره الحافظ في التهذيب([62]). والله أعلم.

52- تخصيص قراءة سورة القدر بليلة من ليالي العشر الأواخر أو صلاة من صلاتها واعتياد ذلك بدعة محدثة لا أصل لها.
 
53- مسألة: اختلاف المطالع والأوقات من بلد إلى آخر؛ هل لها أثر في تعدد ليلة القدر وموافقتها أم لا؟
الصحيح أن ليلة القدر ليلة واحدة في السنة وأن لكل قوم ليلتهم الخاصة بهم وإن اختلفت دخولا وخروجًا بالنسبة لآفاقهم.
ومثل ليلة القدر فيما ذكر أيضًا وقت التنزل الإلهي إلى السماء الدنيا كم كل ليلة حين يبقى الثلث الآخر. وكذا وقت ساعة الإجابة من يوم الجمعة.
فالحق أن ذلك كله واقع لا محالة في كل بقعة وزمن طال الوقت أو قصر.
وما على المسلم في ذلك إلا التصديق والتسليم للعزيز الحكيم، وألا يشغل فكره ولا يعمل عقله فيما لا طائل تحته. وليقل: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}.
 
والحمد لله رب العالمين.
 

كتبه
حمود بن عالي القحطاني
في العشرين من رمضان عام خمسة وثلاثين
بعد الألف وأربع مائة من الهجرة النبوية.


--------------------------
([1]) سورة الدخان [1 – 3].
([2]) سورة الدخان [4].
([3]) سورة القدر [5].
([4]) سورة القدر [4].
([5]) مسند الطيالسي (2545) ومسند أحمد (2/519).
([6]) سورة القدر [4].
([7]) سنن ابن ماجة (1341).
([8]) مسند أحمد (2/230) وسنن النسائي (2106).
([9]) فتح الباري (4/333).
([10]) نيل الأوطار (5/596).
([11]) صحيح مسلم (762).
([12]) سنن أبي داود (1386).
([13]) لطائف المعارف ص 341.
([14]) مسند أحمد (1/240).
([15]) صحيح البخاري (2027) وصحيح مسلم (1167).
([16]) صحيح البخاري (2016) وصحيح مسلم (1167).
([17]) صحيح مسلم (1165).
([18]) لطائف المعارف ص 346.
([19]) صحيح البخاري (2018) وصحيح مسلم (1167).
([20]) صحيح مسلم (1168).
([21]) صحيح البخاري (2015) وصحيح مسلم (1165).
([22]) صحيح البخاري (2023).
([23]) صحيح مسلم (1167).
([24]) مجمع الزوائد للهيثمي (3/178).
([25]) صحيح البخاري (2027) وصحيح مسلم (1167).
([26]) مسند أبي داود الطيالسي (2680).
([27]) مسند أحمد (5/324).
([28]) المعجم الكبير (22/59).
([29]) المعجم الكبير (22/257).
([30]) صحيح ابن خزيمة (2192).
([31]) مسند أحمد (5/131).
([32]) مصنف ابن أبي شيبة (8777).
([33]) مصنف ابن أبي شيبة (8762).
([34]) الفتح الرباني (10/236).
([35]) صحيح البخاري (1901) وصحيح مسلم (760) وسنن النسائي (2192) وسنن أبي داود (1372) وسنن الترمذي (683).
([36]) مسند أحمد (5/318) والسنن الكبرى (2523).
([37]) صحيح مسلم (760).
([38]) صحيح البخاري (2024) وصحيح مسلم (1174).
([39]) صحيح ابن خزيمة (2200).
([40]) مسند أحمد (1/240).
([41]) لطائف المعارف ص 340.
([42]) مسند أحمد (6/171, 182, 208, 258) والنسائي في عمل اليوم والليلة (878, 879) وسنن الترمذي (3513) وسنن ابن ماجة (3850).
([43]) مسند أحمد (6/258) والنسائي في عمل اليوم والليلة (877) ومستدرك الحاكم (1/712).
([44]) المحرر لابن عبد الهادي (1/382).
([45]) مصنف ابن أبي شيبة (29797).
([46]) مجموع الفتاوى (25/286).
([47]) مصنف ابن أبي شيبة (8769).
([48]) مصنف عبد الرزاق (7473).
([49]) صحيح مسلم (1170).
([50]) صحيح البخاري (2016) وصحيح مسلم (1167).
([51]) صحيح ابن حبان (3691).
([52]) صحيح ابن خزيمة (2195).
([53]) موطأ مالك (1/321).
([54]) مصنف ابن أبي شيبة (8786).
([55]) مجموع الفتاوى (25/286).
([56]) صحيح البخاري (2892).
([57]) صحيح مسلم (1913).
([58]) مسند أحمد (1/214).
([59]) صحيح ابن حبان (4603).
([60]) المطالب العالية لابن حجر (1936).
([61]) التاريخ الكبير (8/282).
([62]) تهذيب التهذيب لابن حجر (4/25).


 

شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية