اطبع هذه الصفحة


من فضائل الدعاء وآدابه

عبدالهادي بن صالح محسن الربيعي


بسم الله الرحمن الرحيم
 


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات التي يتأكد على كل مسلم أن يحرص عليها: عبادة الدعاء، صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدُّعاء هو العبادةُ، ثمَّ قرأ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]))؛ رواه الترمذي وغيره، وصحَّحه الألباني.

♦ كيف يلجأ الإنسان إلى المخلوق وينسى الخالق؟ كيف يؤمل في الضعيف وينسى القوي سبحانه؟ كيف يرجو الفقير وينسى الغني سبحانه؟
لا تسألن بُنيَّ آدم حاجة 
وسَلِ الذي أبوابه لا تُحجبُ 
الله يغضَب إن تركتَ سؤالَه 
وبُني آدمَ حين يُسألُ يَغضَبُ 

♦ صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن لم يسألِ اللهَ، يغضبْ علَيه))؛ رواه الترمذي وغيره، وصححه الألباني.

♦ الدعاء أنيسك أيها المؤمن، وملاذك أيها المظلوم؛ لأنك حين تسأل الله، تسأل من بيده ملكوت كل شيء، ومن بيده خزائن كل شيء، تسأل من إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، فلا يُعجزه شيء، فالأمر أمره، والحكم حكمُه، والملك ملكه، والكل عبيده، يجيب المضطر، ويغيث الملهوف، ويكشف السوء.

الدعاء سلاح المؤمن، يفرج الله به الهموم، ويكشف به الكربات، ويكفر به السيئات، ويرفع به الدرجات، 
قال سبحانه: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62].

♦ الدعاء افتقار العبد إلى الله وتذلُله لمولاه، والله يحب العبد الذي يظهر فقره له وحاجته إليه، فهو الغني سبحانه ونحن الفقراء؛ قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15].

♦ روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إني لا أحمل همَّ الإجابة وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء، فإن الإجابة معه"؛ ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم.

وعن الحسن أن أبا الدرداء كان يقول: "جِدُّوا بالدعاء؛ فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له"؛ أخرجه ابن أبي شيبة، 7/ 24، والبيهقي في شعب الإيمان، 2/ 52.

♦ كل آية جاء فيها ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾، تجد أول جوابها لفظ: ﴿ قُلْ ﴾؛ كقوله سبحانه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 219]، وقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219]، وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ [البقرة: 215]، إلا في الدعاء؛ قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 186]، فلم يقل: "فقل: إني قريب"، وإنما قال مباشرة: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾، فجاء الجواب عن السؤال من دون واسطة، وهذا يُشعِر المؤمن بشدة قرب الله منه، فلنحرص على الإكثار من الدعاء في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء.

أيها الأحبة في الله:
إن للدعاء آدابًا، ينبغي لكل داعٍ أن يتحلى بها ويحرص عليها؛ ومنها:

♦ الاستجابة لله بتوحيده وفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].

♦ أن يكون الدعاء خالصًا لوجه الله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5].

♦ اليقين بالإجابة، وحضور القلب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافل لاهٍ))؛ رواه الترمذي، (3479)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، (2766).

♦ عدم استعجال الاستجابة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَعُ الدعاء))؛ رواه البخاري (6340)، ومسلم (2735).

ولنعلم أن الإجابة تتنوع، فقد يعطي الله السائل ما طلب، وقد يستجب له دعاءه بأن يصرف عنه البلاء، أو يدَّخر له في الآخرة الأجر والثواب، والله يختار لعبده ما يصلح له؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مسلمٍ يدعو بدعوة، ليس فيها إثم ولا قطيعة رحمٍ، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث؛ إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يدَّخرها في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نُكثِر، قال: الله أكثر))؛ رواه أحمد، وصحَّحه الألباني.

♦ أن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾ [الأعراف: 180].

♦ الثناء على الله تعالى قبل الدعاء بما هو أهله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: ((بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، إذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجلتَ أيها المصلي، إذا صليت فقعدت، فاحمدِ الله بما هو أهله، وصلِّ عليَّ، ثم ادعه، قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها المصلي، ادع تجب))؛ رواه الترمذي (3476)، وفي رواية له (3477): ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بعدُ بما شاء))؛ صححه الألباني في صحيح الترمذي.

♦ رفع اليدين؛ فعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ربكم تبارك وتعالى حييٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا))، رواه أبو داود (1488)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (1320).

♦ إطابة المأكل والمشرب والملبس، والبعد عن الكسب الحرام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبرَ، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟))؛ رواه مسلم (1015).

♦ تحري أوقات الإجابة؛ مثل: الثلث الأخير من الليل، وفي السجود، وبين الأذان والإقامة، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وغيرها مما ورد في الشرع الحنيف.

نسأل الله تعالى أن يلهمنا وإياكم الدعاء، ويرزُقنا الإجابة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 
  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية