اطبع هذه الصفحة


لماذا انتكس ؟!

عبد الله بن حميد الفلاسي


عندما يشع نور الإيمان والهداية في قلب عبد من عباد الله، يبعث في هذا القلب الحياة من جديد، فلأول مرة يحس هذا الإنسان بطعم الحياة، ففي السابق لم يجد للحياة معنى غير الأكل والشرب والنوم، أما بعد دخول نور الهداية والإيمان في القلب، فكل شيء يتغير، وكل شيء له معنى.

فيعرف ما هدفه من الحياة، ويعرف ما له وما عليه، فيبدأ في أول الخطوات لتحقيق هذا الهدف المنشود، ويبدأ بالقيام بالواجبات المكلف بها، ويتجنب المحذورات التي حُذر من التقرب منها، ولو بمقدار أنمله.

وتكون أول هذه الأيام من أحلى الأيام التي مرت على كل شاب وشابة استقاموا على طريق الإيمان والهداية، أيام فيها النشاط والحيوية في طاعة الله، من صلاة، وصيام، وصدقة، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، وإحسان للناس كافة.

إلا أن هذه الشعلة من النشاط والحماس – في بعض الأحيان- ما يلبث نورها إلا ويخفت، وقد تنطفئ هذه الشعلة لسبب من الأسباب، فيا ترى ما هي هذه الأسباب؟!، ولماذا ترك بعض المستقيمين الاستقامة ؟!، وهل يوجد اهتمام بمن انتكس من الشباب وترك الاستقامة ؟! وما سبب تحول بعضهم من مستقيم يحب الملتزمين الاستقامة والمستقيمين إلى إنسان يكره المستقيمين ويحاربهم بكل وسيلة، وفي كل محفل ؟

كل هذه الأسئلة في الحقيقة عولجت من قبل الكثير من العلماء والدعاة والتربويين، وكل منهم بذل ما بوسعه لحل هذه المشكلة، وسأحاول أن أساهم في هذا المقال مع من سبقني من العلماء والدعاة في طرح بعض المسائل التي أرجو من الله أن تكون سبباً في تثبيتنا على الالتزام[على الاستقامة]، وعودة أخواننا إلى طريق الإيمان والهداية، وهي أسباب عايشتها ورأيتها رأي العين.

إن من أسباب ترك الالتزام تتمثل – من وجهة نظري – في الآتي:-

السبب الأول: عدم التدرج في تعلم أحكام الدين الإسلامي، فما أن يلتزم الشاب على دين الله، وإلا وتجده اتجه إلى طلب العلم، وهذا الأمر ممدوح، وليس بمذموم، وطلب العلم من خير الأمور في الدنيا والآخرة، ولكن المسألة ليست كما يظنها البعض بهذه السهولة، بل طلب العلم يحتاج إلى صبر، وجهد، ومثابرة، وأن يبدأ بصغار الكتب قبل كبارها؛ إلا أن الخطأ يكمن في هذا المستقيم الجديد فهو لا ينتقي الدروس التي تناسبه فتجده في أول الطريق يحاول دراسة العلل للدارقطني أو التدمرية أو غير ذلك من الكتب الكبيرة

وكذلك نرى بعض المشايخ عندما يدرس طلبة العلم، لا يلاحظ أن هناك طالباً جديداً قد انضم إلى درسه، فالشيخ يحضر لمجرد إلقاء الدرس، ومن ثم الإجابة على الأسئلة، وبعدها الانصراف، كما أن طلبة العلم الآخرين لا ينبهون الشيخ على أن هناك طالباً جديداً يحتاج منك لرعاية واهتمام، ليبدأ بتوجيه الطالب إلى أساسيات طلب العلم، وماذا يبدأ به؟

ولا أقصد في هذا الكلام كل المشايخ، وإنما البعض منهم مقصر من هذه الناحية، وهذا كلام موجه للبعض، ولذا أتمنى من بعض المشايخ أن يهتموا بطلبتهم، ويجلسوا معهم ويناقشوهم في أمورهم، ويوجهوهم لما فيه الخير فيعم الخير على الجميع، ويكون الشيخ قدوة لهؤلاء الطلبة فيمشون على خطى شيخهم في الخلق والتعامل مع الآخرين.

أما السبب الثاني: فيتمثل في الرفقة الصالحة، فبعض الشباب الملتزم لا يجد في منطقة سكنه ملتزمين، يكونون رفقة صالحة له تعينه على طاعة الله، وعلى طلب العلم، أو قد يجد ولكن لهم اهتمامات قد تخالف اهتماماته، مما يضطر للبحث عن رفقة صالحة في مناطق أخرى قد تكون بعيده بالنسبة لسكنه.

وفي البداية يكون لديه الحماس للذهاب إليهم، والجلوس معهم، وبعد مرور فترة من التزامه، وبدأ الفتور والخمول يدب في عروقه، تجده يقلل الذهاب إليهم، والجلوس معهم، وقد يضطر إذا أحس بالملل، إلى الجلوس مع بعض رفاقه القدماء – ما قبل الالتزام – وقد يكون منهم رفقاء سوء.

فهنا تبدأ الإشكالية، وقد لا يحس بهذا التغير في البداية، ولكن كما قيل: ((الصاحب ساحب)) فيبدأ الإيمان بالتدرج في النزول، وتبدأ شخصية الملتزم في الذوبان، ومن ثم يبدأ بالتقليل من نصيحة من يجلس معهم إذا وقعوا في غيبة أو مخالفة شرعية أياً كانت، ويبدأ الملتزم يتغير تدريجياً.

ولا يجد من رفاقه الصالحين من يلاحظ عليه هذا التغير، ويبدأ في الاهتمام به، ومحاولة تذكيره بالالتزام، وخطورة العودة إلى طريق الظلام.

والسبب الثالث: هي الزوجة، فيا له من محظوظ من يتزوج من زوجة تعينه على طاعة الله، وتذكره بدخول وقت الصلاة، وتنبهه على الزلل إذا وقع منه، وتأخذ بيديه وتضعه على طريق الهدى والنور.

وقد تكون الزوجة صالحة، ومطيعة لربها، وتسعى لإرضاء زوجها بكل الطرق والوسائل؛ إلا أنها تخاف أن تنصح زوجها خشية أن يغضب عليها، وترى نور إيمانه بدأ يخفت ولكنها لا تتحرك لإشعال هذه الشمعة مرة أخرى حتى لا تنطفئ، وتقول يا ليتني فعلت شيئاً قبل أن يحدث هذا، وتتغير حياتنا.

ولهذا لابد على الزوجة من الاهتمام بزوجها، وأن تتعلم كيف، ومتى، وأين تنصح ؟ وإلا قد يضيع عنها زوجها، وتندم على ما فات، فلتبدئي من الآن أيتها الزوجة الصالحة، المطيعة لربها.

السبب الرابع: التقصير في نوافل العبادات، وخاصة عبادة الدعاء، فإهمال الشاب لعبادة الدعاء، والحرص على أوقات الإجابة، فالدعاء، له تأثير كبير في ثبات العبد على دين الله، والاستمرار في طريق الاستقامة، وخاصة إذا تحين العبد أوقات الإجابة.

فها هو رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام الذي غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، والمؤيد بوحي من الله، والذي لا ينطق عن الهوى، كان يدعوا الله بأن يثبت قلبه على دينه، وعلى طاعته.

فما أحوجنا للدعاء الذي كان يدعوا به نبينا صلى الله عليه وسلم، حيث كان يقول: ((اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك))، وهيا بنا نلتزم بهذا الدعاء، ولا نتركه في كل صلاة نصليها، وفي كل لحظة فتور نحس بها، وفي كل دمعة تنزل من أعيننا.

أما عن السبب الخامس، والذي يتمثل في انتكاسة بعض الملتزمين من الالتزام إلى محاربة الملتزمين، بل وصل البعض منهم إلى انتقاد الدين، ومهاجمة العلماء، والدعاة، فمن وجهة نظري أن سبب هذا التحول أمران، هما:

الأول: التشدد في الدين، وهو ما يعبر عنه عند البعض بأقصى اليمين، فبعد مرور فترة من الزمن والعقل والجسم منهكان بسبب هذا التشدد في الدين، فيبدأ في التوجه إلى الترك الدين بالتدرج، فيتحول من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار.

كما إن التشدد مبناه على الجهل فلو طبق هذا المستقيم ما ورد في الكتاب والسنة على وفق الكتاب والسنة لوجد سهولة ويسراً.

أما الأمر الثاني: فهو صدمة يتعرض لها الملتزم من الشخص الذي اتخذه قدوة له، والذي يصل ببعض الأشخاص إلى تقديس هذه القدوة، فما أن يصدر من هذه القدوة أي خطأ سواء كان مقصود أو غير مقصود، فهذا الخطأ يصدم الشخص الملتزم الذي اتخذ من هذا الشخص قدوة له تضيء له الطريق.

وبعد هذه الصدمة يعتقد هذا الشخص أنه اكتشف أن الالتزام أمر غير صحيح، وأنه كان في الطريق المظلم، وهذه الصدمة أنارت له الطريق من جديد، فيبدأ بمحاربة الملتزمين، ظاناً أنه يكشف حقيقة كانت مختفية على المجتمع، حتى ينقذ المجتمع من خطورة هؤلاء.

وبهذا يتضح لنا أن الإشكالية في هذا السبب تتمثل في تقديس القدوة، وعدم التماس الأعذار لهذه القدوة، وللأسف أن هؤلاء لا يعرفون أن الملتزمين بشر مثلهم مثل غيرهم، فمنهم الصادق، ومنهم الكاذب، ومنهم ظهرت أثار التزامه على ظاهره وباطنه، ومنهم ظهرت على ظاهره فقط، ومنهم من اتخذ من الالتزام وسيلة للكسب.

وعدم معرفتهم بهذا التفاوت جعلهم يعتقدون بأن الملتزمين معصومين، وما أن يقعوا في الخطأ عن قصد أو بغير قصد، إلا وتجده ينصدم صدمة تغير حاله من شخص ملتزم إلى شخص غير ملتزم يحارب الدين ويحارب العلماء.

وهذه الأسباب التي ظهرت لي من خلال معايشتي لواقع الكثير من الشباب الذين تركوا الالتزام، وسائلاً المولى عز وجل أن يهدينا إلى الطريق المستقيم، ويثبتنا عليه في حياتنا ومماتنا، والله ولي التوفيق.
 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية