اطبع هذه الصفحة


الاعتكاف

أبو محمد الفرحان


بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه،
ومن طريقه ابن حزم في المحلى.

والطحاوي في أحكام القرآن، من طريق ابن وهبٍ.

وأخرج أيضًا في أحكام القرآن، وفي مشكل الآثار، من طريق حفص بن غياث.

وأخرج في مشكل الآثار، من طريق عيسى بن يونس.

أربعتهم (عبد الرزاق، وابن وهب، وحفص، وعيسى)

عن ابن جريجٍ، قال: سمعت عطاءً –وهو ابن أبي رباح- يخبر عن يعلى بن أميَّة -رضي الله عنه- أنه قال:

«إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف»، هذا لفظ عبد الرزاق.

ولفظ الطحاوي في رواية ابن وهب وحفص: «اجلس نعتكف ساعةً في المسجد الحرام»،

ولفظ عيسى: «كان يعلى بن أمية يجلس الساعة في المسجد ينوي به الاعتكاف».

زاد عبد الرزاق في روايته: قال عطاء: وحسبت أن صفوان بن يعلى أخبرنيه.

قلتُ:
وهذا الأثر لا يصح ولا يثبت، وهو معلول بعلتين:

١. الأولى: أنّ عطاءً لا يثبت له سماعٌ من يعلى.
قال الطحاوي في مشكل الآثار: «هذا الحديث غير متصل بيعلى؛ لأن عطاءً إنما يروي أحاديث يعلى عن أبيه، ولا نعرف له سماعًا من يعلى».اهـ
((كذا ف المكتبة الشاملة، وفي النسخ المرفوعة على الشبكة، ولعل الصواب "أحاديث صفوان عن أبيه"))

* قال عبدالله بن الإمام أحمد عن أبيه:
سمعته يقول مجاهد لم يسمع من يعلى بن أمية، عطاء يحدّث عن صفوان بن يعلى. اهـ
العلل ومعرفة الرجال.

* وقال المزي رحمه الله في ترجمة عطاء:
روى عن . . . .
ويعلى بن أمية (د ت س) إن كان محفوظاً، والصحيح أن بينهما صفوان بن يعلى بن أمية.
تهذيب الكمال. اهـ

٢. والعلة الثانية:
أنّ عطاءً شكّ في سماعه هذا الخبر من صفوان، وهذا مما يزيده ضعفاً، لأن الشك أمارة على قلة الضبط -في هذا الموضع-.

وهذه العلة قد وردت في رواية ابن حزم رحمه الله لهذا الأثر، إلا أنه أهملها واحتج به.

مسألة: أقل الاعتكاف:


ذهب أكثر أهل العلم إلى أن أقل الاعتكاف لحظة أو ساعة، أقل أو أكثر؛

قال النووي رحمه الله:
"الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور: أنه يشترط لبث في المسجد، وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة".اهـ
المجموع

وقد استدلوا بهذا الأثر، وغيره.
وقد تبين ضعفه،

وعلى فرض صحته؛ فقد نوقش بأنه مخالف لظاهر سنته صلى الله عليه وسلم وسنة صحابته الكرام،

حيث لم يرد عنهم نية الاعتكاف مدة لبثهم في المسجد لصلاة ونحوها، مع تكرر مجيئهم إلى المسجد وجلوسهم فيه، لانتظار الصلاة، وسماع الخطبة، وحضور مجالس العلم،

ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وهذا كافٍ ف الدلالة على عدم شرعية ذلك.

قال البعلي رحمه الله :
"ولم ير أبو العباس لمن قصد المسجد للصلاة، أو غيرها أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه"اهـ
الاختيارات الفقهية.

قلتُ: ولعل أقرب الأقوال - والله أعلم - أن أقله ما يطلق عليه اعتكاف لغةً ولا يطلق إلا على طول المكث واللزوم؛
والجلوس اليسير أو الذي لا يعتبر مكثًا طويلاً في اللغة والعرف لا يصح أن يسمى اعتكافًا.

قال الشيخ السعدي رحمه الله:
"والصحيح أنه راجع إلى العرف، كيوم، أو نصف يوم، وأما الشيء القليل جدًّا فلا يسمى اعتكافًا، والله أعلم".اهـ
التعليقات على عمدة الأحكام

مسألة: مقصود الاعتكاف:


قال ابن القيم رحمه الله:

(لما كان صلاحُ القلب، واستقامته، على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيَّتهِ على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى؛

فإن شعث القلب لا يلمُّهُ إلا الإقبال على الله تعالى،
وكان فضُولُ الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام مما يزيده شَعَثاً، ويشتِّتهُ في كلِّ وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه، أو يعوقه، ويوقفه:
اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوِّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضرُّه، ولا يقطعه من مصالحه العاجلة والآجلة،

وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيَّتُه عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره، وحبه، والإقبال عليه، في محلِّ هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصيرُ الهمُّ كلُّه به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه، وما يقرِّب منه، فيصير أُنسه بالله بدلاً من أُنْسِهِ بالخلق، فيعده بذلك لأُنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم)). اهـ
زاد المعاد في هدي خير العباد

هذا والله أعلم،
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

أبو محمد الفرحان.
١٢ / رمضان / ١٤٣٨

 

شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية