اطبع هذه الصفحة


الاستعلاء فوق الفتنة

علي بن عفانه


شكوت يوماً لشيخي ما ألاقيه من صعوبة غض البصر ..
لا سيما في المجمعات التي يختلط فيها الحابل بالنابل
، وأضطر إلى ولوجها ولو لوقت قصير ..
ابتسم شيخنا ابتسامته المشرقة المعهودة وقال :
اسمعني جيدا فلك في غيرك عظة وعبرة لو كنت تعقل ..
وأصغيت ... فقال :
في أول طلبي للعلم ، وكنت شاباً جلداً ، مشبوب الفؤاد ،
غير إني قصرت همي على كتبي ودرسي ،
هي عالمي الحبيب الذي لا أكاد أفارقه حتى أعود إليه في شوق عجيب ..
ثم شاء الله بي أمراً ،
فجاء البلاء الذي رأيت أنه لا طاقة لي به ، ولا صبر لي معه
، لقد تقرر سفري مرافقاً مع أبي المريض إلى أحد الدول الغربية ،
وكانت الوجودية هي المذهب السائد يومها ..
وكما تعلم يا بني ، أن الوجودية هذه لا دين لها ، ولا ضابط فيها ،
ولا أخلاق معها ، وكل شيء مشاع إلى درجة القرف ، والتقزز ..
وتفزّعت يومها كما لم أتفزع من قبل ، لاسيما وأنا أتذكر حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
( ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء )
وقوله صلى الله عليه وسلم :
( إن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )
وإخباره بأن النظرة سهم من سهام إبليس ..
وغيرها من أحاديث كثيرة في هذا الباب .
وبقيت ليال ثلاث في حالة لا يعلم بها إلا الله تعالى
، قضيتها في دعاء وخوف ودموع وتضرع ، وكان ما لابد منه ،
ووجدت نفسي أركب الطائرة متجهاً إلى عالم جديد
، كنت أشبهه بالنار المحرقة ولابد أن ألجها .
وشرعت أضع يدي على قلبي وألهج بدعاء متصل ضارع ..
ولطف الله بي ، وأحسبه سبحانه رحم تضرعي فاستجاب دعائي
، ففي المستشفى الذي نزلنا فيه تعرفت إلى شاب توسمت فيه الخير ،
كان يقضي فترة تدريب في سنته الأخيرة ، تحت إشراف طاقم طبي كبير
في هذا المكان ، وكان الشاب مسلماً من الباكستان ،
غير أنه يجيد العربية بطلاقة ، وكان يفتخر أنه يتحدث بعربية سليمة
ولما أفضيت إليه بما يعتمل في نفسي من خوف على صفاء قلبي
في هذا البلد المتفلت ابتسم ، وقال لي كلمة لن أنساها ما حييت ،قال :
( أسأل الله عز وجل أن يكون خوفك هذا هو سبب نجاتك منها ..)
وأصر على أن ألازمه ، وأسكنني معه ، في غرفة صغيرة في منزله ،
غير أنها كانت بالنسبة لي قصراً منيفاً ، وجنة وارفة ،
ولقد رأيت منه كرماً وأخلاقاً عالية ، وإقبالاً على الله طيباً ،
و أكثر ما لفت انتباهي أن رأيت منه :
تسامياً واضحاً على فتن هذه الحياة التي تفور بالبلاء في كل مكان ..
ولقد لاحظت أنه لم يكن يأبه بشيء من تلك المناظر ، التي تخدش العين
وتؤذي القلب السليم ، ورغم ما هي عليه من البهارج والهالات والزينات ،
غير أن صاحبي هذا كان سرعان ما يحول نظره هنا أوهناك
، متحاشياً أن تقع عيناه على أيٍ منها ، كأنما هو يمر بجيفة ،
فما أيسر أن يتجاوزها متأففاً لها ..
وسواء أكان ذلك المنظر في التلفاز - وما أدراك ما التلفاز هناك –
، أو في مجلة ملونة ، أو كانت فتاة تمتلئ بالحيوية والنشاط ..
كل ذلك لا يعنيه في شيء ، بل أحسب أني رايته يتقزز من تلك المشاهد !
ولقد غبطته على تلك الروح التي يتحلى بها
، وكنت أجالد نفسي على السير بطريقته ، والاهتداء بأسلوبه ،
فأنجح تارة ، وأفشل تارة ، ولا أزال في عناء المجاهدة ..
ثم أفضيت إليه بما يعتمل في صدري وألححت عليه أن يسمو بي كما سما
فقال :
بدايةً ، لقد جاهدت نفسي زمناً بلا هوادة ، وكنت أعاني أشد ما تعاني ،
ولولا أنني لم ألق قبولاً إلا في هذه الجامعة لما أتيت إلى هنا أصلاً ،
واستعنت بالله سبحانه، فكنت كثير التضرع بين يديه سبحانه
أن لا يكلني إلى نفسي طرفة عين ، ولا أقل من ذلك ..
وتطوي الأيام الليالي وأنا في دوامة عنيفة أنجح تارة ، وأفشل تارات ،
غير أني لا أسمح لليأس أن يتسرب إلى نفسي أبداً
، ذلك لأن والدي كان يلقنني دائماً هذه الآية :
« إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون »
كان والدي يقول لي دائماً :
في اللحظة التي ترى أنه قد تسلل إلى قلبك
مشاعر اليأس من الله .. فأعلم أن مصيبتك لا تشبهها مصيبة !!
ولذا فقد وطنتُ نفسي على عدم اليأس من الله بحال ..
ثم سهلت الأمور بعد ذلك..كما وعد سبحانه :
(( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ))
، وفتح الله عيني على مجموعة من القواعد النورانية ،
أخذت ألتقطها من كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم
وكتب العلماء الربانيين . من مراجع كثيرة متفرقة .
وكأنما عثرت على كنز ، وباشرت أجمعها بعناية وأعيد ترتيبها ،
وأحفظها عن ظهر قلب ، وأصبحت أتملاها مع كل مشهد فتنة يمر بي
، أو أمر أنا به ، بل فوق هذا كنت أخلو إلى نفسي ، وأتملاها طويلا
وأنا أستحضر الجو الذي يناسبها ..
وأتخيل نفسي وقد نجحت بامتياز .. واستشعر النشوة الغامرة
التي تغمرني في تلك اللحظات ، وإن كانت في عالم الخيال ..!!
وشيئاً فشيئاً رأيت أثرها العظيم على نفسي ، وسلوكياتي في دنيا الواقع ..!
وشعرت بوضوح أنني أخذت أستعلي في يسر على هذه الفتن
التي كانت تقهرني ، وتستعبدني وتحطمني في كل يوم مرات ..!
قال شيخنا : وبلهفة بالغة و
كالغريق وجد فجأة طوق نجاة على مرمى بصره ،
ألححت عليه أن يسوق إليّ تلك القواعد لعل الله أن ينفعني بها
كما انتفع هو بها ، فابتسم ابتسامة متلألئة و قال :
بعد الاستعانة الكاملة بالله سبحانه وتعالى ،
والخروج الكامل من الحول والقوة ، والاعتماد على رحمة الله عز وجل
بضعفي وعجزي ، سرعان ما أخذت تلك النصوص المختارة
تقفز إلى بؤرة الشعور ، وكأني أراها ماثلة بين عينيّ
، أو كأن أحداً يهمس بها في أذني بصوت خاشع يهز كياني كله ،
فيكون مجرد وقع نظري فجأة على امرأة أو صورة لها ،
عاملاً يستفز هذه القواعد على الحركة ، لتحتل مكان الصدارة في عقلي
في لمح البصر ، مما يترتب عليه أن ألوي عنقي في خطفة سريعة
حتى أكاد أقول أنني لم أر شيئاً واضحاً ، يمكن أن يعلق في ذهني..!!
وأدركت أن الله سبحانه لا يضيع عبداً أقبل عليه في صدق ،
وهطلت دموعي فرحاً بكرم الله لي على هذا النحو ..
قال شيخنا :
وعدت أقاطعه من جديد ألح عليه أن يسوق إليّ تلك القواعد..
فابتسم وقال : أعرني لآن سمعك كله…….

- - - - - - - - - -- - - - - -- --

ومما رواه شيخنا عن شيخه أنه كان يلقنهم هذا المعنى :
من أراد صفاء قلبه ، فليؤثر الله على شهوته .
. والقلوب المتعلقة بالشهوات ، محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها ..
شغلوا قلوبهم بشهوات لا تحل ، ولو
شغلوها بالله والدار الآخرة لوجدوا نسيم حلاوة الآخرة
يهب على قلوبهم فيحييها ..
 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية