اطبع هذه الصفحة


{ الإجراءات القانونية و القضائية للدفاع عن سيد البشرية }

 

بقلم الأستاذ :
أحمد حامد الجبراوي ( المحامي )
الخرطوم - جمهورية السودان


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ، و الصلاة و السلام على رسوله ، و آله و صحبه أجمعين .

قال تعالى :
( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة : ٤٠ .

ما فتئ أعداء الملة يصوبون سهام الكراهية و العداوة لنبيّ الملحمة صلى الله عليه و سلم ، و هي عداوة قديمة متجددة ، و كان بعضا من فصولها الأحداث الأخيرة بفرنسا و التي أظهرت عداوتها بطرق متعددة تصريحاً و إساءة و إعادة لعرض الرسوم المسيئة و اعتداء على المسلمين و مساجدهم في بعض مدنها .

و إن من أعظم واجبات الديانة الدفاع عن الرسول عليه السلام بكافة و سائل المدافعة الممكنة و بذل الوسع في ذلك ، و من الوسائل المهمة :
المدافعة بالإجراءات القانونية و القضائية ضد كل منتهك لما يتصل بمقدسات المسلمين و التي تأتي في رأس الاهتمامات باعتبار أنها أساس الردع المدني الذى يواجَه به المعتدي و المتطاول على أيٍّ من المسلّمات و القطعيات لدى الأمة الإسلامية أو النيل من المقدسات ، و يتبع ذلك النيل من الرسول عليه الصلاة و السلام و أصحابه و أمهات المؤمنين ؛ و كلها تمثل عناصر رئيسة لتوجيه أصابع الإتهام و إنزال العقوبات القضائية سواءً كانت إدارية أو مدنية أو جنائية أو حديّة أو غيرها ، خاصة و أن القانون و مؤسساته غدا لها وضعاً مميزا في حياتنا المعاصرة .

* أهداف المدافعة والمواجهة القانونية :

و تتعدد أهداف تلك المواجهة سناً للقوانين المُجَرِّمة لانتهاك القطعيات الشرعية و التهجم على رسول رب البرية ، و حملة الوحي ، و ناشري ألوية الشريعة الإسلامية قديماً و حديثاً ، و مراقبة و رصد تلك الانتهاكات ، و إيجاد آليات المدافعة الحقوقية دولياً و إقليمياً و محلياً ، و إبراز المنع القَبْلِي ، و تحريك التفاعل القانوني بإحداث تفعيل إعلامي موازي لجذب الرأي العام لذلك ليشكّل ضغطاً سياسياً و شعبياً و قانونياً و الوقوف القانوني بجانب الأقليات في دول العالم ، و الدفاع عن العلماء والدعاة ، و الإعلاميين ، و الكُتَّاب المدافعين و غيرها من الأهداف و المقاصد المُحَقِّقَة للمنشود .

* المرجعية القانونية للمواجهة :

جدير بالقول أن أي إدانة أو منع لابد أن يستند على نص قانوني أو تشريع حتى لا يقوم كل إنسان بالتجريم و العقاب بمفرده لأنه أمر ينفرد به المُشَرِّع ، و عليه فلابد من إبراز المرجعيات الشرعية و القانونية للمواجهة ؛ ففي مجال المرجعية الشرعية فقد بين الفقهاء و العلماء حكم و عقوبة من يتجرأ على سب الله و رسوله صلى الله عليه و سلم - و العياذ بالله تعالى - و التي تصل إلى حد القتل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه " الصارم المسلول على شاتم الرسول" :
( إن سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه و سلم كفر ظاهر ؛ و عقوبة من سب النبي من مسلم أو كافر القتل ، هذا مذهب عامة أهل العلم ، قال ابن المنذر : " أجمع عوام أهل العلم على أن حدّ من سبّ النبي صلى الله عليه و سلم القتل ، و ممن قاله مالك و الليث و أحمد و إسحاق و هو مذهب الشافعي " ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ) الأحزاب : ٥٧ ) .

* المرجعية القانونية :

إن معظم القوانين و العهود الدولية و الإقليمية و الدساتير و القوانين الوطنية تعنى بحماية الأديان و المقدسات و تكريمها و صيانتها ،
فقد جاء في ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و الذى اعتمد و عرض للتوقيع و التصديق في ديسمبر ١٩٦٦م :
( إن الدول الأطراف في هذا العهد ، إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم و من حقوق متساوية و ثابتة يشكل وفقاً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة أساس الحرية و العدل و السلام في العالم كما نصت المادة الثامنة عشر على أن ... :
٣ / لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التي يفرضها القانون و التي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين و حرياتهم الأساسية ) .

و نصت المادة التاسعة عشر على :

( أن لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة ، و لكل إنسان حق في حرية التعبير ، و يشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات و الأفكار و تلقيها و نقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود ، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها ) .

و في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمد في ١٠ كانون الأول / ديسمبر ١٩٤٨م فقد نصت المادة التاسعة عشر على أن :
( لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي و التعبير ، و يشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة ، و في التماس الأنباء و الأفكار و تلقيها و نقلها إلى الآخرين بأية وسيلة و دونما اعتبار للحدود ) .

و كل المواثيق الإقليمية و الوطنية تدعو و ترعى الحرية الفردية و احترام الأديان و مقدساتها ، و وضعت القوانين و الأنظمة التى تحاكم و تعاقب المنتهكين لتلك الحرمات .

و في أوربا فإن معظم الدول تضع سياجاً للمقدسات و تعاقب المخالفين بعقوبات متنوعة و حتى فرنسا و تعتبر إساءة الأديان فيها جنحة و تعاقب بالحبس من يرتكب فعل التصريح بخطاب الكراهية ، و مع ذلك ظهرت العنصرية في مواقفها انحيازاً لليهودية في مقابل غيرهم ، و دولة ألمانيا تعتبر من أفضل دول أوربا في تجريم تلك الاعتداءات .

* آليات المواجهة :

و حتى تكتمل المواجهة و تؤتي أكلها لابد من ايجاد آليات و وسائل لتحقيق ذلك ؛ من بينها :

١ - تشكيل هيئة قانونية و حقوقية عالمية للمطالبة القوية بمواثيق دولية و اتفاقيات تعزز احترام و توقير المقدسات ، و تمنع من أي انتهاكات تزدري الأديان و تسئ للرسل الكرام ، و تقوم الهيئة بالمدافعة و الضغط و التأثير ، و نحن في أمس الحاجة لمثل هذه الآلية باعتبار أنها تعضد و تقوي من سبل المواجهة للتعدي و الانتهاك لمقدسات الأمة و تقويها و تملأ فراغاً في جبهة مهمة .

كما أنها تمثل عنصراً لحماية العلماء ، و منظمات أهل الأسلام ، و وسائط الإعلام و غيرها من التخوف من الملاحقة القضائية ، بل و تعطيهم قوة في الدفاع عن عقائد أهل الاسلام و الرد على انتهاكات أعداء الملة ، كما أنها تيسر التحرك الدولي للدول أو المنظمات و الهيئات الدولية و رفع مشروعات القوانين و أشكال المعاهدات الدولية و ترافعاً في المحاكم و ظهوراً في الميديا و الإعلام ، و مقابلة الشخصيات المؤثرة و غيرها .

٢ -
أهمية إقامة دعاوى قضائية أمام القضاء ضد المنتهكين حتى و لو كانوا رؤساء دول ، كما يمكن إقامة دعاوى أمام محاكم دولية كالمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان بموجب الملحق ١٤ الميثاق الأوربي و الذي يشمل : الطبيعيين ، و المنظمات الدولية غير الحكومية ، و مجموعات الأفراد ضد دولة طرف في الميثاق .

و حسناً فعلت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في قضائها بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠١٨م بأن الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه و سلم لا يمكن إدراجها ضمن حرية التعبير عن الرأي و هو حُكْمٌ أصاب كبد الحقيقة .

فالمهم هو التحرك لتحقيق مكاسب قضائية للأمة في هذا الصدد و ترتيب أثار ايجابية على المنتهكين سواءً كانوا أفراداً أو منصات إعلامية أو مجموعات و مؤسسات فنية أو إعلامية ، و مما يشجع تأييد المحكمة الإدارية العليا بمصر لإيقاف قناة اليوتيوب لمدة شهر و حجب جميع المواقع و الروابط الإلكترونية التي تعرض الفيلم المسئ للرسول الكريم في ٢٠١٨م مما يشجع من نظائره في الدول الإسلامية الأخرى .

٣ -
إنشاء منظمات طوعية دولية و وطنية ذات طابع حقوقي للدفع إنسانياً و إعلاميا و حقوقياً و إسناداً و ضغطاً و تأثراً جماهيرياً و أثراً سياسياً و دعماً مالياً لسبل المواجهة و المدافعة عن نبي الأمة و مقدسات المسلمين .

٤ -
أهمية المنع الإداري القَبْلِي سعياً لتفعيل القوانين و الأنظمة الإدارية منعاً أو الغاءاً لكافة أشكال الانتهاكات للمقدسات مما يتطلب نشاطاً و مزاحمة برلمانية و سياسية و حقوقية و طوعية في الدول التي تحصل فيها تلك الانتهاكات و غيرها .

٥ -
التحرك الإسلامي دولاً و منظمات و نقابات قانونية و حقوقية و إعلامية للمطالبة بسن قوانين تحرم الإعتداء على القرآن الكريم و الرسول عليه السلام و الضغط قانونياً و اقتصاديا و إعلامياً في هذا الاتجاه ،
و هذه فرنسا اهتز اقتصادها بحملة محدودة في عدد من الاسواق فكيف إذا تحركت أمة الملياري مسلم ؟! .

٦ -
تفعيل الرصد الإعلامي القانوني إذ أنه من الوسائل المهمة لرصد الانتهاكات القانونية عبر الواقع الإفتراضي و الحقيقي و تأهيلهم مهنياً و مالياً و دعمهم قانونياً و لوجستياً ، و الرصد معين لإحدى المنتهكين : كُتَّاب ؛ ممثلين ، رسامين و غيرهم و مقاضاتهم .

و بعد :
فهذه قصاصات قصدتُ منها بيان بعض وجوه المدافعة عن رسولنا صلى الله عليه و سلم قياماً بواجبنا عليه لننال شرف الإنتساب إليه و الدفاع عنه إذ أنه من لوازم الإيمان .

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العامين .

٩ ربيع الأول ١٤٤٢ھ || ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٠م
 

 
  • اعرف نبيك
  • إلا رسول الله
  • الدفاع عن السنة
  • اقتدي تهتدي
  • حقوق النبي
  • أقوال المنصفين
  • الكتب السماوية
  • نجاوى محمدية
  • دروس من السيرة
  • مقالات منوعة
  • شبهات وردود
  • أصحابه رضي الله عنهم
  • أعظم إنسان