اطبع هذه الصفحة


بذل النفع في أن ليلة القدر قد تكون في ليالي الشفع!

أبو نعيم وليد الوصابي


بسم الله الرحمن الرحيم


باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه.
وبعد:

فهذا نقل وبيان، عن مسألة مهمة من مسائل ليلة القدر، وهي: متى تكون ليلة القدر؟
وهي مسألة، طويلة الذيل، كثيرة النيل، تطرق لها كثير من أهل العلم والفهم.

وهذه فتيا من فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، يجيب فيها عن ليلة القدر، ومتى تكون؟
وأنا هنا أنقلها مع تعليق قضيب، بدون اختصار أو تهذيب، بل جعلتها كما هي في التصنيف والترتيب.

وهي محررة مقررة، وهكذا فتاويه -رحمه الله-، تجد فيها الرصانة والجزالة، وبعضها يتسم بالقِصَر، والبعض بالإطالة.

وهاكم السؤال وفتياه:
السؤال: سئل -رحمه الله- عن ليلة القدر، -وهو معتقل بالقلعة! -قلعة الجبل- سنة ست وسبعمائة؟

الإجابة: الحمد لله.
ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (هي في العشر الأواخر من رمضان) وتكون في الوتر منها، لكن الوتر يكون باعتبار الماضي، فتُطلب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين.
ويكون باعتبار ما بقي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى).

فعلى هذا؛ إذا كان الشهر ثلاثين؛ يكون ذلك ليالي الأشفاع، وتكون الاثنين والعشرين، تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين، سابعة تبقى.

وهكذا فسره أبو سعيد الخدري، في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم، في الشهر،
وإن كان الشهر تسعاً وعشرين؛ كان التاريخ بالباقي، كالتاريخ الماضي،
وإذا كان الأمر هكذا؛ فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحروها في العشر الأواخر) وتكون في السبع الأواخر أكثر، وأكثر ما تكون، ليلة سبع وعشرين، كما كان أُبيّ بن كعب يحلف أنها ليلة سبع وعشرين!
فقيل له: بأي شيء علمت ذلك؟ فقال بالآية التي أخبرنا رسول الله، أخبرنا أن الشمس تطلع صبحة صبيحتها، كالطشت لا شعاع لها.

فهذه العلامة، التي رواها أُبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أشهر العلامات في الحديث، وقد روي في علاماتها: (إنها ليلة بلِجة مُنيرة) وهي ساكنة لا قوية الحر، ولا قوية البرد، وقد يكشفها الله لبعض الناس في المنام، أو اليقظة؛ فيرى أنوارها، أو يرى من يقول له: هذه ليلة القدر، وقد يفتح على قلبه من المشاهدة ما يتبين به الأمر).
انتهى من (مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: ٢٥/ ٢٨٤- ٢٨٦).

وقال -رحمه الله-: "والأوتار؛ هل هي باعتبار ما مضى، أو باعتبار ما بقي؟
فليلة إحدى وعشرين، وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة.. باعتبار ما مضى، وباعتبار ما بقي، لتسع بقين، وسبع يقين ونحو ذلك.
فإذا كان الشهر ناقصاً؛ فقيل: لتسع؛ كانت ليلة إحدى وعشرين.. فيكون وتر المستقبل والماضي، وإن كان الشهر كاملاً؛ كانت الأوتار، هي الأشفاع، باعتبار الماضي -كما فسره أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره-.
ولهذا؛ كانت ليلة القدر كثيراً ما تكون.. لسبع مضين، ولسبع بقين؛فتكون ليلة أربع وعشرين، وهي التي روى: أن القرآن نزل فيها.
فالتحقيق: أنها تكون في العشر الأواخر، في الأوتار، لكن بالاعتبارين.
فأما ليلة سبع عشرة من رمضان؛ فلا ريب أنها ليلة سبع عشرة من رمضان؛ فلا ريب أنها ليلة بدر -يومها هو يوم الفرقان- يوم التقى الجمعان.
ولم يجيء حديث يعتمد عليه، أنها: ليلة القدر، وإن كان قد قاله بعض الصحابة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه-: من يقم الحول؛ يصبها، وبعضهم: يعينها، ليلة من العشر الأواخر.
والصحيح: أنها في العشر الأواخر تنتقل.
فروى البخاري: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان".
(مختصر الفتاوى المصرية: ٨٤) و (المستدرك على مجموع الفتاوى: ٣/ ١٨٠)

قال أبو نعيم -كان الله له ومعه-: وتفسير أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، هو: مارواه الإمام مسلم، عن أبي سعيد الخدري، قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم، العشر الأوسط من رمضان، يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له، فلما انقضين، أمر بالبناء فقوِّض، ثم أبينت له: أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء، فأعيد، ثم خرج على الناس، فقال: (يا أيها الناس، إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت؛ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان، وقال ابن خلاد: (يختصمان) معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة) قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا؟ قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون، فالتي تليها ثنتين وعشرين، وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون، فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون، فالتي تليها الخامسة).

وقد اختلف في معنى هذا الحديث، على أقوال:
قال الطيبي: "قوله: (في تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون، تاسعة من الأعداد الباقية، والرابعة والعشرون، سابعة منها، والسادسة والعشرون، خامسة منها".

وقال الزركشي: "تبقى الأولى: هي ليلة إحدى وعشرين، والثانية: ليلة ثلاث وعشرين، والثالثة: ليلة خمس وعشرين، هكذا قاله مالك".

وقال بعضهم: "إنما يصح معناه، ويوافق ليلة القدر وتراً من الليالي.. إذا كان الشهر ناقصاً، فإن كان كاملاً، فلا يكون إلا في شفع، فتكون التاسعة البقية، ليلة اثنين وعشرين، والخامسة الباقية، ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية، ليلة أربع وعشرين، على ما ذكره البخاري بعد عن ابن عباس، ولا يصادف واحد منهن وتراً، وهذا على طريقة العرب في التاريخ؛ إذا جاوزوا نصف الشهر، فإنما يؤرخون بالباقي منه لا بالماضي".
(مرقاة المفاتيح: ٤/ ١٤٣٧)

وقال القاري: "قوله: (تبقى)، أي: يرجى بقاؤها، أي: بعد العشرين، والظاهر: أنه أراد بالتاسعة؛ التاسعة والعشرين، وبالسابعة؛ السابعة والعشرين، وبالخامسة؛ الخامسة والعشرين".
(مرعاة المفاتيح: ٧/ ١٢٥)

وقال الحافظ ابن حجر: "يحتمل: أن يريد بالتاسعة؛ تاسع ليلة من العشر الأخير، فتكون ليلة تسع وعشرين، ويحتمل: أن يريد بها تاسع ليلة، تبقى من الشهر، فتكون ليلة إحدى أو اثنين، بحسب تمام الشهر ونقصانه، ويرجح الأول؛ قوله -في رواية إسماعيل بن جعفر عن حميد الماضية في كتاب الإيمان- بلفظ: (التمسوها في التسع، والسبع، والخمس) أي: في تسع وعشرين، وسبع وعشرين، وخمس وعشرين، وفي رواية لأحمد: (في تاسعة تبقى)، والله أعلم".
(فتح الباري: ٤/ ٢٦٨)

وردّ هذه الرواية، بعضهم: فقد جاء في (مرعاة المفاتيح: ٧/ ١٢٥): أن ما نقل عن أبي سعيد: "مخالف للأحاديث الصحيحة، الدالة على كونها منحصرة في الأوتار، ومخالف لروايته نفسه أيضاً -كما سيأتي- فلا بد من تأويله.
قال السندي: "هذا التفسير -أي: المروي عن أبي سعيد-؛ لا يناسب ما ورد من التماسها في الأوتار)".

ولعل ما يرجح ويعضد هذه المسألة، وهي: أن ليلة القدر، قد تكون في الأشفاع، باعتبار ما مضى وما بقي- حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر، حتى إذا كانت ليلة أربع وعشرين، السابع مما يبقى؛ صلى بنا، حتى كاد أن يذهب ثلث الليل، فلما كانت ليلة خمس وعشرين؛ لم يصل بنا، فلما كانت ليلة ست وعشرين، الخامسة، مما يبقى؛ صلى بنا، حتى كاد أن يذهب شطر الليل ...) الحديث، رواه أبو داود والترمذي وابن خزيمة بنحوه، بسندٍ صحيح.

وهذا ما فهمه الشيخ ابن عثيمين، حيث قال: "والصحيح: أنها تتنقّل، فتكون عاماً ليلة إحدى وعشرين، وعاماً ليلة تسع وعشرين، وعاماً ليلة خمس وعشرين، وعاماً ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، لكن أرجى الليالي- ليلة سبع وعشرين، ولا تتعين فيها، كما يظنه بعض الناس، فيبني على ظنه هذا، أن يجتهد فيها كثيراً، ويفتر فيما سواها من الليالي".
(الشرح الممتع: ٦/ ٤٩٢)


وأياً ما كانت؛ فحريٌ بالحريص.. أن يتتبع ليلة القدر، في جميع العشر: شفعها، أو وترها؛ لهذه الرواية، أو لعلة الخطأ في الحساب، وهي عشر ليال مستطاع عليها.


أسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر إيماناً واحتساباً، ونسأله غفر الذنوب، وستر العيوب، وسرعة وحسن الأُؤوب، إلى علاّم الغيوب.

وكتب: أبو نعيم وليد الوصابي.
١٤٣٧/٩/٢٧
١٤٣٩/٩/٢٠
١٤٤١/٩/١٠

 

شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية