اطبع هذه الصفحة


دعوى قول شيخ الإسلام بالجهة والتحيز

د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن

 
المبحث الرابع
دعوى قوله بالجهة والتحيز ومناقشتها

المطلب الأول
دعوى قوله بالجهة والتحيز


يرى المناوئون لابن تيمية -رحمه الله رحمة واسعة - أنه يقول: بأن الله في جهة ، وأنه متحيز .
ومنشأ ذلك هو: قياس الخالق بالمخلوق ؛ لأنهم يقولون بنفي الجهة مطلقاً عن الله عزّ وجل .
ثم اختلفوا بعد ذلك في حكم القائل بالجهة بالنسبة إلى الله عزّ وجل هل يكفر أم لا؟ على قولين:
فمن قائل: إنه كافر ناقلاً اتفاق الأئمة الأربعة على ذلك ! .
ومن قائل: إنه لا يكفر، ولا يصح الحكم بكفره، بل يصل إلى درجة الابتداع .


المطلب الثاني
مــنــاقــشــة الــدعــوى

المسألة الأولى: الموقف من الألفاظ المجملة:
لقد تواترت عبارات السلف، وتطابقت مقالاتهم في ذم علم الكلام والتحذير منه. ومن أتباعه.
فهذا أبو حنيفة النعمان (ت - 150هـ) رحمه الله سأله سائل:
ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال:
(مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة) .
وقال الإمام مالك (ت - 179هـ) رحمه الله: (كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نحن عليه؟! إذاً لا نزال في طلب الدين) .
وقال الشافعي (ت - 204هـ) رحمه الله: (لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام) .
وقال - أيضاً -: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام) .
وقال أحمد (ت - 241هـ) رحمه الله: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل ) .
وقال - أيضاً -: (علماء الكلام زنادقة) .

وأما موقف ابن تيمية - رحمه الله تعالى - من الألفاظ المجملة المبتدعة التي أطلقها أهل الكلام، وجعلوها من الاعتقاد، وبيان موقف السلف منها في مجموع كلام ابن تيمية رحمه الله فيمكن إجماله في الملحوظات التالية:
1 - كان السلف يتحرون في إطلاق الألفاظ على الله عزّ وجل، فلا يطلقون إلا الألفاظ الشرعية، ويحرصون على اجتماع الحُسن بين اللفظ والمعنى، ولا يلجؤون إلى المعنى الحسن، ليعبروا عنه بأفضل الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، إلا إذا لم يهتدوا إلى لفظ مناسب موجود في الكتاب أو في السنة .
2 - حين يرد السلف على النفاة: يردون على ألفاظهم القريبة من الإثبات، ويبطلونها، فيكون ذلك رد من باب أولى على ألفاظهم الموغلة في النفي، البعيدة عن الحق، قال رحمه الله: (إن السلف والأئمة كانوا يردون من أقوال النفاة ما هو أقرب إلى الإثبات، فيكون ردهم لما هو أقرب إلى النفي بطريق الأولى) .
3 - نهى السلف عن إطلاق الألفاظ الكلامية، فذكر رحمه الله أقسام مثبتة الصفات تجاه النفاة، وذكر عن أهل السنة والجماعة قوله: (وطائفة نازعتهم نزاعاً مطلقاً في واحدة من المقدمتين، ولم تطلق في النفي والإثبات ألفاظاً مجملة مبتدعة لا أصل لها في الشرع، ولا هي صحيحة في العقل، بل اعتصمت بالكتاب والسنة، وأعطت العقل حقه، فكانت موافقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول) .
4 - سبب نهي السلف عن إطلاق الألفاظ الكلامية هو:
أ - اشتمالها على معان باطلة ومعان صحيحة، ولذلك فهي توقع في الاشتباه والاختلاف والفتنة، خلاف الألفاظ المأثورة التي تحصل بها الإلفة، يقول ابن تيمية رحمه الله:
(يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة: النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات.
وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور، أو تقصير في بيان الحق، ولكن؛ لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق وباطل، وفي نفيها نفي حق وباطل...) .
ب - لأنها تتضمن تكذيب كثير مما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وذلك يعرفه من عرف مراد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ومراد أصحاب تلك الأقوال المبتدعة .
جـ - لأنها ليس لها ضابط، بل كل قوم يريدون بها معنى غير المعنى الذي أراده أولئك فجعلوها دقيقة غامضة، بخلاف ألفاظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإن مراده بها يُعلم كما يعلم مراده بسائر ألفاظه .
5 - أول من عرف عنه إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة نفياً أو إثباتاً: أهل الكلام المحدث بقسميهم:
النفاة كالجهمية والمعتزلة. والمثبتة الغلاة كالمشبهة من الرافضة وغير الرافضة .
6 - تضمنت الألفاظ المجملة أنواعاً مختلفة من الإجمال، وليس نوعاً واحداً، فتارة يكون الإجمال بطريق الاشتراك ، لاختلاف الاصطلاحات، وتارة يكون الإجمال بطريق التواطؤ ، مع اختلاف الأنواع، فإذا فسِّر المراد، وفصِّل المتشابه: تبين الحق من الباطل، والمراد من غير المراد .
7 - كثير ممن تكلم بهذه الألفاظ المجملة: كان يظن أنه ينصر الإسلام بهذه الطريقة، وأنه بذلك يثبت معرفة الله وتصديق رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فوقعت عندهم أمور كثيرة من الخطأ والضلال.
والبدعة - في هذا - لا تكون حقاً محضاً، ولا باطلاً محضاً، إذ لو كانت حقاً محضاً موافقاً للسنة، لما كانت باطلاً.
ولو كانت باطلاً محضاً، لما خفيت على الناس، ولكنها تشتمل على حق وباطل، وقد لبس صاحبها الحق بالباطل: إما مخطئاً غالطاً، وإما متعمداً لنفاق فيه وإلحاد  .
8 - كثير من الألفاظ البدعية المجملة تختلف معانيها في اصطلاحات المتكلمين عنها في لغة العرب، ولذلك تحدث إشكالاً، وتورث شكاً، ويضرب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مثالاً لذلك بالعقل، فهو عند المتكلمين: جوهر قائم بنفسه، وأما العقل في لغة العرب فهو عَرَض: عِلم، وعمل بالعلم، وغريزة تقتضي ذلك .
ولذلك يحرص ابن تيمية رحمه الله على معرفة معاني ألفاظ المخالفين ومرادهم من إطلاقها .
9 - أن هذه الطرق التي يسلكها المتكلمون أحسن أحوالها أن تكون عوجاء طويلة، وقد تهلك، وقد توصل؛ إذ لو كانت مستقيمة موصّلة لم يعدل عنها السلف، فكيف إذا تيقن أنها مهلكة!
ويضرب ابن تيمية رحمه الله مثالاً لذلك بمن ترك سلوك الطريق المستقيم الذي يوصله إلى مكة، وسلك طريقاً بعيدة لغير مصلحة راجحة، فهذا يكون تاركاً لما يؤمر به، فاعلاً لما لا فائدة فيه، أو ما ينهى عنه، إذا كانت تلك الطريق موصلة إلى المقصود، فأما مع الاسترابة في كونها موصلة أو مهلكة فإنه لا يجوز سلوكها .
10 - لا يُكفَّر مطلق هذه الألفاظ أو نافيها، بل يُبَدَّع، ويُذَم غاية الذم .
11 - تختلف مقامات الخطاب في الاقتصار على الألفاظ الشرعية، أو الحاجة إلى مثل هذه الألفاظ المجملة ومنها:
أولاً: إن كان الإنسان في مقام دفع من يُلزمه ويأمره ببدعة، ويدعوه إليها: أمكنه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأن يقول: لا أجيبك إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله، بل هذا هو الواجب مطلقاً. كما قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153] .
وقال سبحانه: { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] .
ثانياً: وإن كان الإنسان في مقام الدعوة لغيره والبيان له، وفي مقام النظر - أيضاً -، فعليه أن يعتصم - أيضاً - بالكتاب والسنة، ويدعو إلى ذلك، وله أن يتكلم مع ذلك، ويبين الحق الذي جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم بالأقيسة العقلية والأمثال المضروبة.
فهذه طريقة الكتاب والسنة وسلف الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى ضرب الأمثال في كتابه، وبيّن بالبراهين العقلية توحيده وصدق رسله وأمر المعاد وغير ذلك، وأجاب عن معارضة المشركين كما قال تعالى: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] .
ثالثاً: وإن كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل، وادعى أن العقل يعارض النصوص، فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها، فإذا أخذ النافي يذكر ألفاظاً مجملة، فهنا يستفصل السائل ويقول له:
ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟
فإن أراد بها حقاً وباطلاً قبل الحق ورد الباطل.
وإذا قدر أن المعارض أصر على تسمية المعاني الصحيحة التي ينفيها بألفاظه الاصطلاحية المحدثة، قيل له: هب أنه سمي بهذا الاسم، فنفيك له: إما أن يكون بالشرع، وإما أن يكون بالعقل.
أما الشرع فليس فيه ذكر هذه الأسماء في حق الله، لا بنفي ولا إثبات، ولم ينطق بذلك أحد من سلف الأمة لا بنفي ولا بإثبات.
وإن أردت أن نفي ذلك معلوم بالعقل، فيقال: الأمور العقلية لا عبرة فيها بالألفاظ، فالمعنى إذا كان معلوماً إثباته بالعقل لم يجز نفيه لتعبير المعبِّر عنه بأي عبارة عبر بها، وكذلك الحال في النفي العقلي لا يجوز إثباته بأي عبارة، والمنازعات اللفظية غير معتبرة في المعاني العقلية .
ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله الموقف من هذا الصنف، وأن المناظر يحتاج أن يعبر بألفاظ لا يطلقها إلا في مثل هذا الموضع بقوله:
(وقد يقع في محاورته إطلاق هذه الألفاظ؛ لأجل اصطلاح النافي ولغته، وإن كان المطلق لا يستجيز إطلاقها في غير هذا المقام) .
فتبين أن المصلحة الشرعية الراجحة هي الضابط والمعيار بحسب اختلاف حال المخاطبين .
12 - ينبني على الفقرة السابقة مسألة وهي: حكم معاملة أهل الاصطلاح باصطلاحهم.
ويجيب عنها شيخ الإسلام رحمه الله بالجواز إذا توفر فيها شرطان:
إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم، ومن كرهه من الأئمة، فإنما ذلك: إذا لم يحتج إليه والله أعلم .
13 - المنازعات اللفظية اللغوية، والاصطلاحية، والعقلية، والشرعية: توجب على المسلمين الاعتصام بالكتاب والسنة، كما أمرهم الله بذلك في قوله: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، وقوله: {المص *كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } [الأعراف: 1 - 3] ، وقوله: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام: 153] ، وقوله: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [البقرة: 213] ، وقوله: { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } [طه: 123 - 126] .
14 - الاستفصال في بيان معاني الألفاظ المجملة هو الطريق الشرعي للتعامل معها إزاء المخالف، فيُبين له ما وافق الحق وما خالفه، وهذا من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يعبرون عنها بوضعهم وعرفهم.
ويشترط ابن تيمية رحمه الله فيمن يستفصل في بيان الألفاظ المجملة شرطين وهما:
أن يكون عارفاً بمعاني الكتاب والسنة، وأن يكون عارفاً بمعاني ألفاظ المخالفين ومرادهم منها، لتقابل المعاني الشرعية بمعاني المخالفين ليظهر الموافق والمخالف .
ويوجب ابن تيمية رحمه الله على من يريد كشف ضلال من يطلق الألفاظ المجملة أن لا يوافقهم على لفظ مجمل حتى يتبين له معناه، ويعرف مقصوده، ويكون الكلام في المعاني العقلية المبينة، لا في معان مشتبهة بألفاظ مجملة.
وينبه رحمه الله إلى طريقتهم إذا ذكروا لأحد كلامهم المجمل فاعترض عليهم بما تنفر عنه فطرته، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية ما يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل.
والاستفصال في الألفاظ المجملة نافع في الشرع والعقل:
أما الشرع: فإن علينا أن نؤمن بما قاله الله ورسوله، فكل ما ثبت أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قاله فعلينا أن نصدق به، وإن لم نفهم معناه؛ لأنا قد علمنا أنه الصادق المصدوق الذي لا يقول على الله إلا الحق.
وما تنازع فيه الأمة من الألفاظ المجملة فليس على أحد أن يقبل مسمى اسم من هذه الأسماء، لا في النفي ولا في الإثبات، حتى يستفصل ويبين له معناه، ويكون المعنى صواباً: إذا كان موافقاً لقول المعصوم.
أما العقل: فمن تكلم بلفظ يحتمل معاني، لم يقبل قوله ولم يرد حتى نستفسره ونستفصله، ليتبين المعنى المراد، ويبقى الكلام في المعاني العقلية، لا في المنازعات اللفظية (.
15 - الاستفصال في الألفاظ المجملة يكون كالتالي:
إن أراد المثبت لهذه الألفاظ بها معنى صحيحاً، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في اللفظ خطأ.
وإن أراد النافي لهذه الألفاظ معنى صحيحاً، فقد أصاب في المعنى، وإن كان في اللفظ خطأ.
وإن أراد المثبت لهذه الألفاظ معنى باطلاً: نفي ذلك المعنى عن الله عزّ وجل.
وأما من أثبت بلفظه حقاً وباطلاً، أو نفى بلفظه حقاً وباطلاً: فكلاهما مصيب فيما عناه من الحق، مخطئ فيما عناه من الباطل، قد لبس الحق بالباطل، وجمع في كلامه حقاً وباطلاً.
وأما الموقف من اللفظ مجرداً عن المعنى: فإن الأصل هو التعبير بالألفاظ الشرعية الواردة كما تبين من قبل.
ولا ينبغي العدول إلى هذه الألفاظ المبتدعة المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد بها.
ويضرب ابن تيمية رحمه الله مثالاً على الحاجة وهو: أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها كمخاطبة العجمي بلغته.
ويسهل الأمر عند ابن تيمية رحمه الله إذا عُبر بالألفاظ المحدثة التي تحمل معان صحيحة حين المنازعات العقلية والله أعلم .

المسألة الثانية: مناقشة دعوى قول شيخ الإسلام بالحيز والجهة:
الحيز لغة: من (حَوَز)، وحيّز الدار ما أنظم إليها من المرافق والمنافع، وكل ناحية على حدة حيّز.
ومن معانيه: الميل من جهة إلى جهة أخرى، كما في قول الله عزّ وجل: {إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ } [الأنفال: 16] ، قال ابن جرير الطبري (ت - 310هـ) رحمه الله: (هو الصائر إلى حيز المؤمنين في القتال، لينصروه أو ينصرهم) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الحيز فإنه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه وضمه، وتحيز وتفيعل، كما أن يحوز يفعل، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] ، فالمقاتل الذي يترك مكاناً وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء إلى العدو، فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها) .
وأما عند المتكلمين: فالتحيز أعم منه في اللغة العربية، فهم (يجعلون كل جسم متحيزاً، والجسم عندهم: ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينهما متحيزاً على اصطلاحهم، وإن لم يسم ذلك متحيزاً في اللغة) .
والجهة لغة: بالكسر والضم: الناحية كالوجه، والوجهة بالكسر.
ومعناهما: الموضع الذي تتوجه إليه وتقصده.
وتطلق الجهة على الجانب، والناحية .
وبين شيخ الإسلام رحمه الله أن الجهة: تارة تضاف إلى المتوجه إليها كما يقال في الإنسان: له ست جهات؛ لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال: إنها جهاته.
وتارة ما يتوجه منها المضاف، كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة: هذه جهة الكعبة، وكما يقول وهو بمكة: هذه جهة الشام، وهذه جهة اليمن، أو ناحية الشام وناحية اليمن.
والمراد: هذه الجهة والناحية التي يتوجه منها أهل الشام وأهل اليمن .

وقد اختلف الناس في إثبات الحيز والجهة من عدمه إلى أربعة أصناف:
الصنف الأول: يرون أن هذه الألفاظ تحمل معان فاسدة، ومعان صحيحة، ولا يلزمون أنفسهم بالجواب المفصل، بل لا يتكلمون بذلك لا نفياً ولا إثباتاً.
وهذا قول كثير من أهل الحديث والفقه والكلام.
الصنف الثاني: يرون المباينة بين الخالق والمخلوق، ويثبتون الفوقية لله عزّ وجل، لكنهم ينفون الحيز والجهة، ويقولون: ليس بمتحيز ولا في جهة.
وقال بذلك بعض الكلابية والأشعرية والكرامية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث والصوفية.
الصنف الثالث: يرون أن الله متحيز أو في جهة، أو أنه جسم، ويقولون: لا دلالة على نفي شيء من ذلك أصلاً، وأدلة النفاة لذلك أدلة فاسدة وهو قول كثير من أهل الإثبات من المتكلمين.
الصنف الرابع: يرون أن ألفاظ التحيز والجهة ألفاظ مجملة، ليس لها أصل في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا قالها أحد من سلف الأمة وأئمتها في حق الله تعالى، لا نفياً ولا إثباتاً، وهذا القول نصره شيخ الإسلام ابن تيمية .
وبين رحمه الله أنه ليس في كلامه إثبات لفظ الجهة أو الحيز منسوباً إلى الله عزّ وجل؛ لأن إطلاق هذا اللفظ نفياً بدعة .
وذكر رحمه الله أن هذه الألفاظ لا تدل حين الإطلاق إلا على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق، فهي لا تدل على ما يمدح به الرب، ويتميز به عن غيره .

ويستفصل شيخ الإسلام في المراد بالجهة والحيز:
فلفظ الجهة أو الحيز يراد به أمر وجودي كالفلك الأعلى، ويراد به أمر عدمي كما وراء العالم؛ فإن أريد الأمر الوجودي كالأمكنة الوجودية مثل داخل العالم؛ فإن الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر، ونحو هذه الأشياء كلها في أحياز وجودية، ولها جهات وجودية، وهو ما فوقها وما تحتها ونحو ذلك: إن أريد هذا فما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، وعليه: لا يكون الله في جهة موجودة، فسطح العالم مرئي وهو ليس في عالم آخر.
وإن أريد بالحيز والجهة الأمر العدمي وهو ما فوق العالم، فإن الله في تلك الجهة العدمية والحيز العدمي، فليس فوق العالم موجود غيره، فلا يكون سبحانه في شيء من مخلوقاته، فإذا كانت الجهة أو الحيز أمراً عدمياً فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، فإذا كان الخالق مبايناً للمخلوقات، عالياً عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلاً عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به .
قال رحمه الله: (يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلاً في المخلوقات. أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات، فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل) .
وفي استفصاله في لفظ المتحيز: إن أراد مطلق اللفظ: أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، فقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67] .
وإن أراد أنه منحاز عن المخلوقات: أي مباين لها منفصل عنها، ليس حالاً فيها فهو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه .
وأما موقف ابن تيمية رحمه الله من قياس الخالق بالمخلوق، فواضح أشد الوضوح إذ يرى أنه في غاية الفساد؛ لأن تشابه الشيئين من بعض الوجوه لا يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء .
وبين رحمه الله أن الله له المثل الأعلى فلا يجوز أن يقاس على غيره قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا يقاس مع غيره قياس شمول تستوي أفراده في حكمه، فإن الله سبحانه وتعالى ليس مثلاً لغيره، ولا مساوياً له أصلاً.
وهذه الأقيسة هي من الشرك بالله، وجعل الأنداد له، وجعل غيره له كفواً وسمياً.
ولا يثبت لله عزّ وجل إلا قياس الأولى وهو: أن كل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه؛ لأنه أكمل فيه؛ ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال، فمعطي الكمال لغيره أولى أن يكون هو موصوفاً به .

وقد رد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - على نفاة الصفات، الذين ينفون العلو والاستواء  ويطلقون نفي الحيز والجهة، حين ألزموه بالقول بنفي الحيز والجهة بثلاثة عشر وجهاً هي كما يلي:
1 - أن هذه الألفاظ ومعانيها التي يريدونها بها ليست في كتب الله المنزلة، ولا هي مأثورة عن الأنبياء والمرسلين، ولا هي محفوظة عن سلف الأمة وأئمتها، فكيف تجعل من الإيمان والدين ويلزم باعتقادها، وقد قال الله عزّ وجل:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]
2 - أن الله عزّ وجل نزه نفسه في كتابه عن النقائص، تارة بنفيها، وتارة بإثبات أضدادها كقوله تعالى: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 3 - 4] ، وقال سبحانه: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة: 255] ، إلى غيرها من الآيات، وليس فيها مع ذلك نفي الجهة والحيز ولا وصفه بها.
فكيف يصح أن يكون هذا من الدين والإيمان، ثم لا يذكره الله عزّ وجل ولا رسوله صلّى الله عليه وسلّم قط.
وكيف يجوز أن يدعى الناس ويؤمرون باعتقاد في أصول الدين ليس له أصل عمن جاء بالدين.
3 - إن أراد طالب نفي الجهة بطلبه أن ليس في السموات رب ولا فوق العرش إله. وأن محمداً صلّى الله عليه وسلّم لم يعرج به إلى ربه، وما فوق العالم إلا العدم المحض: فهذا باطل، مخالف لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وهذا هو الذي يعنيه جمهور الجهمية ويصرحون به في كتبهم وكلامهم.
وإن أراد أن الله لا يحيط به مخلوقاته، ولا يكون في جوف الموجودات.
4 - إن الأمر بالاعتقاد لقول من الأقوال: إما أن يكون تقليداً للآمر، أو لأجل الحجة والدليل.
فإن كانوا أمروا بأن يعتقدوا هذا تقليداً لهم، ولمن قال ذلك فهذا باطل بإجماع المسلمين منهم ومن غيرهم.
وهم يسلمون أنه لا يجب التقليد في مثل ذلك لغير الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لا سيما وعندهم هذا القول لم يعلم بأدلة الكتاب والسنة والإجماع، وإنما علم بالأدلة العقلية، والعقليات لا يجب فيها التقليد بالإجماع.
وإن كان الأمر بهذا الاعتقاد لقيام الحجة عليه: فهم لم يذكروا حجة، لا مجملة ولا مفصلة، ولا أحالوا عليها.
وهم يفرون من المناظرة والمحاجة بخطاب أو كتاب. فقد ثبت أن أمرهم بهذا الاعتقاد: حرام باطل في التقديرين بإجماع المسلمين.
5 - أن التقليد في الأمور التي يقولون إنها عقليات: لا يُعلم أحد جوّز التقليد فيها بدون حجة، فضلاً عن إيجابه، بل الناس فيها قسمان: منهم من ينكرها على أصحابها ويبين أنها جهليات لا عقليات.
ومنهم من يقول: بل من نظر في أدلتها العقلية علم صحتها.
أما أن يقول قائل: إن هذه الأمور المتنازع فيها بين الأمة يقلد فيها من يدعي أن قوله معلوم بالعقل قبل أن يُعلم صحة ما يقوله بالعقل فهذا لا يقوله عاقل.
6 - أنه لو فرض جواز التقليد أو وجوبه في مثل هذا، لكان لمن يسوغ تقليده في الدين كالأئمة المشهورين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا القول لم يقله أحد ممن يسوغ للمسلمين تقليده في فروع دينهم، فكيف يقلدونه في أصول دينهم التي هي أعظم من فروع الدين.
7 - أن هذا القول لو فرض أنه حق معلوم بالعقل لم يجب اعتقاده بمجرد ذلك؛ إذ وجوب اعتقاد شيء معين لا يثبت إلا بالشرع بلا نزاع.
وكذلك المنازعون يسلمون أن الوجوب كله لا يثبت إلا بالشرع، وأن العقل لا يوجب شيئاً وإن عرفه.
ولهذا اتفق عامة أئمة الإسلام على أن من مات مؤمناً بما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يخطر بقلبه هذا النفي المعين، لم يكن مستحقاً للعذاب، ولو كان واجباً لكان تركه سبباً لاستحقاق العذاب.
8 - أن الاعتقاد الواجب على المؤمنين هو: ما بينه الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأخبر به وأمر بالإيمان به فأصول الإيمان هي: أعظم ما يجب على الرسول تبليغه وبيانه، فهي ليست كحكم آحاد الحوادث التي لم تحدث في زمانه، حتى شاع الكلام فيها باجتهاد الرأي، إذ الاعتقاد في أصول الدين للأمور الخبرية الثابتة كأسماء الله وصفاته نفياً أو إثباتاً ليست مما يحدث سبب العلم به، أو سبب وجوبه.
فإذا كان وجوب ذلك منتفياً فيما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم من الكتاب والسنة وفيما اتفق عليه سلف الأمة، كان عدم وجوبه معلوماً علماً يقينياً، وكان غايته أن يكون مما يقال فيه باجتهاد الرأي.
9 - لا ريب أن من لقي الله بالإيمان بجيمع ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم مجملاً مقراً بما بلغه من تفصيل الإجمال، غير جاحد لهذه التفاصيل أنه يكون بذلك من المؤمنين.
ولهذا يسع الإنسان في مقالات كثيرة لا يقر فيها بأحد النقيضين لا نفياً ولا إثباتاً، إذا لم يبلغه أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نفاها أو أثبتها.
أما إذا كان أحد القولين هو الذي قاله الرسول صلّى الله عليه وسلّم دون الآخر، فهنا يكون السكوت عن ذلك وكتمانه من باب كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب.
وإذا كان أحد القولين متضمناً لنقيض ما أخبر به الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والآخر لم يتضمن مناقضة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، لم يجز السكوت عنهما جميعاً بل يجب نفي القول المتضمن مناقضة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.

أما القول الذي لا يوجد في كلام الله عزّ وجل وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم لا منصوصاً ولا مستنبطاً، بل يوجد في الكتاب والسنة مما يناقضه ما لا يحصيه إلا الله، فكيف يجب على المؤمنين عامة وخاصة اعتقاده، ويجعل ذلك محنة لهم.
10 - أن طلبهم اعتقاد نفي الجهة والتحيز عن الله لا يخلو:
إما أن يتضمن نفي كون الله على العرش، ونفي العلو والفوقية، أو لا يتضمن هذا الكلام نفي ذلك.
فإن كان هذا الكلام لم يتضمن ذلك كان النزاع لفظياً، فلا ينازع في المعنى الذي أراده، لكن لفظه ليس بدال على ذلك.
وإما أن يتضمن كلامه نفي العلو والفوقية والاستواء، فيطلب ابن تيمية رحمه الله منهم أن يصرحوا بذلك في كلامهم، حتى يفهم المؤمنون كلامهم، ويعلموا مقصودهم، لكنهم لا يصرحون ولا يجترؤون أن يقولوا بهذا المعنى في ملأ من المؤمنين .
11 - أنهم إذا بينوا مقصودهم من أنه ليس فوق العرش رب، ولا فوق العالم موجود فيقال لهم:
هذا معلوم الفساد بالضرورة العقلية، والإيمانية السمعية الشرعية، بدلالة القرآن الكريم، وبالأحاديث المتواترة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وبما اتفق عليه سلف الأمة، وأهل الهدى من أئمتها.
12 - أن لفظ الجهة عند من قاله: إما أن يكون معناه وجودياً أو عدمياً:
فإن كان معناه وجودياً:نفي الجهة عن الله نفي من أن يكون الله في شيء موجود،وليس شيء موجود سوى الله إلا العالم، أي ما ثم إلا الخالق أو المخلوق، وهذا باطل منفي عن الله.
وإن كان معناه عدمياً: كان المعنى أن الله يكون حيث لا موجود غيره، وهو ما فوق العالم، فإذا كان موجوداً في العدم ليس معناه أن العدم يحويه أو يحيط به، إذ العدم ليس بشيء أصلاً، حتى يوصف بأنه يحيط أو يحاط به، وهذا المعنى حق(310) .
13- أن قولهم بنفي (التحيز) لفظ مجمل، فإن أرادوا أنه لا تحيط به المخلوقات، ولا يكون في جوف الموجودات، فهذا صحيح.
وإن أراد المتكلمون بالحيز: ما ليس خارجاً عن المتحيز كحدود المتحيز وجوانبه، فلا يكون الحيز شيئاً خارجاً عن المتحيز على هذا التفسير.
وإن أرادوا به ما هو خارج عن المتحيز منفصل عنه، فقد قالوا: إنه في العالم أو في بعضه، وهذا مما هو منفي عن الله عزّ وجل .

وقد سئل رحمه الله عمن يعتقد الجهة: هل هو مبتدع أو كافر أو لا؟.
فأجاب بالتفصيل:
أ - من قال بالجهة معتقداً أن الله في داخل المخلوقات، وتحصره السموات، ويكون بعض المخلوقات فوقه، وبعضها تحته، فهذا مبتدع ضال.
ب - وإن كان يعتقد أن الله يفتقر إلى شيء يحمله - إلى العرش أو غيره -، فهذا مبتدع ضال.
جـ - وإن جعل صفات الله مثل صفات المخلوقين فيقول: استواء الله كاستواء المخلوق، أو نزوله كنزول المخلوق، ونحو ذلك، فهذا مبتدع ضال.
د - وإن كان يعتقد أن الخالق تعالى بائن عن المخلوقات، وأنه فوق سماواته على عرشه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهذا مصيب في اعتقاده موافق لسلف الأمة وأئمتها .
 

( نقلا عن كتاب " دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية " للدكتور عبدالله الغصن - وفقه الله ، طبع دار ابن الجوزي بالدمام ،ص161-139، ومن أراد الهوامش فعليه بالكتاب .. ).
 

دعاوى المناوئين

  • ترجمة ابن تيمية
  • دعوى المناوئين
  • مواضيع متفرقة
  • كتب ابن تيمية
  • الصفحة الرئيسية