اطبع هذه الصفحة


مختصر كتاب
«أحكام الشتاء في السنة المطهرة»
(*)

أبو عثمان السلفي


إنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِينُهُ، وَنَسْتْغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ -وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بعد: فرأيتُ من المناسب ونحن مقبلون على فصل الشتاء التحدثّ عن مسائل مهمة حول (أحكام الشتاء )، وقد كتب أهل العلم مؤلفات في ذلك، مثل: «إرشاد الفتى إلى أحاديث الشتا» للشيخ يوسف بن عبدالهادي، و«أحاديث الشتاء» للسيوطي، و«المطر والرعد والبرق والريح» لابن أبي الدنيا، و «الصلاة في الرحال عند تغير الأحوال» للشيخ عبدالله العُبيلان، و«الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر» للشيخ مشهور حسن و «الإخبار بأسباب نزول الأمطار» للشيخ عبدالله الجار الله –رحمه الله-.
وقبل التحدث عن الأحكام الفقهية المتعلقة بالشتاء نذكر بعض الفوائد:

أولاً: لم ترد كلمة الشتاء في القرآن الكريم سوى مرةً واحدة، وذلك في قوله تعالى: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف}.
قال الإمام مالك –رحمه الله-: الشتاء نصفُ السَّنة، والصيف نِصفها.

ثانياً: روى البخاري ومسلم –تحت باب- (بيان كفر من قال: مُطرنا بالنوء ) عن النبي –صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أصبح مِن عبادي مؤمن بي وكافر، فأمَّا من قال : مُطِرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي وكافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : مُطِرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب».
والنوء جمعه أنواء: وهي منازل القمر، فمن اعتقد أنه مُطر بنجم كذا أو بنوء كذا فهذا شرك وكفر، وهذا ما كان يعتقده أهل الجاهلية وهو الشرك الذي بعث الله الرسل بالنهي عنه ومحاربتِه.

ثالثاً: إن ما قلناه عن النوء يلزم منه بيان حكم ما يكثر الكلام حولَه مما يُسمى بالأرصاد الجوية أو تنبؤات الطقس، وحكم الشرع فيه؟
فهذه التتبؤات دراسات علمية متطورة تقوم في مجملها على التقاط صور الغيوم وسمكها، مع معرفة حركة الرياح واتجاهاتها، وسرعتها، ثم على ضوء ذلك تَوقُّعُ الحالةِ الجويةِ المستقبيلة لمدة يوم أو أكثر من حيث درجات الحرارة، وكميات الأمطار ونحوُ ذلك.
وتشير الدراسلت العلمية الحديثة إلى احتمالية صدق التنبؤات الجوية لمدة يومين قد تصل إلى 90%، وإذا كانت المدة من خمسة أيام إلى سبعة تهبط إلى نحو 60%.
فكما سمعنا أن ما سبق كله قائم على مقدمات تتبعها نتائج،مبنية على توقعات واحتمالات، وهذا كلَّه من الناحية الشرعية جائز ومشروع، ولكن ننبه على أمرين:
الأول: وجوب ربط هذا التوقع بالمشيئة الإلهية، لأن حالاتٍ كثيرةً وقعت في كثير من البلاد جرى فيها خلاف المُتوقَّع، وعكس ما ذكرته الأرصاد البجوية فحصل ما لا تُحمد عقباه.
الثاني: هذه التوقعات ليست من علم الغيب في شيء، إنما هي توقعات مبنية على مقدمات تتبعها نتائج، فلا يجوز إصدارها بصور القطع، ولا يجوز تلقيها بصورة الجزم، وإنما هي نافعة للحيطة والحذر.

رابعاً: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ليست السَّنةُ ألا تُمطروا، ولكن السَّنة أن تمطروا ولا تُنبِتُ الأرض شيئاً». رواه مسلم وابن حبان في صحيحه وبوب عليه بقوله: (ذِكر الإخبار عما يجب على المسلمين مِن سؤالهم ربَّهم أن يبارك لهم في ريعهم، دون الاتكال منه على الأمطار ).
والمراد بالسَّنة هنا القحط، ومنه قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسِّنين}.

خامساً: قال أبو هريرة: «إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطرِ أربعين ليلة»، وله حكم الرفع.

وبهذه الفوائد نختم هذه الحلقة، ونتحدث –بمشيئة الله- عن: الطهارة وما يتعلق بها من الوضوء من البرد- وحكم طين الشوارع، والتيمم، والمسح على الخفين، وعن الأذان، والجمع بين الصلاتين، وعن صلاة الاستسقاء والجمعة والخوف، بالإضافة إلى أحكام عامة في الصلاة من: تغطية الفم، والسدل، واشتمال الصماء، ولُبْس القفازين، والصلاة إلى النار، والصلاة على الراحلة أو السيارة خشية الضرر، وعن المساجد وما يتعلق فيها من قطع الصفوف بسبب المدفأة، والفوضى الناشئة عن الجمع أو عدمه، وعن الصيام، وحكم أكل البَرَد للصائم، وعن الزكاة والجهاد والأذكار المشروعة، وعن علامات الساعة، وغير ذلك من الفوائد، بالإضافة إلى التنبيه على الأحاديث الضعيفة، وغير ذلك.
نسأل الله التوفيق والسداد.
 



مبحث الطهارة

وفيه أبحاث:
أولاً: ماء المطر: قال الله -تعالى-: {وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً}، قال الإمام البغوي: «هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره».
ثانياً: الوُضوء في البرد:
قال –صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث كفارات... وإسباغ الوضوء في السَّبرات».
قال المُناوي: «هي شدة البرد»، وفي مسند أحمد أن رجلاً مِن ثقيف قال: سألنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثلاثاً فلم يرخص لنا، فقلنا: إن أرضنا باردة، فسألناه أن يرخص لنا في الطُّهور، فلم يرخص لنا.
فإسباغ الوُضوء مأمور به شرعاً كما في قوله –صلى الله عليه وسلم-: «أسبغوا الوضوء» ، ويزداد الأجر عند البرد والمشقة.
وإسباغ الوضوء: «إتمامه وإفاضة الماء على الأعضاء تامّاً كاملاً، وزيادة على مقدار الواجب».
وهنا ثلاث مسائل:
الأولى: أن بعض الناس يتساهلون في أيام البرد في الوضوء كثيراً: لا أقول: لا يسبغون، وإنما لا يأتون بالقدر الواجب، حتى إن بعضهم يكاد يمسح مسحاً! وهذا لا يجوز ولا ينبغي، بل قد يكون من مبطلات الوضوء.
وأيضاً بعض الناس لا يُفسرون أكمامهم عند غَسل اليدين فسراً كاملاً، وهذا يؤدي إلى أن يتركوا شيئاً من الذراع بلا غَسل، وهو مُحرم، والوضوء معه غير صحيح، فالواجب أن يفسر كُمّه إلى ما وراء المرفق،ويغسل المرفق مع اليد لأنه من فروض الوضوء.
الثانية: بعض الناس يتحرجون مِن تسخين الماء للوضوء، وليس معهم أدنى دليل شرعي.
وروى مسلم في «صحيحه» أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات». قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره... »، قال القرطبي: أي: تكميله وإيعابه مع شدة البرد وألم الجسم ونحوه.
وقال الأُبي: تسخين الماء لدفع برده ليتقوى على العبادة لا يَمنع من حصول الثواب المذكور.
الثالثة: يتحرج بعض الناس مِن تنشيف أعضاء الوضوء في البرد، إما لعادته في أيام الحرِّ وإما تأثُّماً فيما يظنون، وهذا ليس له أصل؛ بل ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أنه كان له خِرقة يتنشف بها بعد الوضوء».
ثالثاً: طين الشوارع: يكثر في فصل الشتاء الوَحَل والطين، فتصاب به الثياب، مما قد يُشْكل حكم ذلك على البعض فأقول: لا يجب غَسل ما أصاب الثوب من هذا الطين؛ لأن الأصل فيه الطهارة، وثبت عن عدد من التابعين: (أنهم كانوا يخوضون الماء والطين في المطر، ثم يدخلون المسجد فيصلون ).
ومثل ذلك: ما لو سقط ماءٌ على المرء لا يدري أنجس هو أم طاهر؟! فلا يجب عليه أن يسأل دفعاً للتكلف والوسوسة، إلا إذا تيقن من النجاسة فيجب عليه وقتئذ تطهيرها.
رابعاً: التيمم:
من لم يجد الماء، أو عَجَزَ عن استعماله لبُعد أو مرض أو شدة برد مع عدم القدرة على تسخينه يجوز له أن يتيمم، ولا إعادة عليه.
والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
والأصل فيه أن يكون على تراب وإلا فعلى حجارة أو حصى وهكذا.
( تنبيه ) : وقع قبل سنوات –في بلدنا- سقوط سقط ثلج بشكل كبير كثيف مما أدى إلى انجماد المياه في صنابيرها الموصلة إلى البيوت، وعدم القدرة على الإفادة منها، فهل هذا يُجيز التيمم أم ماذا؟
الذي أراه –جتهاداً- في هذه الحالة مع وجود الثلج الكبير في حارج البيت أن يأخذ كوماً من الثلج ويذيبه –إن تيسر له ذلك- ثمّ يتوضأ به، فإن لم يستطع، فلا يكلف اللهُ نفساً إلا وسعها.

 



المسح على الخفين والجوربين

 
 
قال الإمام ابن دقيق العيد: «وقد اشْتَهر جواز المسح على الخفين عند علماء الشريعة، حتى عُدَّ شعاراً لأهل السنة، وعُد إنكاره شعاراً لأهل البدع»، ولا فرق من حيث الحكم بين الجوربين وبين الخفين.
وقام علامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي –رحمه الله- بجمع الأحاديث النبوية التي تُثبت المسح على الجوربين في كتاب سماه «المسح على الجوربين»، وهنا مسائل:
الأولى: أن الجورب معروف لكل أحد؛ وهو مطلق ما يُلبس في الرِّجل من غير الجلد، سواءٌ أكان رقيقاً أو غليظاً، ونقل النووي جواز المسح على الجوربين وإن كانا رقيقين عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب –رضي الله عنها-.
المسألة الثانية: هل يجوز المسح على النّعل؟
يجوز؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، كما صح في السنة.
المسألة الثالثة: الجورب أو الخف المخروق:
يجوز المسح على الخف المخروق ما دام اسمه باقياً، والمشي فيه ممكناً، وهذه رخصة، وكانت خفاف المهاجرين والأنصار مُخرقة مشققة بسبب الفقر، ولو كان الخَرق يَمنع من المسح لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
المسألة الرابعة: توقيت المسح:
وقَّتَ النبي -صلى الله عليه وسلم- للمقيم يومٌ وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام للمسح على الخفين.
ولكن: من أين يبدأ التوقيت في المسح؟
مِن اللُّبس؟ أم من أول حدث؟ أم من أول مسح؟!
والراجح أنه من أول مسح؛ لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- : «يمسح المسافر على خفيه ثلاثة أيام... والمقيم يوماً وليلة». وقول عمر بن الخطاب: يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته. وهو أعلم بمعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن بعده، وهو أحد من روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- المسح على الخفين، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «عليكم بسنتي وسنةِ الخلفاء الراشدين بعدي». وقال النووي: (وهو المختار الراجح دليلاً ).
وهنا توضيح: أنه لا عبرة بعدد الصلوات، بل العبرة بالزمن فللمقيم أربعٌ وعشرون ساعة، وللمسافر اثنتان وسبعون ساعة بعد المسح. ونضرب مثلاً على ذلك: رجل تطهر لصلاة الفجر ثم لبس الخفين وبقي على طهارته إلى صلاة العصر، وفي الساعة الخامسة تطهر لصلاة المغرب ثم مسح، فهذا الرجل له أن يمسح إلى الساعة الخامسة إلا ربعاً من اليوم الثاني وبقي على طهارته حتى صلى المغرب وصلى العشاء، فيكون حينئذ صلى تسع صلوات صلها، وبهذا علمنا أنه لا عبرة بعدد الصلوات كما هو مفهومٌ عند كثير من الناس حيث يقولون: إن المسح خمسة فروض. وهذا الكلام لا أصل له.
المسألة الخامسة: هل يشترط لُبس الجوربين على طهارة؟ نعم يشترط، وهذا باتفاق أهل العلم.
ولكن اختلفوا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إني أدخلتهما طاهرتين». إذا غسل إحدى رجليه فأدخلها في الجورب ثم غسل الأخرى فأدخلها في الجورب هل المسح يكون صحيحاً أم انه يجب عليه أن يلبس الجوربين بعد غَسل كلتا رجليه.
والظاهر أنه لا يلزم أن يلبس الجورب بعد غسلهما جميعاً، ومن أراد أن يحطاط فله ذلك.
المسألة السادسة: هل نزع الجوربين بعد المسح ينقض الوضوء؟
اختلف أهل العلم في ذلك، فنهم من رأى أنه لا ينقض الوضوء، ومنهم من يحكم بالنقض، ومنهم من أوجب عليه غَسْل الرجلين.
والراجح أنه لا ينقض الوضوء، ولا يجب عليه أن يغسل الرجلين، لأن المسح رخصة وتيسير من الله، والقول بغيره ينافي ذلك، وثبت عن علي بن أبي طالب أنه مسح على نعليه ثم خلع نعليه صلى. ومن ناحية أخرى: أنه لو مسح على رأسه ثم حلَق شعر رأسه لم يجب عليه أن يعيد المسح ولا الوضوء.
تنبيه: من خلع جوربه الممسوح عليه ثم أعاد لُبْسه، هل يجوز له ذلك ثم المسح عليه؟!
والصواب منع ذلك.
المسألة السابعة: لُبس جورب فوق جورب؟
إذا لَبِس الجوربين على طهارة لا إشكال في جواز المسح عليهما.
أما إذا لَبِس الثاني على غير طهارة فلا يجوز أن يمسح عليه.
ولو أنه خلع الجورب الثاني الذي لَبِسه على طهارة يجوز له الاستمرار في المسح على الجورب الأول.
والحكم نفسه فيمن لَيِس نعلين فوق جوربين سواء بسواء، بشرط لُبْس الجميع على طهارة.
المسألة الثامنة: هل انقضاء مدةِ المسحِ يُبطل الوضوء؟
في ذلك أقول: منهم من يبطله، ومنهم من يُلزم بغسل القدمين، ومنهم من يقول: لا شيء عليه وطهارته صحيحة.
وهذا هو الراجح؛ لأن الطهارة لا يَنقُضُها إلا الحدث، وهذا قد صحت طهارته، ولم يُحدث، فهو طاهر، والطاهر يصلي ما لم يُحدث، ولم يأت نص في أن طهارته انتقضت.
المسألة التاسعة: هل يشترط سبقُ النية للمسح، أو لمدة المسح؟قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله-:
«النيةُ هنا غيرُ واجبةٍ، لأن هذا عمل عُلّق الحُكمُ على مجرد وجوده، فلا يحتاج إلى نية، كما لو لَبِس الثوب، فإنه لا يُشترط أن ينويَ به ستر عورته في الصلاة –مثلاً-، فلا يُشترط في لُبس الخفين أن ينويَ أنه سيمسح عليهما، ولا كذلك نيّة المدة، بل إن كان مُسافراً فله ثلاثة أيام نواها أم لم ينوها، وإن كان مقيماً فله يوم وليلة نواها أم لم ينوها».

 



الأذان

المسألة الأولى: الأذان في المطر أو البرد:
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إذا قلتَ: أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا! قال: فعَله خير مني» إلخ.
ورى البخاري ومسلم عن نافع قال: أذّن ابن عمر ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يامر مؤذناً يؤذن ثم يقول على إِثره: ألا صلوا في الرّحال؛ في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر.
وعن أسامة بن عُمير قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصابنا مطر لم يَبُلَّ أسافل نِعالنا، فنادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن: «صلوا في رحالكم». [تأملوا قوله: وأصابنا مطر لم يَبُلَّ أسافل نِعالنا، يعني أن المطر لم يكن غزيراً، فاشتراط البعض للجمع بكون (السماء منهلة والأرض مبتلة ) زلة!]
ورى ابن حبان في «صحيحه» عن ابن عمر أنه وجد ذات ليلة برداً شديداً فآذن مَن معه، فصلوا في رحالهم، وقال: إني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان مثلُ هذا: أَمرَ الناس أن يُصلوا في رحالهم.
وعن جابر قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فمُطرنا، فقال: ليُصلِّ مَن شاء منكم في رَحْله.

وفي هذه الأحاديث فوائد:
الأولى: الرخصة في التخلف عن مسجد الجماعة لعذر.
قال القرطبي: «وظاهرها جواز التخلف عن الجماعة للمشقة اللاحقة مِن المطر والريح والبرْد، وما في معنى ذلك مِن المشاق المحرجة في الحضر والسفر».

الثانية: أن المؤذن -حين العذر- يبدل قولَه: «حي على الصلاة» بقوله: «صلوا في رحالكم»، أو «بيوتكم»، وجاءت روايات أخرى صحيحةٌ بجواز قولها بعد: «حي على الصلاة» «حي على الفلاح»، وكذا بعد الانتهاء من الأذان كلّه، والأمر واسع.
الثالثة: لا فرق في جواز التخلف عن الجماعة حين العذر، سواءٌ قال المؤذن (صلوا في الرحال ) أم لم يقل!
الرابعة: أن الصلاة في البيوت حين العذر على التخيير وليست على الوجوب، لذلك بوب البخاري في «صحيحه» كتاب الأذان : (باب الرخصة في المطر والعلة أن يُصلي في رَحْلِه ). قال ابن حجر: «ذِكْرُ العلة من عطف العام على الخاص، لأنها أعم من أن تكون بالمطر وغيره، والصلاة في الرَّحل أعم من أن تكون بالمطر أو غيره...».
ويؤيد هذا الحكمَ –من التخلف عن المسجد في المطر- عموم قوله -صلى الله عليه وسلم- : «من سمع النداء ولم يُجب فلا صلاة له إلا مِن عذر».
أما المسألة الثانية: كيفية الأذان والإقامة حالَ الجمع بين الصلاتين.
هذا ما سنبينه في كلامنا حول الجمع بين الصلاتين.

 


الصلاة


الجمع بين الصلاتين:وفيه مسائل:
الأولى: مشروعية الجمع بين الصلاتين:أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن عباس أنه قال: (صلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا مطر ).
وأخرج مسلم في صحيحه -أيضاً-، عن عبدالله بن شقيق، قال خطبنا ابن عباس بالبصرة يوماً بعد العصر حتى غرَبت الشمس، وبدت النجوم، وجعلَ الناسُ يقولون: الصلاة! الصلاة! قال فجاءه رجل من بني تميم لا يَفتُر ولا يَنثني: الصلاة! الصلاة! فقال ابن عباس: أتعلمُني السنة، لا أم لك!? ثم قال: رأيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ).
قال عبدالله بن شَقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء! فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته.
المسألة الثانية: وجه الدِّلالة: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفياً منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثباتٌ منه، لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضاً، ولو لم يُنقل أنه جمع بها فجمعُه بما هو دُونَها دليلٌ على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدَلِفة من غير خوف ولا مطر ). وقال: (وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جَمَع ليرفع الحرجَ الحاصلَ بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرجُ الحاصلُ بهذه أولى أن يُرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها ).
وقال ابن حجر في فتح الباري، والنووي في شرح مسلم: (وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة مُعلقاً على حديثِ عبدِاللهِ بن شقيق عن ابن عباس: (فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على فعله، فعُلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن؛ كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين؛ يخطبُهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى: أنه إنْ قطعه ونَزل فاتت مصلحتُه، فكان ذلك عِندَه من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بالمدينه لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعرِضُ له؛ كما قال: (أراد أن لا يُحرج أُمّته ). إلخ. وقال أيضا –رحمه الله-: (وإنما شُرع الجمعُ لئلا يُحْرَجَ المسلمون ).
المسألة الثالثة: اختلاف الفقهاء:قال الخطابي في (معالم السنن ): (وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر، فأجازه جماعة من السلف, رُوي ذلك عن ابن عمر، وفعَلَه عُروة وابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبدالرحمن، وأبو سلمة، وعامة فقهاء المدينة, وهو قول مالكٍ والشافعيِّ وأحمد ).
وقال ابن كثير في (المسائل الفقهية ) مبيناً:
(وقال الشافعي بجواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعذر المطر في الجماعة لحديث ابن عباس.
وقال مالك وأحمد: يجوز ذلك في المغرب والعشاء، ولا يجوز في الظهر والعصر.
وأبو حنيفة أشد منعاً لهذا وهذا مطلقاً ).
المسألة الرابعة: الجمع بين الظهر والعصر:
فإن بعض أهل العلم يُرون الجمع بين المغرب والعشاء، ويمنعونه بين الظهر والعصر! مع أن حديثَ ابن عباسٍ الذي استدلوا به أصلا على مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، وهو نفسُه الذي فيه –أيضاً- دليلُ مشروعيةِ الجمعِ بين الظهر والعصر على حد سواء!
المسألة الخامسة: صفة الجمع:اختلف أهل العلم في صفة الجمع، فمنهم من حمله على الجمع الحقيقي، بتقديم إحدى الصلاتين إلى وقت الأُخرى، أو تأخيرها، ومنهم من حمله على الجمع الصوري بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها مع تعجيل الصلاة الثانية في أول وقتها.
وينبغي قبل الوقوف على الصواب في ذلك التأكيد على نقطتين في هذه المسألة:
الأولى: أن الجمعَ رخصة، والرخصة عند الأصوليين هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
الثانية: أنّ هذه الرخصة منوطة بدفع الحرج والمشقة.
وعليه فأقول:
قال الحافظ العراقي: (إن الجمع رخصة، فلو كان ما ذكروه [من الجمع الصوري] لكان أشدَّ ضِيْقاً وأعظمَ حرجاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها ). ووصف النوويُّ الجمع الصوري في (شرح مسلم ) بأنه: (احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مُخِالف للظاهر مخالفةً لا تُحتمل ).
المسألة السادسة: النية في الجمع:لا تُشترط النية في الصلاة الأولى لأنها على حالها وفي وقتها، ولم يطرأ عليها شيء، إنما الصلاة الثانية هي التي ستقدّم إلى وقت الأولى، فيشترط إيقاع النية عندها. هذا في جمع التقديم، وعند جمع التأخير يكون العكس. قال شيخ الإسلام: (ولم يَنْقل قطٌ أحدٌ عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه أمر أصحابه لا بنية القصر ولا نيةِ جمع، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك مَن يصلي خلفهم، مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام ).
المسألة السابعة: القربُ والبعد من المسجد:ذكر بعض الفقهاء مَنعُ مَن كان قريباً مِن المسجد من الجمع بين الصلاتين، وأجازوا ذلك فقط للبعيد منه!
وفي (البيان والتحصيل ) لابن رشد: «أن الإمام مالكاً سُئل عن القوم، يكون بعضهم قريبَ المنزل من المسجد، إذا خرج منه دخل إلى المسجد من ساعته , وإذا خرج من المسجد إلى منزله مثل ذلك , ومنهم البعيدُ المنزل عن المسجد , أترى يجمعوا بين الصلاتين كلُّهم في المطر؟ فقال : ما رأيتُ الناس إذا جمعوا إلا القريبَ والبعيدَ، فهم سواء يجمعون , قيل : ماذا ؟ فقال : إذا جمعوا؛ جمع القريبُ منهم والبعيدُ».
قال ابن رشد متعقّباً عليه: «وهذا كما قال، لأن الجمع إذا جاز من أجل المشقة التي تَدخلُ على مَن بَعُدَ, دخل معهم مَن قَرُبَ، إذ لا يصحّ لهم أن ينفردوا دونهم، فيصلوا كل صلاة في وقتها جماعةً، لما في ذلك من تفريق الجماعة، ولا أن يتركوا الصلاة في جماعة». وهذا اختيار الإمام الشافعي.
المسألة الثامنة: أحكام المسبوق عند الجمع:إذا أدرك المسبوق بعد صلاته الصلاة الأولى جزءً من الصلاة المجموعة مع الإمام جاز له إكمال الجمع؛ بدليل عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) . فإن لم يُدرك شيئاً من الصلاة المجموعة لم يَجُز له الجمع.
وهناك أربع صور لِما سبق:
الأولى: من جاء أثناء صلاة الظهر –عند الجمع بين الظهر والعصر- له أن يُتم صلاته، ثم يلحق بصلاة العصر.
ومثل ذلك من جاء أثناء صلاة المغرب عند الجمع بين المغرب والعشاء.
الثانية: من جاء عَقِب انتهاء صلاة الظهر يدخل مع مُصلي العصر بنية الظهر، والجمع يكون فاته لأنه لم يدرك شيئاً من الصلاة الأولى.
الثالثة: من جاء في أول الصلاة العشاء ولم يُصل المغرب ماذا يفعل؟
يقتدي بالإمام الذي يصلي العِشاء وينوي هو صلاةَ المغرب، فإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة نوى هذا المأموم المفارقة بينه وبين الإمام، ثم يجلس ويتشهد ويتم صلاتَه لوحده.
وله أن يقوم بعد فراغه من الصلاة الأولى ليلحق الإمامَ بجزء من صلاة العشاء المجموعة، ثم يُتم ما فاته، كالوضع الطبيعي المعتاد.
الرابعة: من جاء بعد انتهاء الركعة الأولى فما فوق من صلاة العشاء وهي المجموعة، لا يجوز له الجمع، لأنه لم يدرك إلا ما يسعَ الصلاة الأولى، وأما الصلاة المجموعة فلم يدرك منها شيئاً.
المسألة التاسعة: الجمع في غير المسجد:على قسمين: الأول: البيت والمصلى: لا يجمع أحد في بيته أو في مصلى مُلحقٍ بعمله أو مدرسته.
القسم الثاني: المنفرد والجماعة: فيه نوعين مِن الجمع:
الأول: إما لعذر المطر والبرد ونحوهما فلا يجوز إلا في جماعة؛ لكونه عذراً عاماً.
أما الثاني: العذر الشخصي؛ كالمرض والأذى والحرج الخاص ونحو ذلك؛ فإنه يجوز لكونه متعلقاً بالمشقة التي تلحق المصلي الفرد ومقدارها. والضابط في هذا العذر أن الإنسان حسيب نفسه؛ كما قال تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره}.
المسألة العاشرة: الجمع بعد الجماعة الأولى:جمهور العلماء على المنع.
المسألة الحادية عشر: صلاة السنن عند الجمع:تُصلى السنن عِقِبَ الجمع، ولا حرج على من صلى السنن مع الوتر عَقِب صلاتي المغرب والعشاء، حتى ولو لم يدخل الوقت الحقيقي للصلاة الثانية المجموعة.
المسألة الثانية عشرة:كيفية الأذان والإقامة عند الجمع؟!ذهب جمهور العلماء أنه يؤذن أذان واحد ويُقام لكل صلاة إقامةٌ خاصة بها. وهذا هو الراجح، والله أعلم.

 



مسائل أخرى في الصلاة


أولاً:
صلاة الاستسقاء:
«الاستسقاء لغة: طلبُ السقيا.
وشرعاً: طلب السقيا من الله –تعالى- عند حصول الجذب بالثناء عليه والفزع إليه بالاستغفار والصلاة.
وسبب الجذب والقحط ارتكاب المخالفات، كما أن الطاعة سبب البركات، قال –تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون}، وقال –تعالى-: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً}. فمما تقدم تعلم أن الجذب وقلة الأمطار وعدم نزول الغيث الذي به حياة كل شيء كارثة من الكوارث، ومن عظمى المصائب، وسببه التجرؤ على الله –تعالى- بارتكاب المخالفات، فلا يكشفها إلا العالِم بأحوال عباده الرحيمُ بهم. ولهذا وجب اللجوء إليه، والوقوف بين يديه، والتضرعُ والتذلُّلُ له، وطلب الغوثِ منه، ليكشف عنهم ما حلّ بهم».
«فالإكثار من الاستغفار والتوبة سببٌ لنزول المطر، والزيادة من القوة؛ قال –تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مداراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}، أي: إذا تُبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموهُ كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنبن وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وتتخللها الأنهار الجارية».
روى البخاري عن عبدالله بن زيد قال: «خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى المصلى فاستسقى، واستقبل القِبلة، وقلب رداءَه وصلى ركعتين».
قال النووي: «أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة».
وقال: «فيه استحباب الخروج للاستسقاء إلى الصحراء، لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع، ولأنها أوسع على الناس».
وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: شكا الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قُحوط المطر, فأمر بمنبر فوُضِع له في المصلى, ووعد الناس يوما يخرجون فيه, قالت عائشة : فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين بدا حاجِبُ الشمس، فقعد على المنبر, فكبر, وحمد الله -عز وجل-, ثم قال: «إنكم شكوتُم جَدبَ ديارِكم, واستئخارَ المطر عن إبَّانِ زمانه عنكم, وقد أمرَكُم الله –عز وجل- أن تدعُوه، ووعدكَم أن يستجيب لكم», ثم قال: {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين }، لا إله إلا الله, يفعل ما يريد, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنيُّ ونحن الفقراء, أَنْزل علينا الغيث, واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين», ثم رفع يديه , فلم يزل في الرفع , حتى بدا بياض إِبْطيه. ثم حَوَّلَ إلى الناس ظهره, وقلب –أو حَوَّل- رداءَه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس, ونَزَل, فصلى ركعتين، فأنشأ اللهُ سحابة فَرَعَدَتْ وبَرَقَتْ , ثم أَمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول, فلما رأى سُرعتهم, إلى الكِنِّ [أي: ما يسترهم من المطر], ضحك –صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه, فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير , وأني عبدُ الله, ورسوله }».
- وصلاة الاستسقاء يُجهر بها.
- والخطبة فيها واحدة.
- وهي ركعتان كصلاة العيد.
- وتعيين سورة فيها لم يصح.
- والجمهور على أن تحويل الرداء يكون للناس –أيضاً- كما هو للإمام، ويكون في أثناء الخُطبة عند استقبال القِبلة وإرادة الدعاء.
والسُّنة في التحويل (جعلُ ما على الأيمن على الأيسر وعكسه ).
وليس لها وقت معين يُخرج فيه، ولكنها لا تُفعل في أوقات النهي.

ثانياً: صلاة الجمعة:
1- بوب البخاري في «صحيحه» (كتاب الجمعة ): «الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر».
ثم روى حديث ابن عباس في ذلك، وفيه قوله –رضي الله عنه- لمن استنكروا قوله: «صلوا في رحالكم»: «فعَلَه مَن هو خير مني، إن الجمعة عَزْمَةٌ، وإني كرهتُ أن أحرجك فتمشون في الطين والدَّحض».
2- وبوّب الإمام البخاري –أيضاً- في «صحيحه» (كتاب الأذان ): «هل يَخطُب يومَ الجمعة في المطر؟». ثم أخرج الحديث الذي رواه تحت تبويبه المتقدم نفسِه.
3- وبوب الإمام البخاري في «صحيحه» (كتاب الاستسقاء ): «باب الاستسقاء في خُطبة الجمعة غير مُستقبل القِبلة»، ثم روى بسنده حديث أنس: أن رجلاً دخل المسجدَ يوم الجمعة مِن باب كان نحو دار القضاء ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب- فاستقبل رسول اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قائماً، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبل، فادع الله يُغيثنا، فرفع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا...». فذكر الحديث.
وقال الحافظ في «الفتح»: «وفيه إدخال دُعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء».
وفي هذا الدعاء الخاص بالاستسقاء صح رفع الأيدي في الدعاء للإمام والمأمومين، كما بوب البخاري في «صحيحه»: (باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء ) ، و: (باب رفع الإمام يده في الاستسقاء ).

(تنبيهان ):
الأول: روى مسلم في «صحيحه» عن عمارة بن رُؤيْبة أنه رأى بِشر بن مروان على المنبر [يوم الجمعة] رافعاً يديه، فقال: قبح اللهُ هاتين اليدين، لقد رأيتُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأُُصبعه المسبّحة.
قال النووي: «هذا فيه أن السُّنّة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السَّلف وبعض المالكيَّة إباحته؛ لأنَّ النَّبِيَّ –صلى الله عليه وسلم- رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى!
وأجاب الأوَّلون بأنَّ هذا الرَّفع كان لعارض».
قلتُ: وهو الصواب، ويؤيده حديث أنس قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياضُ إبطيه».
«والحديثان المذكوران يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء، وأنه بدعة».
فجواز الرفع في الخطبة –إذن- مخصوص بالاستسقاء حال طروئه.
التنبيه الثاني: روى مسلم في «صحيحه» عن أنس بن مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
نقل النووي في «شرح مسلم» عن جماعة من الشافعية وغيرهم أن «السُّنَّة في كلِّ دعاء لرفع بلاء -كالقحط ونحوه- أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفَّيه إلى السَّماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفَّيه إلى السَّماء»!
أقول: وهذا استدلال ضعيف من وجهين:
الأول: أنه وردت نصوص كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- في دعائه عند رفع البلاء، وليس في شيء منها هذا القلب، فدل ذلك على خُصوصية الاستسقاء دونها، فسَحْبُ هذا القلب على غيره خطأ بيّنٌ.
ويدل عليه:
الوجه الثاني: أنّ قلب اليدين في الاستسقاء صاحبه تحويل الرداء، فالذين جوّزوا القلب مُطلقاً هل يُسوِّغون التحويل مُطلقاً؟!
مِن أجل ذا قال بعض أهل العلم: «الحكمةُ في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهراً لبطن، كما قيل في تحويل الرداء».

ثالثاً: صلاة الخوف:

وسيأتي شيء مِن أحكامها في مبحث الجهاد، إن شاء الله.


رابعاً:
أحكام عامة في الصلاة

الأول:
تغطية الفم: [ومنه التَّلثُّم]
صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه: «نهى عن السَّدْل في الصلاة، وأن يُغطّيَ الرجل فاه»، والأصل في النهي التحريم إلا بقرينة، ولا قرينة، نعم؛ لا يَمنعُ هذا صحةَ الصلاة.
الثاني: السَّدل: كما في الحديث السابق.
والسدل كما قال ابن الأثير: «هو أن يَلتحف بثوبه، ويُدخِلَ يديه مِن داخل، ويركع ويسجُد وهو كذلك»، والمعنى ظاهر، وهو وضع الملابس –كالمعطف والعباءة مثلاً- على الكتفين دون إدخال الأيدي في الأكمام.
الثالث: اشتمال الصَّماء: روى البخاري عن أبي سعيد الخُدْريِّ أنه قال: «نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن اشتمال الصَّماء»، قال ابن قتيبة: سُميت صماءَ، لأنه يَسُدُّ المنافذَ كلَّها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خَرْق.
أي: ليس فيها أكمام، ولا منافذٌ؛ كالبُرنس يُلبَس على الجسد كله، والطَّيلسان يلبس فوق الكتفين، وكلاهما دون أكمام.
وبعض أهل العلم لا يُفرّق بين السدل واشتمال الصّماء! ولا أَرى ذلك صحيحاً، والله تعالى أعلم.
( تنبيه ) : النهي عن السدل واشتمال الصماء نهي عام في الأوقات كلِّها صيفاً وشتاءاً، ويكثر في الشتاء، فهذا لا يجوز فعلَه...
ولكن:
روى أبو داود بسند صحيح من حديث وائل بن حُجْر في صفة صلاة النبي –صلى الله عليه وسلم- قال في آخره: «ثم جئت بعد ذلك في زمان فيه بردٌ شديد، فرأيت الناسَ عليهم جُلُّ الثياب تُحَرَّكُ أيديَهم تحت الثياب» فهذا تخصيص بالبرد الشديد لضرورة، فتنبه.
الرابع: لُبْس القفازين:
ففي الأيام الباردة يلبس بعض الناس قفازات تقي أيديهم من شدة البرد، فينهاهم بعض الناس عن ذلك! والصحيح أنه لا مانع من ذلك.
الخامس: الصلاة إلى النار:
تكثر المدافئ في الأيام الباردة في المساجد وتكون هذه المدافئ أحيانا في قِبلة المصلين، فتتوهج النار أمامَ أعينهم وهو يصلون، وهذا الفعل ممنوع وغير جائز، لأمرين:
الأول: أن هذا الفعل فيه تشبه بعبّاد النار من المجوس، وقد حذر النبي –صلى الله عليه وسلم- من التشبه بقوله: «مَن تشبه بقوم فهو منهم»، ونص أهل العلم على كراهة استقبال الشمع والنار في الصلاة، وإن كان المصلي لا يقصد ذلك، كما نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة بعد الفجر والعصر لأنه وقت سُجود المشركين للشمس. وقال الشيخ القرعاوي: «وأما استقبال النار في الصلاة فهو من التشبه بأعداء الله، ومن وسائل الشرك وذرائعه الموصلةِ إليه، ورسول الله حمى حِمى التوحيد، وسد كلَّ طريق يؤدي إلى الشرك، ومن المعلوم أن باب سد الذرائع باب مهم جدا ينبغي للمفتي أن يجعله على باله، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب «إعلام الموقعين» في الوجه الحادي والثلاثين: أنه –صلى الله عليه وسلم- كره الصلاة إلى ما قد عُبد من دون الله تعالى. قطعاً لذريعة التشبه بالسجود إلى غير الله تعالى»اهـ.
الأمر الثاني: دخول ذلك في عُموم نهي النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يَستقبل المصلي شيئاً يُلهيه في صلاته، كما وقد ورد في ذلك أحاديثُ وآثار....
السادس: الصلاة على الراحلة أو السيارة خشية الضرر:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وتصح صلاةُ الفرض على الراحلة خشية الانقطاع عن الرِّفقة، أو حصول ضررٍ بالمشي».
وقال ابن قدامة في «المغني»: «وإن تضرر بالسجود وخاف من تلوث يديه وثيابِه بالطين والبلل، فله الصلاةُ على دابته، ويومئ بالسجود». ثم قال: «وقد رُوي عن أنس أنه صلى على دابته في ماء وطين، وفعلَه جابر بن زيد، وأمر به طاوس، وعُمارة بن غَزيّة».
وقال الإمام الترمذي في «سننه»: «والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه قال أحمد وإسحاق».
السابع: التبكير بالصلاة في يوم غيم:
فقد روى البخاري عن أبي المَليح قال: كنا مع بُريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإنه النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من ترك صلاة العصر حَبِط عملُه». قال ابن حجر في «الفتح»: «المراد بالتبكير: المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت...».

 


المساجد


وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: قطع الصفوف بسبب المِدفأة:
قال شيخنا العلامة الألباني عند كلامه على مسألة الصلاة بين السواري، وقطع الصفوف:
«ومِثل ذلك في قطع الصف: المدافئُ التي تُوضع في بعض المساجد وضعاً يترتب منه قطع الصف، دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحدٌ مِن المصلين فيه؛ لِبُعدِ الناس -أولاً- عن التفقه في الدين، وثانياً: لعدم مُبالاتهم بالابتعاد عمّا نهى عنه الشارعُ وكره».
المسألة الثانية: الفوضى الناشئة عن الجمع أو عدمه:
وهذا ما يحدث كثيراً في كثير مِن المساجد، حتى إن ذلك ليثير لغطاً كبيراً، وتشويشاً فظيعاً، بكثير جهل وقليل علم!! هذا يقول: اجمع! وذاك يقول: لا تجمع! والثالث ينصر الأول! والآخر ينصر رابعاً.. وهكذا.
وهذه أفعال لا تنبغي وبخاصة في المسجد؛ صيانةً له عما يُخل بآداب الإسلام، وأخلاق الشرع.
ولبيان الحكم في هذه المسألة أذكرُ أمرين:
الأول: أنّ الإمام هو سيد الموقف، وهو الذي يتحمّل مسؤولية فعلِه بينه وبين ربه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه ولهم»، فمن رضي بجمعه فليجمع، ومَن لم يرضَ ولم تطمئن نفسُه به، فله أن يُصلي معه بنية النفل والتطوع، أو أن ينصرف صامتاً هادئاً.
نعم؛ هذا لا يمنع مِن مناقشته بعد الصلاةِ مُناقشةً علمية، ومُباحثتهِ مُباحثةً وُدّيةً، يكون هدفها ومبتغاها معرفةَ الحقِّ، والوصولَ إليه.
الثاني: أنّ للمساجد حُرمةً ومهابةً ومكانةً، لا يجوز خَرقُها والتعدي عليها:
فقد روى البخاري عن السائب بن زيد، قال كنتُ قائماً في المسجد، فحصبي رجل، فنظرتُ، فإذا عمرُ بن الخطاب، فقال: اذهب، فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: مَن أنتما –أو: من أين أنتما-؟ قالا: مِن أهل الطائف. قال: لو كنتما مِن أهل البلد أوجعتكما؛ تَرفَعان أصواتَكما في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!.
وبوب البخاري عليه: «باب رفع الصوت في المسجد»، إشارةً إلى شمول الحُكم عمومَ المساجد.
وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح»: «هذا الحديث له حكم الرفع، لأن عمرَ لا يتوعّدُهما بالجلد إلا على مخالفةِ أمرٍ توقيفي».
وروى مالك في «الموطأ» أن عمر بن الخطاب بنى إلى جَنْب المسجد رَحْبَةً، سماها البُطيحاءَ، فكان يقول: مَن أراد أن يَلْغَطَ، أو يُنشدَ شعراً، أو يرفعَ صوتاً، فليخرج إلى هذه الرَّحْبة.
المسألة الثالثة: إقامة الصلاة في وقتها الأصلي بعد الجمع في المساجد:
وهذا صنيعٌ لا يتعارض مع الجمع؛ لأن مِن الناس من لم يدركوا الجمع ففاتهم، ومنهم مَن لم يشهده أصلاً لعمل أو علة، فالمسجد المجموعُ فيه يُؤذنُ فيه أوقات الصلاة المعتادة، وتُقام الصلاة على الوجه الطبيعي للسبب المذكور؛ بقاءً على الأصل.
ولا يوجد نصٌ يُخالف ما ذكرتُ، ولا ريبةٌ تُعارض ما قرَّرتُ.
والله تعالى أعلم.

 


الصيام


وفيه أربع مسائل:
الأولى: صوم يوم الغيم:
«ينبغي على الأمة الإسلامية أن تُحصي عدّة شعبان استعداداً لرمضان، لأن الشهر يكون تسعةُ وعشرين يوماً، ويكون ثلاثين يوماً، فتصوم إذا رأت الهلال، فإن حال بينها وبينه سحاب، قَدَّرتْ له، وأَكمَلتْ عِدة شعبان ثلاثين يوماً، لأن الله بديعَ السموات والأرض جعل الأهلة مواقيت، ليعلمَ الناس عدد السنين والحساب، والشهر لا يزيد عن ثلاثين يوماً».
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «صوموا لرؤيته، وفطروا لرؤيته، فإنّ غُمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا تصوموا حتى ترَوا الهلال، ولا تفطروا حتى ترَوه، فإنْ غُمَّ عليكم، فاقدروا له».
الثانية: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس:
روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا يوماً من رمضان في غيم على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم طلعت الشمس».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا يدل على شيئين:
على أنه لا يُستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقّن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به النبي –صلى الله عليه وسلم-، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم.
والثاني: لا يجب القضاء؛ فإنّ النبي –صلى الله عليه وسلم-لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نُقل فِطرهم، فلمّا لم يُنقل ذلك دل على أنه لم يأمرهم به....».
قلتُ: وعدم القضاء هو قولٌ لأحمد في رواية....
الثالثة: حُكم أكل البَرَد للصائم:
روى عبدالله بن أحمد في «زوائد المسند»، والبزار، والطحاوي في «مشكل الآثار» عن أنس، قال: مُطرنا بَرَدَاً وأبو طلحة صائم، فجعل يأكلُ منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم؟ فقال: إنما هذا بركة!
قال البزار: «لا نعلم هذا الفِعل إلا عن أبي طلحة».
وقال ابن حزم في «المحلى»: «ومِن الشواذ أنّ أبا طلحة كان يأكل البَرَد وهو صائم، ويقول: ليس طعاماً ولا شراباً!».
وقال ا لشيخ الألباني:«وهذا الحديث الموقوف مِن الأدلة على بطلان حديث: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»؛ إذ لو صحّ لكان الذي يأكل البَرَدَ في رمضان لا يُفطر اقتداءً بأبي طلحة –رضي الله عنه-! وهذا مما لا يقوله مسلم اليوم فيما أعتقد».
الرابعة: اغتنام الصّوم:
فقد صحّ عن النبي –صلى الله عليه وسلم-:«الصومُ في الشتاء الغنيمة الباردة».
 


 الزكاة

وذكرها هنا ترغيب بها، وترهيب مِن تركها والتهاون فيها، إذ هو «سبب القحط والجور وغيرها مِن المصائب»، فضلاً عن أنه مِن الكبائر والآثام والمعاصي.
وقد صح عن ابن عمر مرفوعاً: «.. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا».
وعن بُريدة مرفوعاً: «.. ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر».
وروى ابن جرير في «تفسيره»، والطبراني في «الدعاء» عن مجاهد قوله في تفسير آية {ويلعنهم اللاعنون}، قال: «دواب الأرض؛ تقول: إنّما مُنعنا المطر بذنوبكم».
 



الجهاد

... إيه للجهاد مِن فريضة! تهاون بها أصحابها، وتدعى ضدها أعداؤها، وتساهل في الإعداد لِحُكمها أهلوها...
فكم مِن مقصر فيه ومُستهتر!
وكم مِن مدع له ومُتطاول!
وكم مِن عدو له وخصم!
فقاعدة الجهاد الحقّةُ التزامٌ صريحٌ بالكتاب والسنة، وفهمٌ حقّ لهما على ضوء نهج سلف الأُمة.. ثم –بعدُ- عِلْم وعمل، وجهاد وسدادٌ..
وما سنذكره –في هذا المبحث- مما له صلة بكتابنا مسألة واحدة، وهي مُتعلقة بتفسير قوله -تعالى-: {ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذىً مِن مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم}.
قال البغوي: «رخّص في وضع السلاح في حال المطر والمرض، لأن السلاح يَثقل حمله في هاتين الحالتين».
وقال القرطبي: «للعلماء في وجوب حمل السلاح في الصلاة كلام قد أشرنا إليه، فإنْ لم يجب فيستحب للاحتياط، ثم رخّص في المطر وضْعَه، لأنه تبتل المُبَطّنات، وتثقل، ويصدأ الحديد».

 


الأذكار

وفيه مسائل:
الأولى: أذكار الاستسقاء:
وهي كثيرةٌ؛ ذكر منها النووي في «الأذكار» عدداً، ثمَّ نقل عن الإمام الشافعي قوله: «ويكون أكثر دعائه الاستغفارَ، يبدأ به دعاءَه، ويفصل بين كلامه، ويختم به، ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام، ويحثُّ الناسَ على التوبة والطاعة والتقرب إلى الله –تعالى-».
قلتُ: إشارةُ منه –رحمه الله- إلى قوله –تعالى-: {وقلتُ استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً يرسلِ السماء عليكم مدراراً}.
الثانية: دعاء رؤية الريح:
روى مسلم في «صحيحه» عن عائشة –رضي الله عنها- قلت: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا عَصفت الريح؛ قال: «اللهم إني أسلك خيرها، وخير ما أُرسلت به، وأعوذ بك مِن شرها، وشر ما أُرسلت به».
وفي الباب أدعية أخرى.
الثالثة: الدعاء عند رؤية السحاب والمطر:
عن عائشة –رضي الله عنها أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى ناشئاً [أي: سحاباً لم يكتمل اجتماعه] في أُفق السماء ترك العمل وإن كان في صلاة، ثم يقول: «اللهم إني أعوذ بك من شرها»، فإن مُطر قال: «اللهم صيِّباً هنيئاً».
وفي رواية: «اللهم صيّباً نافعاً»؛ أي: أسألك صَيّباً، أو اجعله صيّباً.
والصيِّب: هو المطر الذي يجري ماؤه.
والدعاء مُطلقاً –عند المطر- مُستحب؛ لما رواه الشافعي في «الأم» -ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» مرسلاً عن مكحول-، أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث».
وهو –على إرساله- فيه إبهام وضعف، ولكنه ينجبر بما له من شواهد ذكرها المنذري في «الترغيب»، وابن القيم في «زاد المعاد»، وجزم شيخنا الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» بحُسْنِه.
الرابعة: الدعاء عند سماع الرعد:
في «موطأ مالك» -رواية أبي مصعب- عن عامر بن عبدالله بن الزبير، عن عبدالله بن الزبير؛ أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، قال: «سبحان الذي يُسبح الرعد بحمده، والملائكة مِن خيفته»، ثم يقول: إنّ هذا الوعيد، لأهل الأرض لَشَديد.

 



علامات الساعة

  وفي هذا الباب حديثان:
الأول: روى أحمد في «مسنده» عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى يُمطر الناسُ مطراً لا تُكِنُّ منه بيوت المَدَر، ولا تُكِنُّ منه إلا بُيوتُ الشَّعَر».
تُكِنُّ: تقي.
المَدَر: هو الطين المتماسك اليابس.
الثاني: روى أحمد في «مسنده» عن أنس أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تقوم الساعة حتى لا تُمطرَ السماءُ، ولا تُنبت الأرض..». وسنده صحيح.

 



فوائد ومسائل

 

  أولاً: روى الإمام مسلم في «صحيحه» عن أنس –رضي الله عنه- قال: أصابنا مطر ونحن عند رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فَحَسَر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثوبَه حتى أصابه مِن المطر، فقلنا: لِم صَنعتَ هذا؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه».
( فائدة هامة ) : ما زال أئمة العلم مِن أهل السنة يُوردون هذا الحديث في باب صفات الباري جل وعلا؛ إثباتاً لعلوه فوق خلقه –سبحانه-، واستوائه على عرشه؛ فقد رواه الإمام عثمان بن سعدي الدارمي في كتابه «الرد على الجهمية» ثم عقّب بقوله: «ولو كان [الله] على ما يقول هؤلاء الزائغة في كل مكان، ما كان المطر أحدثَ عهداً بالله من غيره من المياه والخلائق»، وكذا استدل به الإمام ابن أبي عاصم في كتابه «السُّنّة»، ومثلُهما الإمام الذهبي في كتابه «العُلوِّ للعليِّ العظيم» ضمن دلائله المتكاثرة على إثبات هذا الأصل العقائدي المهم الذي لم يفهمه حق فهمه كثير من العامة، وبعض (أشباهمم ) من الخاصة.
ثانياً: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «الشهداء خمسة...» فذكر منهم: «الغَرق».
أي: الغريق، «وهو الذي يموت غريقاً في الماء».
ويُستفاد مِن هذا الحديث في موضوعنا أن مَن غَرِقَ نتيجةَ الفياضانات والسيول الجارفة في الشتاء –أو غيره- وكان على دين وصلاح وحُسن حال يُرجى له الشهادة، كم هو نص حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
ثالثاً: روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: احترقت بيتٌ بالمدينة على أهله، فحُدِّث بشأنهم النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نِمتُم فأطفئوها عنكم».
وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون».
وبوب الإمام البخاري على الحديثين (باب لا تُترك النارُ في البيت عند النوم ).
و«حكمةُ النهي هي خشيةُ الاحتراق»؛ كما قال الحافظ في «فتح الباري» ثم قال: «قيّده بالنوم لحصول الغفلة به غالباً، ويُستنبط منه أنه متى وُجِدت الغفلة حصل النهي».
وقال القرطبي: «في هذه الأحاديثِ أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يٌطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يُؤْمَن معه الاحتراق، وكذا إنْ كان في البيت جماعةٌ، فإنّه يتعين على بعضهم، وأَحقُّهم بذلك آخرهم نوماً، فمَن فرّط في ذلك كان للسُّنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً».
قلتُ: يُستفاد مِن ذلك كلِّه الحذَرُ الشديدُ مِن إبقاء المدافئ بأنواعها كافةً مشتعلةً حالةَ النوم، لما في ذلك من خطر الاحتراق، أو الاختناق، وحوادثُ مأساويةٌ كثيرةٌ وقعت بسبب التساهل في ذلك، فتنبه.
رابعاً: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي –صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فَأَذِنَ لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؛ فأشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشد ما تجدون من الزمهرير».

 



التنبيه على الأحاديث الضعيفة

مما له صلة بموضوع هذا الكتاب:
أولاً: «الشتاء ربيع المؤمن».
ثانياً: «أصل كلِّ داءٍ البَرْدُ».
ثالثاً: عن أبي هريرة أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي –صلى الله عليه وسلم- في المسجد.
رابعاً: «لولا شبابٌ خُشّع، وشيوخٌ رُكَّع، وأطفالٌ رُضَّع، وبهائمُ رُتَّع، لَصَبَّ عليكم العذاب صَبًّا».
خامساً: «اللهم سُقيا رحمةٍ، لا سقيا عذابٍ».
سادساً: «كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يُصلي في أيام الشتاء وما ندري ما مضى مِن النّهار أو ما بقي».
سابعاً: «اتَّقُوا البَرْدَ؛ فإنّه قتل أخاكم أبا الدَّرداء».
ثامناً: «خُذها مِن عمِّك».
يُذكر أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قاله أنس لما ذكر له أن أبا طلحة كان يأكل البَرَد
(**) وهو صائم.
تاسعاً: «لا تقولوا: قوس قُزح؛ فإن قُزحَ شيطانٌ، ولكن قولوا: قوس الله –عز وجل-، فهو أمانٌ لأهل الأرض مِن الغَرَق».
عاشراً: كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق، قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تُهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك».
حادي عشر: «قال ربُّكم: لو أنَّ عبادي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعتُ عليهم الشمس بالنهار، ولَمَا أسمعتهم صوت الرّعد».
ثاني عشر: «إذا نشأت بَحريّةً، ثمَّ استحالتْ شاميةً، فهو أمطرُ لها».
ثالث عشر: «قلوبُ بني آدم تلينُ في الشتاء، وذلك أن الله خلق آدم من طين، والطين يلينُ في الشتاء».
رابع عشر: «أن النبي –صلى الله عليه وسلم- جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة» ضعيف جدًّا.
(***).
 


الخاتمة
رزقنا الله حُسنَها

... هذا آخرُ ما جمعتُه مِن مُفترقات الأقوال، ومُتباعدات الأحكام في مسائلَ مُتباينةٍ في فروعها، مُؤتلفة في عُموم الحاجةِ إليها، سائلاً الله –تبارك وتعالى- أن أكون قد وافقتُ السَّداد، وجانَبْتُ الفَسَاد، إنَّه سميعٌ مجيبٌ.
وآخر دعونا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمينَ.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب
أبو الحارث الحلبي الأثري
حامداً لله مُصلياً مُسلِّماً
مع أذان ظهر يوم الثلاثاء
17 / رجب / 1415هـ
20 / 12 / 1994م



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب «أحكام الشتاء في السنة المطهرة» لفضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري حفظه الله-، وقمتُ باختصاره مع تصرف يسير لتعم الفائدة.
والكتاب يقع في (173) صفحة.
دار النشر : مكتبة وتسجيلات الهداية - الدار البيضاء.
رقم الطبعة: الثانية.
سنة الطباعة: 2002م.
جاء في المقدمة:
«فهذه رسالة علميّة وجيزة، تحوي مسائل مُهمّة عزيزة، جمعتها من بطون المؤلفات، واستخرجتُها من مثاني المصنفات؛ لأقرب معانيها لعموم المسلمين، وأدني تناولها للطالبين والراغبين، ورتبتها على فقه الأبواب ، فلعلي -به- أوافق الصواب.
ولقد انتهجتُ فيما كتبتُ -وحاولتُ قدر ما استطعت - سلوك سبيل الحجة والدليل، وبعيداً عن محض الرأي وصرف الأقاويل، إلا ما كان اجتهاداً في بعض الأحكام، مما قاله الأئمة الأعلام، فأورده إرشاداً وبياناً لا على سبيل الإلزام...».

(**) وهذا القَدْرُ منه صحيح –كما تقدم-، ولكنَّ المرفوع منه –فقط- لم يثبُت.
(***)
ومعناه –مِن حيث الدلالةُ الفقهيةُ- صحيحٌ جدًّا.

 

أحكام الشتاء
  • رسائل ومقالات
  • الرياح أحكام وآداب
  • خطب
  • المسح على الخفين
  • الرئيسية