اطبع هذه الصفحة


الاستقامــة : تعريفها ومنزلتها

علي بن عبدالعزيز الراجحي


معنى الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم ، وهو الدين القيم ، من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة ، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها ، الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات كلها ، الظاهرة والباطنة(1).
وهي وسط بين الغول والتقصير ، وكلاهما منهي عنه شرعاً.

الاستمرار عليها ، والتقصير فيها
المؤمن مطالب بالاستقامة الدائمة ، ولذلك يسألها ربه في كل ركعة من صلاته : { أهدنا الصراط المستقيم }(2) ولما كان من طبيعة الإنسان أنه قد يقصر في فعل المأمور ، أو اجتناب المحظور ، وهذا خروج عن الاستقامة ، أرشده الشرع إلى ما يعيده لطريق الاستقامة ، فقال تعالى مشيراً إلى ذلك : { فاستقيموا إليه واستغفروه } الآية(3) ، فأشار إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها ، وأن ذلك التقصير يجبر بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة.
وقل صلى الله عليه وسلم:(اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها)(4).

مقامات الدين التي يطالب بها العبد
قال صلى الله عليه وسلم:( سددوا وقاربوا)(5) ، فالسداد : الوصول إلى حقيقة الاستقامة ، أو هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد.
وقوله : ( قاربوا ) أي: اجتهدوا في الوصول إلى السداد ، فإن اجتهدتم ولم تصيبوا فلا يفوتكم القرب منه.
فهما مرتبتان يطالب العبد بهما : السداد ، وهي الاستقامة ، فإن لم يقدر عليها فالمقاربة ، وما سواهما تفريط وإضافة ، والمؤمن ينبغي عليه أن لا يفارق هاتين المرتبتين ، وليجتهد في الوصول إلى أعلاهما ، كالذي يرمي غرضاً يجتهد في إصابته ، أو القرب منه حتى يصيبه(6).

أهميتها

مما يدل على أهميتها أمور ، منها:
أنها في حقيقتها تحقيق للعبودية التي هي الغاية من خلق الإنس والجن ، وبها يحصل للمرء الفوز والفلاح.
أن الله تعالى قد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتحقيقها ، وكذلك كل من كان معه ، فقال: { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } الآية(7) ، وقال: { فلذلك فأدع واستقم كما أمرت ..} الآية(8) ، وغير ذلك بها.
بل قد أمر الله تعالى بها أيضاً أنبياءه ، فقال ، في حق موسى وأخيه عليهما السلام : { قد أجيبت دعوتكما فاستقيما .. } الآية(9)
ومما يدل على أهميتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه سفيان بن عبد الله الثقفي ـ رضي الله عنه ـ يقول له: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( قل آمنت بالله ، فاستقم )(10)

من أسباب الاستقامة ووسائل الثبات عليها
من أهم أسباب الاستقامة إرادة الله لهذا العبد الهداية ، وشرح صدره للإسلام ، وتوفيقه للطاعة والعمل الصالح ، قال تعالى: { قد جاءكم من الله نور وكتابٌ مبين(15) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراطٍ مستقيم }(11)
الإخلاص لله تعالى ، ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين .. } الآية(12).
الاستغفار والتوبة.
وقد علق الله تعالى الفلاح والنجاح بالتوبة ، فقال تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون}(13)
محاسبة النفس:
قال تعالى:{ يأيها الذين آمنوا أتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ وأتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}(14)
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم. اهـ(15).
فالمحاسبة تحفظ المسلم من الميل عن طريق الاستقامة.
المحافظة على الصلوات الخمس مع الجماعة:
لأنها صلة بين العبد وربه ، وهي من عوامل ترك الفحشاء والمنكر ، قال تعالى: { إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر }الآية(16)
طلب العلم: والمقصود به علم الكتاب والسنة ، لأنه الوسيلة لمعرفة الله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
اختيار الصحبة الصالحة : لأن الجليس الصالح يعين صاحبه على الطاعة وعلى طلب العلم ، وينهيه على أخطائه ، أما الجليس السيء فعلى العكس من ذلك تماماً ، قال تعالى: { الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ }(17)
حفظ الجوارح عن المحرمات: وأهمها: اللسان فيحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة وغيرها، ويحفظ بصره عن المحرمات ، وليكن نصب عينيه قوله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً }(18).
وقوله عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )(19).
معرفة خطوات الشيطان للحذر منها:
قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}(20)

من ثمرات الاستقامة
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }

من هذه الآية وغيرها نستنتج بعضاً من ثمرات الاستقامة:
طمأنينة القلب بدوام الصلة بالله عز وجل.
أن الاستقامة تعصم صاحبها ـ بإذن الله عز وجل ـ من الوقوع في المعاصي والزلل وسفاسف الأمور والتكاسل عن الطاعات.
تنزل الملائكة عليهم عند الموت ، وقيل: عند خروجهم من قبورهم ، قائلين : { ألا تخافوا ولا تحزنوا} على ما قدمتم عليه من أمور الآخرة ، ولا ما تركتم من أمور الدنيا من مال وولد وأهل.
حب الناس واحترامهم وتقديرهم للمسلم ، سواء كان صغيراً أو كبيراً على ما يظهر عليه من حرص على الطاعة ، والخلق الفاضل.
وعد الله المتقين أن لهم في الجنة ما تشتهيه أنفسهم ، وتلذ أعينهم ، وتطلبه ألسنتهم ، ‘حساناً من الله تعالى.

علي بن عبدالعزيز الراجحي
alt1@maktoob.com

----------------------------
(1) جامع العلوم والحكم ، شرح الحديث الحادي والعشرين.
(2) آية : 6 من سورة الفاتحة.
(3) آية : 6 من سورة فصلت.
(4) رواه أحمد 5/153، 158 ، والترمذي ، كتاب البر والصلة ، باب ما جاء في معاشرة الناس 4/312، رقم(1987) ، وقال: حسن صحيح ، والحاكم 1/54، وقال : صحيح على شرطهما ، ووافقه الذهبي ، وأنظر جامع العلوم والحكم ، حديث رقم (18).
(5) رواه البخاري ، كتاب الرقاق ، باب القصد 11/294 ، ح(6463 ، 6464) ، ومسلم ، كتاب صفات المنافقين ، باب : لن يدخل أحد الجنة بعمله 4/2171 ح (2817).
(6) أنظر: جامع العلوم والحكم ، حديث(21) ، ومدارج السالكين لابن القيم ، منزل الاستقامة ، وشرح النووي على مسلم ( الحديث السابق ).
(7) آية 15 من سورة الشورى.
(8) آية 112 من سورة هود.
(9) آية 89 من سورة يونس.
(10) رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام 1/65 رقم(38) ، وهذا لفظه في النسخة المطبوعة ، وإن كان اللفظ المشهور: ( ثم استقم ) ، وعليه شرح النووي وغيره ، والله أعلم.
(11) آية 15 ، 16 من سورة المائدة
(12) آية 5 من سورة البينة
(13) آية 31 من سورة النور.
(14) آية 18 من سورة الحشر
(15) أنظر تفسير ابن كثير جـ4 ص 342.
(16) آية 45 من سورة العنكبوت.
(17) آية 67 من سورة الزخرف.
(18) آية 36 من سورة الإسراء.
(19) متفق عليه ، صحيح البخاري ، كتاب الرقاق ، باب حفظ اللسان 1/308، ح(6475) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب الحث على إكرام الجار 1/68 ، ح (47 ، 48)..
(20) آية 21 من سورة النور.
(21) الآيات 30 ـ 32 من سورة فصلت.
 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية