اطبع هذه الصفحة


استقبال شهر رمضان 2

يحيى بن موسى الزهراني

 
الحمد لله ذي الفضل والإنعام ، أوجب الصيام على أمة الإسلام ، وجعله أحد أركان الدين العظام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وصام ، وخير من أطاع أمر ربه واستقام ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام ، وسلم تسليماً كثيراً . . . أما بعد :

فيا أيها المسلمون : اتقوا الله ، واشكروه على أن بلغكم شهر رمضان أفضل شهور العام ، لأن الله سبحانه وتعالى إختصّه بأن جعل صيامه فريضة وركناً رابعاً من أركان الإسلام ، ومبنىً من مبانيه العظام ، قال صلى الله عليه وسلم " بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلاّ الله وان محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت " [ متفق عليه ] .
ولقد فرض الله سبحانه وتعالى على عباده صيام شهر رمضان وسنّ النبي صلى الله عليه وسلم قيام لياليه ، لأن فيها ليلة عظيمة خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريباً .
قال صلى الله عليه وسلم " أتاكم شهر رمضان ، شهر مبارك ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه ، تفتح فيه أبواب السماء ، وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر ، من حُرم خيرها فقد حُرم " [ رواه النسائي وصححه الألباني ] .
وفي الحديث المتفق على صحته قال صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه ".

فينبغي على المسلم أن يستقبل هذا الشهر العظيم بالغبطة والفرح والسرور ، والحمد وشكر الرب الغفور ، الذي وفقه لبلوغ شهر رمضان وجعله من الأحياء الصائمين القائمين الذين يتنافسون فيه بصالح الأعمال ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم شهر رمضان فيقول " جاءكم شهر رمضان شهر بركة ، يغشاكم الله فيه ، فينزل الرحمة ، ويحط الخطايا ، ويستجيب الدعاء ، ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله " [ رواه الطبراني في الكبير ] .

إنه شهر عظيم الخيرات ، كثير البركات ، فيه فضائل عديدة وفوائد جمّة ، ينبغي للمسلم أن يغتنمها ويقتنصها ، قال صلى الله عليه وسلم " إذا كانت أول ليلة من رمضان فُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب ، وغُلقت أبواب جهنم فلم يُفتح منها باب ، وصُفدت الشياطين ، وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة " [ رواه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم ] .
وقال صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى " كل عمل ابن آدم له ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلاّ الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وطعامه من أجلي ، للصائم فرحتان ، فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " [ متفق عليه ] .
وقال صلى الله عليه وسلم " إن في الجنة باباً يُقال له الريّان يدعى يوم القيامة يقال : أين الصائمون ؟ ، فمن كان من الصائمين دخله ، ومن دخله لم يظمأ أبداً " [ رواه البخاري ومسلم واللفظ لابن ماجة ] .

إن شهراً هذه عطاياه وبركاته ، وهذه منحه وهباته لحريٌّ بكل مسلم أن يستقبله بفعل الخيرات والطاعات واجتناب المحرمات والمنهيات وأن يُقبل على ربه سبحانه بالتوبة النصوح وأن يرد المظالم إلى أهلها ، وأن يحذر الظلم لأن الظلم ظلمات يوم القيامة ، ومن ذلك ظلم النفس والزوجة والأولاد ، والعمال والخدم والأجراء ، قال صلى الله عليه وسلم : " من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه " ( رواه البخاري ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار ، وحرم عليه الجنة ، فقال رجل : وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله ؟ فقال ، وإن كان قضيباً من أراك " ( رواه مسلم ) ، فاحذر أيها المسلم من عاقبة الظلم والحيف والجور ، فإن العاقبة وخيمة ، والخاتمة سيئة ، وعلى المسلم أن يبرئ نفسه من كل ذنب ومعصية ، وأن ينتهز هذه الفرصة العظيمة في شهر رمضان المبارك ، فيجتهد في العبادة حتى يألفها مدى عمره وطول أجله .

وعلى العبد أن يُجاهد نفسه فيمنعها عمّا حرم الله عليه من الأقوال والأعمال ، لأن المقصود من الصيام هو التقوى وطاعة المولى ، وتعظيم حرماته تبارك وتعالى ، وكسر هوى النفس ، وتعويدها على الصبر لأن الصبر ضياء وأجر عظيم ومثوبة كبرى .

وليس المقصود من الصيام مجرد ترك الطعام والشراب وسائر المفطرات فقط . ولهذا قال الله جل وعلا : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "
قال صلى الله عليه وسلم " الصيام جنّة فإذا كان يوم صوم أحدكم ، فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إنيّ صائم " [ رواه البخاري ] .
وقال عليه الصلاة والسلام " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري ] .

على المسلم أن يحرص في هذا الشهر الكريم أن يبرّ والديه وأن يصل رحمه ، فهذا هو موسم الصفاء والإخاء ، ونبذ البغضاء والشحناء ، فالقطيعة بين عموم المسلمين محرمة ، وبين الأقارب والأرحام والجيران أشد حرمة ، قال تعالى : " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " ، وقال الله تعالى : " إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون " ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يبسط له في رزقه ـ أي يوسع له ويبارك له فيه ـ وينسأ له في أثره ـ أي يؤخر له في عمره ويزاد له فيه ـ فليصل رحمه " ( متفق عليه ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " ( متفق عليه ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : " تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس ، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً ، إلا امرءاً بينه وبين أخيه شحناء ، فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا " ( رواه مسلم ) ، فاتقوا لله عباد الله وأصلحوا ذات بينكم ، وصلوا أرحامكم ، وتجاوزوا عن زلات غيركم يرضى عنكم مولاكم ، وتدخلوا جنة ربكم .

وعلى المسلم أن يُحسن إلى جيرانه ويتعاهدهم بالزيارة والنصح والتوجيه والإرشاد ، فهو في شهر الجِنان والبعد عن النيران ، شهر الإقبال على الحسنات والطاعات والبعد عن السيئات والمعصيات .
فعلى المؤمن أن يكثر فيه من أعمال البر والخير ، وقراءة القرآن بتعقل وتدبر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإكثار من الباقيات الصالحات من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير ، وأن يحافظ ويداوم على الإستغفار ، وأن يتعاهد إخوانه المرضى وغير ذلك من الأعمال الصالحة التي تقرب العبد من ربه سبحانه ، بل ولا ينبغي أن تكون هذه الأعمال في رمضان فقط ، بل لا بدّ أن تكون هي الشغل الشاغل للمسلم في رمضان وغيره .
قال صلى الله عليه وسلم " من تقرب فيه _ في رمضان _ بخصلة من خصال الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه " رواه ابن خزيمة وفيه مقال ] .

شهر رمضان شهر الخير والبركات والعِبر والعظات ، شهر يستبشر بقدومه المسلمون في كل مكان ، لما فيه من حُسن الجزاء وعظيم العطاء من الله تبارك وتعالى لعباده ، ولما فيه من عظيم المثوبة ، قال صلى الله عليه وسلم " شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار " .
شهر رمضان شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن وشهر العتق من النيران ، وشهر الغفران ، شهر الصدقات والإحسان ، الشهر الذي تقال فيه العثرات وتجاب فيه الدعوات ، وتُرفع فيه الدرجات ويزاد في الحسنات وتغفر فيه السيئات .

شهر رمضان شهر يجود الله فيه سبحانه على عباده بأنواع العبادات والكرامات ، ويُجزل الله سبحانه فيه لأوليائه العطايا ، ويعفو فيه عن الرزايا .
فينبغي على المسلمين تعظيمه بالنية الصالحة والإجتهاد في حفظ الصيام والقيام والمسابقة إلى الخيرات ، ليفوز المسلم بالكرامة والأجر العظيم .
وينبغي على المؤمن أن يحفظ صومه من الأوزار والآثام .

وممّا يجب على المؤمن في شهر رمضان وغيره وفي رمضان آكد ، أن يحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والوقيعة في أعراض المسلمين ، لأن ذلك مُذهب لأجر الصيام ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله . قال صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفّر ما قبله " [ رواه الإمام أحمد ] .وقبل ذلك قال الله تعالى في تحريم الغيبة والنميمة " ولا يغتب بعضكم بعضاً أيُحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه " ، وقال صلى الله عليه وسلم " لا يدخل الجنة نمّام " .

وقال صلى الله عليه وسلم " ما صام من ظلّ يأكل لحوم الناس " [ رواه ابن شيبة 2 / 273 ] .
وقال جابر بن عبدالله " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء " [ رواه ابن شيبة 2 / 272 ] .

هكذا ينبغي للمسلم أن يستقبل شهر رمضان وهكذا ينبغي له أن يكون فيه .
إنها مواسم قد لا تتكرر وقد لا يُدركها الإنسان كل عام ، فينبغي أن يغتنمها ويستثمرها في الطاعة .
ولا شك أن أعظم شيء يقضي فيه الإنسان وقته هو طلب العلم الشرعي ، لما للعلم من منزلة عظيمة ومكانة كبيرة عند الله تعالى ، فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، ولهذا امتدح الله عز وجل العلم ورفع مكانة أهله ، وأجلّ قدرهم ، قال تعالى " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات " ، وقال تعالى " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " ، وجاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل طلب العلم وشرف أهله وما لهم عند الله من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، فقال صلى الله عليه وسلم " من سلك طريقاً يطلب فيه علماً ، سلك الله به طريقاً من طرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما صنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، والحيتان في جوف الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورثّوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " [ رواه أحمد وأهل السنن وهو في صحيح الجامع [ . لذا كان لزاماً على المسلم تعلم العلم الشرعي الذي تق!
وم به حياته ، وأهم ذلك أركان الإسلام الخمسة ، فيعرف الحلال والحرام ، فيكون للحلال مُقداماً ، وللحرام محجاماً .

طلب العلم الشرعي فريضة على كل مسلم حتىّ يميز بين الخير والشر ، فيقوم بفعل الطاعات وإجتناب المعصيات ، يكون سداً منيعاً في وجه الأهواء والشهوات والشبهات ، بالعلم الشرعي يعبد الإنسان ربه على بصيرة ونور .
ولكن مع تقدم الحضارة ، وإنهماك الناس في ملذات الحياة ، تركوا طلب العلم الشرعي ، وأقبلوا على طلب الحياة الفانية ، فأصبح العلم غريباً بين الناس ، بل أبسط الأحكام الشرعية التي يجب على المسلم تعلمها ، أصبحت تمثل عقبةً عظيمةً أمام الكثير منهم ، وكل ذلك بسبب الجهل والغفلة المهلكة التي يعيشها الكثير منا .
قال ابن القيّم رحمه الله " كل ما كان في القرآن من مدح للعبد فهو من ثمرة العلم ، وكل ما كان فيه من ذم للعبد فهو من ثمرة الجهل " .

وبما أن الصيام ركن عظيم من أركان الإسلام ، وقد تخفى كل أحكامه أو جلّها عن الكثير من المسلمين فهذه جملةً من أحكام الصيام التي يحتاجها المسلم في يومه وليلته :
1_ بدء صيام اليوم ونهايته : يتبين هذا الأمر واضحاً بأدلته الشرعية من الكتاب والسنة ، فاماّ من الكتاب فقوله تعالى " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل "
قال ابن كثير رحمه الله تعالى " هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين ، ورفع لما كان عليه الأمر في إبتداء الإسلام ، فإنه كان إذا أفطر أحدهم ، إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو أن ينام قبل ذلك ، فمتى نام أو صلّى العشاء ، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة ، فوجدوا من ذلك مشقةً كبيرةً ، فنزلت هذه الآية ، ففرحوا بها فرحاً شديداً ، حيث أباح الله لهم الأكل والشرب والجماع في الليل متى شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل "
فبينت الآية الكريمة بداية يوم الصوم ونهايته ، فبدايته : من طلوع الفجر الثاني ، ونهايته : إلى غروب الشمس .
فكانت منّة من الله عظيمة ، ومنحة منه كبيرة ، فهي تحدد معالم يوم الصائم ، إبتداءه وانتهاءه ، فيبدأ : من تبيُن الفجر إلى إدبار النهار ، وإقبال الليل وتواري قرص الشمس في الحجاب .
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الفجر فجران ، فاماّ الأول لا يُحرم الطعام ، ولا يُحل الصلاة ، وأماّ الثاني ، فإنه يُحرم الطعام ، ويُحل الصلاة " [ رواه ابن خزيمة والحاكم والدار قطني والبيهقي بإسنادٍ صحيح ] .
وعن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغرنّكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير " [ رواه مسلم ] .
وعن طلق بن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كلوا واشربوا ولا يغرنّكم الساطع المُصَعّد ، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر " [ رواه أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم وسنده صحيح ] .
فعُلم من ذلك أن الفجر ، فجران :
1_ الفجر الكاذب : وهو البياض المستطيل الساطع المُصَعّد كذنب السرحان ، فهذا الفجر لا يحل صلاة الصبح ، ولا يحرم الطعام على الصائم .
2_ الفجر الصادق : وهو الأحمر المستطير المعترض على رؤوس الشِعاب والجبال ، المنتشر في الطرق والسكك والبيوت ، فهذا الفجر هو الذي يحل صلاة الفجر ، ويحرم الطعام على الصائم ، وهو الذي تتعلق به أحكام الصيام والصلاة ، فإذا ظهر ضوء الفجر واعترض في الأُفق على الشِعاب ورؤوس الجبال ، وكأنه خيط أبيض ، وظهر من فوقه خيط أسود هو بقايا الظلام الذي ولّى مدبراً ، فهذا هو الفجر الصادق الذي دلّت عليه الآية السابقة .

2- يتعين على الصائم أن يتحرى غروب الشمس ، ليحفظ صومه من البطلان ، ويظهر ذلك واضحاً جليًّا في قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أقبل الليل من ها هنا ، وأدبر النهار من ها هنا ، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " [ رواه البخاري ومسلم ] .
فإذا غاب قرص الشمس كاملاً وظهر أول الظلام فقد أفطر الصائم .
والعبرة ببدء الصوم وانتهائه الرؤية البصرية ، لأنها هي السنة التي جاءت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى .
أماّ الإعتماد على التقاويم التي هي من صنع المنجمين أو إستعمال الآلات الفلكية ، فهذا فيه بعدٌ عن الدين واتباع المنحلّين ، مما ظهر أثره جلياً على المسلمين من إبتعادهم عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وأمره بالصوم والفطر على الرؤية لا على غيرها ، مماّ زاد الشر بين المسلمين ، وقل فيهم الخير ، فهذه التقاويم من صنع البشر وأي بشر ، ومعلوم أن الإنسان بطبيعته كثير الزلل والخطأ .
فهذه المفكرات والتقاويم لا تخلوا من تقديم أو تأخير او تضارب يقع معه المسلم في حيرةٍ من أمر دينه ، وأمر صومه وفطره ، فعلى المسلم أن يتحرى طلوع الشمس الكامل للإفطار ، وهذه هي السنة التي يجب علينا معاشر المسلمين التمسك بها والعض عليها بالنواجذ .

أما شروط وجوب الصيام فهي خمسة وإليكم بيانها :
1_ الإسلام :
فلا يجب الصوم على الكافر ، ولا يُطالب به في دار الدنيا ، لأنه فرع عن دخوله في الإسلام وما دام غير داخل في الإسلام ، فلا معنى لصيامه ولا معنى أيضاً لمطالبته بالصوم ، وهذا في الدنيا ، ولا يُطالب بقضائه بعد إسلامه .
ودليل ذلك قوله تعالى " وما منعهم أن تقبل نفقاتهم إلاّ انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كُسالى ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون " التوبة 54 .
فالعبادات الخاصة من باب أولى .
أماّ كونه لا يقضي إذا أسلم ، فهذا مستند على قوله تعالى " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [ الأنفال 38 [ .
أماّ إذا استمر الكافر على كفره وعناده فإنه يعاقب على جميع فروع الدين وأصوله ، وأدلة ذلك كثيرة منها قوله تعالى " ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون " [ الأنعام 88 ] .
وقوله تعالى " ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين " [ المائدة ] .
وقوله تعالى " وقدمنا إلى عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً " [ الفرقان 23 ] .
أماّ إذا أسلم وتاب وعاد إلى الإسلام بعد الكفر فإن الله يغفر الذنوب جميعاً .
قال تعالى " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " [ الأنفال 38 ] .
قال محمد رشيد رضا في تفسيره لهذه الآية : إن ينتهوا من عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ويدخلوا في الإسلام فإن الله يغفر لهم ما سلف من ذنوبهم ولا يعاقبهم في الآخرة على شيءٍ من ذلك الذي سلف قبل الإسلام . [ تفسير المنار 9 / 554 ].
وقال صلى الله عليه وسلم " الإسلام يهدم ما كان قبله " [ رواه مسلم ] .
وفي قصة عمرو بن ثابت بن وقش الملقب بالأُصيرم عندما أعلن للجهاد في غزوة أُحد أعلن إسلامه وفي لحطته ذهب يقاتل حتى قُتل ولم يسجد لله سجدة ، ولماّ سُئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال " هو من أهل الجنة " [ سيرة ابن هشام ] .
فدلّ ذلك على أن الكافر إذا أسلم وحسُن إسلامه فإنه يغفر له ما سلف من الذنوب والآثام ولا يعاقب على شيء من ذلك في الآخرة ، والعلم عند الله تعالى .
2_ العقل : وهذا هو الشرط الثاني ، لأن العقل مناط التكليف إذ لا فائدة من توجه الخطاب بدونه .
والعقل ضده الجنون ، فلا يجب الصوم على المجنون ،إ لا إذا كان متعمداً لذهاب عقله بشرابٍ أو غيره ، فيلزمه القضاء بعد الإفاقة ، ويدخل في معنى المجنون : المعتوه الذي لا يعقل والمهذري أي المخرف .
المقصود : أن كل من ليس له عقل بأي وصف من الأوصاف فإنه ليس بمكلّف ، وليس عليه واجب من واجبات الدين ، لا صلاة ولا صيام ولا إطعام ، بل لا يجب عليه شيء إطلاقاً ، لفقد الأهلية في العقل ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " [ رواه الإمام احمد وأبو داود والحاكم وهو حديث صحيح ] .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله " فإن كان يُجن أحياناً ويفيق أحياناً لزمه الصيام حال إفاقته لا حال جنونه ، وإن جُن في أثناء النهار لم يبطل صومه ، لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة ولا دليل على البطلان ، خصوصاً إذا كان معلوماً أن الجنون ينتابه في ساعات معينة ، وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون ، وإذا أفاق المجنون أثناء النهار لزمه الإمساك بقية يومه ، لنه صار من أهل الوجوب ، ولا يلزمه القضاء كالصبي إذا بلغ ، والكافر إذا أسلم .
والهرم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه لا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه ، لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه ، فأشبه الصبي قبل التمييز ، فإن كان يُميز أحياناً ويُهذي أحياناً ، وجب عليه الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه " [ مجالس شهر رمضان 28 ] .
3_ البلوغ : هذا هو الشرط الثالث من شروط وجوب الصوم ، وبما أن الغرض من التكليف هو الامتثال ، فلا يكون الامتثال إلاّ بالبلوغ أي النضوج ، وذلك بالإدراك والقدرة على الفعل ، ومعلوم أن الصِغر والطفولة عجز ، فالصغير لا يُطالب بالتكاليف حتى يبلغ ويحتلم ، ويحصل البلوغ بواحدٍ من ثلاثة بالنسبة للذكر وهي :
إكمال خمسة عشر عاماً ، أو إنبات شعر العانة ، أو إنزال المني بشهوة .
وتزيد الأنثى أمراً رابعاً وهو الحيض ، فمتى حاضت الفتاة فقد بلغت وأنيطت بها التكاليف وجرى عليها القلم ، ولو لم تبلغ خمس عشرة سنة .
فمن رأى إحدى تلك العلامات السابقة فقد بلغ وطُولب بالأحكام الشرعية وأصبح مكلفاً ، ودليل ذلك الحديث السابق الذي فيه " رُفع القلم عن ثلاثة : .. وعن الصبي حتى يحتلم " .
ويُستحب لوليّ الصغير إذا بلغ سبعاً فأكثر من الذكور أو الإناث أن يأمره بالصوم ليتعوده ويطبقه وينشأ عليه ، فيأمره بالصوم إذا بلغ سبع سنين ، ويضربه على ذلك إذا بلغ عشر سنين على أن يكون ضرباً سهلا ، مثل الصلاة .
فشبه الصيام بالصلاة من حيث الأمر بها ، لقوله صلى الله عليه وسلم " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع ، واضربوهم عليها لعشر .. " [ رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه أحمد شاكر وحسن إسناده شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند ] .
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلهون صبيانهم أثناء الصوم وينشئون عليه وهكذا كان دأب السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .
4_ القدرة : وهذا هو الشرط الرابع ، فلا يجب الصوم على المريض العاجز عنه لمرض يُرجى زواله أو لا يُرجى زواله ، فإن كان المرض يُرجى زواله أفطر صاحبه وقضى بعد زوال العلّة ، وإن كان لا يُرجى زوال المرض أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً .
ودليل ذلك قوله تعالى " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " [ البقرة ] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما " ليست بمنسوخة هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم " [ رواه البخاري ] .
وقوله تعالى " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أُخر " [ البقرة ] .
5_ الإقامة : فلا يجب الصوم على المسافر بل له الفطر ، ويقضي بعد ذلك حال الإقامة ، لقوله تعالى " فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر " وقوله صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصوم في السفر" [ رواه البخاري ومسلم ] .

صلاة التراويح :
صلاة التراويح سنة مؤكدة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ـ صلاة التراويح ـ فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح قال : رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان " ( متفق عليه )
فصلاة التراويح سنة مؤكدة مجمع عليها بين علماء المسلمين ، لا ينبغي للمسلم الصادق تركها ، ويكون أداؤها في بيوت الله مع جماعة المسلمين لما في ذلك من الأجر العظيم ، قال صلى الله عليه وسلم : " من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة " وصلاة التراويح في جماعة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفعل أصحابه رضوان الله عليهم ، وفعل السلف والخلف من أمة الإسلام ، فلا ينبغي للمسلم ترك هذه السنة العظيمة التي أجمع عليها أهل هذا الدين العظيم .
وليس لصلاة التراويح عدد معين من الركعات فللإمام أن يصلي ما شاء من الركعات ، وأفضل ذلك الاقتصار على إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة ، وعلى الجميع أن يخلصوا النية وأن يصبروا على أداء هذه العبادة العظيمة محتسبين في ذلك الأجر عند الله تعالى فما هي إلا أياماً معدودة ويودع الجميع هذه الشهر الكريم داعين الله تعالى أن يتقبله منهم وسائر أعمالهم ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، وجاهدوا أنفسكم واصبروا على طاعة ربكم ومليككم جلت قدرته وتقدست أسماؤه .
وعلى الأئمة أن يتقوا الله تعالى في هذه الصلاة ، فلا ينقرونها نقر الغراب ، ولا يختلسونها اختلاس الشيطان ، بل الواجب عليهم أن يطمئنوا فيها وأن يخشعوا في أدائها ، ويجب عليهم أن يراعوا أركانها وواجباتها وسننها ، وان ينظروا حال السلف في صلاة التراويح ، فالصلاة ليست حركات فقط ، وليست صلاة التراويح عبئاً ثقيلاً على الأئمة ، فلا ينظر أحدهم إلى آخرها ، بل عليه أن يطمئن في أدائها ويحذر من التفريط فيها .
اخوة الإيمان - لقد أضلكم شهر الجود وخير والصدقة والإنفاق ، فلكم في نبيكم صلى الله عليه وسلم خير المثل ، وأحسن القدوة ، وخير الأسوة ، فلقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، فهاهو رمضان يطل عليكم بعد غيبة عام كامل ، والله لا يدري الإنسان هل يرده كله أم يتركه كله ، فأروا الله من أنفسكم خيراً ، فالصدقة فيه مضاعفة ، والإنفاق فيه هو يخلفه ، وإياكم والشح والبخل ، فإنه أهلك من كان قبلكم ، فالبخيل بعيد عن الله ، بعيد عن الجنة ، قرين الشيطان ، وقريب من النار ، فعلى المسلم أن يتعاهد إخوانه الفقراء والمحتاجين والمنكسرين ، والأرامل والأيتام والمعوزين ، فها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله ، فيا أهل الكرم والجود ، أنفقوا في شهر الخير والجود ، ووالله إن الواحد منا لينفق أموالاً طائلة ،في أكل وشرب وكماليات وشكليات لا تعود عليه بالنفع ، بل قد يكون ضررها عليه واضحاً جلياً ، فلا أقل من أن يقدم الإنسان لنفسه ما ينفعه عند ربه ويكون في ظل تلك الصدقة والنفقة يوم لا ظل إلا ظله سبحانه ، قال تعالى : " هاأنتم تدعون لتنفقوا في سبييل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم "
والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى ، ونسأله سبحانه أن يبلغنا شهر رمضان ، ويجعلنا فيه من الصائمين القائمين العاكفين والركع السجود ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام الجامع الكبير بتبوك

 

شهر رمضان

  • استقبال رمضان
  • يوم في رمضان
  • رمضان شهر التغيير
  • أفكار دعوية
  • أحكام فقهية
  • رسائل رمضانية
  • المرأة في رمضان
  • سلوكيات خاطئة
  • فتاوى رمضانية
  • دروس علمية
  • رمضان والصحة
  • الهتافات المنبرية
  • العشر الأواخر
  • بطاقات رمضانية
  • المكتبة الرمضانية
  • وداعاً رمضان
  • الصفحة الرئيسية