اطبع هذه الصفحة


كُنْ مُسْلِماً

أنس إبراهيم الدغيم


كُنْ مُسْلِماً (1)

أيّها المسلم: هاأنذا أهبك من رحيق فكري فلا ترغب عنه فالحكمة ضالّةُ المؤمن، حيث وجدها فهو أولى بها ومن أوتيها فقد أوتيَ خيراً كثيراً، فلا يقعدنَّ بك العجزُ عن دخول ميدان الأفكار، فإنه خيرُ منزلٍ تنزله.
واعلم أنّ الله أمرك بالتّفكّر، وطالبك بالتدبّر، فقف نفسَكَ على أمر مولاك، وطالبْ نفسَك بما طلبه منك، ففي الأولى النّجاة، وفي الثّانية حلاوةُ الحياة.

أيها المسلم: إنّك خليفة الله في أرضه ومظهر ألوهيّته فيها ((وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)) .
واعلمْ أنّك مؤتمنُهُ على رسالته، ووصيُّهُ على أمانته ((إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)) .

أيّها المسلم: لقد خلع الله عليك خلعةَ الخلافة وحمّلك عبأ الأمانة، فأدّ الأمانةَ وأحسنِ الخلافة، واستعملْ نفسَكَ فيما يرضيه.
وإنّك سفيرُه إلى خلقِه، وحاملُ سِفره في خليقته، فلا تشتغلْ بما خُلقَ لأجلك، واشتغلْ بما خُلقتَ لأجله.
فإنّ قيامك بما أوكلَ إليكَ هو عينُ الصّواب، ووقوفكَ على ما طُلبَ منك دليلٌ على أنّك من أولي الألباب.
((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)) .
فلا تكنْ كالذي آتاهُ الله الآياتِ فانسلخَ منها فأتبعه الشّيطانُ فكان من الغاوين.
ولكنْ واجه بنور إيمانك الوقّادِ ليل السّامريّ.
فلن تدخلَ حضرةَ الحقّ إلا إذا تبرّأتَ من "مِساس".
وكنْ كما الشّجرةُ الطّيّبةُ، أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السّماء، تؤتي أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربّها.
ولا تكن كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثّتْ من فوقِ الأرض ما لها من قرار.

قطيرةٌ أنا لكنّي الخضمُّ إذا  --- درجتُ فيما يريدُ اللهُ من درجِ
لا بل أنا قدرةٌ تحيا إرادتُها  --- لولا الإرادةُ لم أخرج ولم ألجِ
أنا الخليفةُ جلّ الشّأنُ وانطلقتْ  --- منه الرّسالاتُ تمضي بالهدى وَتجي

فلا تهتمَّ بمرارةِ الأيّام والأوقات، فإنّ حلاوةَ الإيمان أكبر وجوارُ الله ينسي كلَّ رزيّة. واحتملْ آلامَكَ في قلبك الكبير، واحتسبْ جراحاتِكَ وعذاباتِكَ قُرُباتٍ على باب الحبيب الأوّل.
(لقد اختارك الله لتحمل هذه الأمانةَ الكبرى، ولتكونَ مستوعَ نورِ الله وموضعَ تلقّي فيضه والمركز الذي تتّصل فيه السّماء بالأرض، إنّ اختيارَ الله هذا لَفضلٌ لا يعدلُهُ فضل، فضلٌ عظيمٌ يربى على كلّ ما يبذله المؤمن من نفسه وماله وحياته، ويربى على متاعبِ الطّريق وآلام الكفاح وشدائد الجهاد) .

أيّها المسلم: لا بأسَ عليكَ إذا جعتَ، فكِسرةٌ من خبزِ رضاه تقيمُ صُلبَك ما عشتَ وتشدُّ أوَدَكَ ما حييت.
ولا بأسَ عليك إذا ظمئتَ، فشربةٌ من كفِّ عطفِه تكفيك، فإنّ وِردَهُ لَذّةٌ للشّاربين.
ولا ضيرَ عليكَ إذا عريت، فإنّ خِلعتَهُ التي خلعها عليك، هي أجملُ ثوبٍ ترتديه.
(ما ضرَّ من كَسَرهُ عِزّي، إذا جبرهُ فضلي، إنّما تليقُ خِلعةُ العِزِّ ببدنِ الانكسار، أنا عندَ المنكسرةِ قلوبُهم من أجلي) .
فلا تتبرّمْ بقضاءِ مولاكَ فيك وإنْ كانَ ظاهرُهُ محزناً، ففي خفاياهُ الخيرُ قائمْ.
ولا تضجرْ بقدرِ الله عليك وإنْ كانَ وافدُهُ موهناً، ففي طواياهُ اللّطفُ سالم.
فإنّه سبحانه (ربّما أعطاكَ فمنَعَك، وربّما منعك فأعطاك) ، وقد قال الحبيبُ المصطفى صلّى اللهُ عليه وسلّم: «عجباً للمؤمن! لا يقضي اللهُ قضاءً إلا كان خيراً له، إنْ أصابتهُ ضرّاءُ صبر فكان خيراً له، وإنْ أصابتهُ سرّاءُ شكر فكانَ خيراً له، وليسَ ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن» .

أيّها المسلم: (دينك، دينك، إنّما هو لحمُكَ ودمُك) لا تبعْه فتخسرَ الدّنيا والآخرة، وتصبحَ بضاعةً مزجاة، لا كيلَ لك عند ربّك.
فإنّ فيه مفازكَ بالنّعيم، وجوازَك إلى دارِ المُقامة.
فليكنْ طعامُكَ وشرابُكَ من هذا الدّين، وشهيقُكَ وزفيركَ من هذا الدّين، حتّى لا تخسرَ كرسيَّ خلافتك.
(الدّنيا مجازٌ، والآخرةُ وطن، وإنّما تُطلبُ الأطمارُ في الأوطان) .

أيّها المسلم: كلّما شردَ قلبُكَ عن الطّريقِ القويم، ومالَ عن الصّراطِ المستقيم، فاغسلْهُ بماءِ الرّجوعِ إلى مولاه. واصبغْ كلّ جارحةٍ فيك بدهونِ الإيمان وتوجّهْ إلى مولاكَ وقلْ (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ) ، حينها تفوزُ في الدّارين، وليكنِ اللهُ في قلبكَ في حركاتِكَ وسكناتِك، وفي جَلَواتكَ وفي خَلواتك فإنّه (مَنْ وطّنَ قلبَهُ عندَ رَبِّهِ سكنَ واستراح) .
وليكنْ طعامُكَ تسبيحاً وشرابُكَ تسبيحاً ونومُكَ عبادةً وصلاتُكَ معراجاً إلى قبّةِ كأسِه وحياتُكَ بما فيها لله ربّ العالمين ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)) .
فإذا كان لك هذا فاعلمْ أنّه لو رُميتَ في نارِ عالِمكَ لعادتْ النّارُ برداً وسلاماً عليك، فإنّه (مَن تلمّحَ حلاوةَ العافية، هانتْ عليه مرارةُ الصّبر) .

أيّها المسلم: العالمُ لك، فانصبْ خيمةَ إيمانِكَ فيه، واضربْ أطنابَها في مقاماتِ الوجود، فلقد ارتضاكَ اللهُ لرسالته، وأقامكَ في منزلِ كرامتِه، فلا ترغبنّ عنه فيحيلَك، ولا تصرفْ قلبَكَ عنهُ فيقيلَك، وارغبْ عن نفسِكَ إليه، وأعرضْ عن الأغيارِ وأقبلْ عليه، واستمعْ إلى لطائفِ الرّقائق تحملُها هواتفُ الحقائق:
(يا عبدي: نريدُ منكَ أنْ تريدَنا ولا تريدَ معنا، ونريدُ منكَ أنْ تختارنا ولا تختارَ علينا، ونرضى لك أنْ ترضانا ولا ترضى سوانا.
ويحَك: إنّا أجللنا قدرَكَ أنْ نشغلَكَ بأمرِ نفسِك فلا تصغّرْ قدرَك.
يا مَنْ رفعناه: لا تنزلنَّ بحوالتِكَ على غيرِنا، ويا مَن أعززناه: أنتَ عندَنا أجلُّ مِن أنْ نشغلَكَ بغيرنا.
لحضرتي خلقتُكَ، وإليها خطبتُك، وبجواذبِ عنايتي إليها جذبتُك، فإن اشتغلتَ بنفسِكَ حجبتُك، وإن اتّبعتَ هواها طردتك، وإنْ خرجتَ عنها قرّبتُك، وإنْ تودّدتَ إليّ بإعراضِك عمّا سوايَ أحببتُك) .
فكمْ في طوايا هذا النّداءِ من بَوحٍ رقيقْ، وفي خفاياه من همسٍ عتيقْ، ينبعثُ من مجالِ الكمالِ ومجاليه، إلى مَحالِّ النقصِ ليرفعَهُ ويُعليه.
فيهِ من الخيرِ ما ظَهر حتّى كادَ أنْ يغيبْ، ورقَّ حتّى كأنّهُ عَرفُ طِيبْ.
هتفتْ بهِ أوتارُ الغيوبْ، فحريٌّ أنْ يستقرَّ وافدهُ في زجاجاتِ القلوبْ… قولاً من ربٍّ رحيم.
أيّها المسلم: فيكَ نفخةٌ مِن روحِ الله ((ونفخت فيه من روحي)) ويكفيكَ هذا شرفاً، أسجَدَ لك الملائكَ، وسخَّر لك الأملاكَ، فاحتملكَ منهُ عَرفُ الهداية، واشتملَكَ من لَدُنهُ طرفُ العناية، فصرتَ بفضلِهِ أهلاً للإمامةِ والولاية، فارقَ بنفسِكَ عن بَدأةِ الصّلصالِ والفخّار، لتكونَ أهلاً لمنازلِ الأبرارْ، وجرّدْ نفسَكَ عنْ سِوى الله في دارِ العبادة، لتكونَ كفئاً في هذه الدّنيا للقيادةِ والسّيادة.
إنّكَ قبضةٌ من طينِ هذا العالم، ولكنّكَ قبلَ ذلكَ مهبِطُ السِّرِّ ومُجتمعُ الحقائق، فلا يذهبنَّ بك الخطأُ بعيداً:

وتحسبُ أنّكَ جِرمٌ صغيرٌ  --- وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ

أيّها المسلم: مكانُكَ في القمّة، فلا تخترْ على القمّةِ قيعانَ الضّياع، ولا تنزلنَّ بك همّتُكَ إلى أسفلَ مِن قدميك، وأوقفْ نفسَكَ على عزائمِ الأمور، فإنّما خُلقتَ لتسبحَ في فضاءاتِ الله صباحَ مساء:

فطرةُ الحرِّ لا تُطيقُ مُقاماً  -- فَأْلفِ السّيرَ دائباً كالنّسِيم
ألفُ عينٍ تشقُّ صخرَكَ فاضربْ  -- بعدَ غَوصٍ في الذّاتِ ضربَ الكليمِ

واعلمْ بأنّ العالمَ لكَ بمائهِ وترابه، فلا تحصرْ نفسَك في كوخِ عجزكَ ودَعتك، ولكن انشرْ من أنفاسِ إيمانِكَ ما يُطيّبُ عناصرَ الأرض، ولوّنْ بطيفِ همّتِك جوهرَ الخليقة، وأقمْ في حمى القلوبِ صروحَ الحقيقة، واعلمْ أنَّ المؤمنَ القويَّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضّعيف.
فلا ترفعِ الرّايةَ البيضاءَ ما دامَ سيفُ إيمانكَ معك، فإذا ألقيتَهُ فالنّارُ أولى بك، حينها لا ينجيك، أرفعتَ الرّايةَ أمْ لم ترفعها!!!
(يا مَنْ غُذّيَ بألبانِ البِرّ، وقُلِّبَ بأيدي الألطاف، كلُّ الأشياءِ شجرةٌ وأنتَ الثّمرة، وصورةٌ وأنتَ المعنى، وصدفٌ وأنتَ الدُّرّ) .
أيّها المسلم: إذا ضاقتْ عليك الأرضُ بما رحبتْ، واجتمعتْ عليكَ أطرافُ الدُّنيا فادخلْ غارَ فكرتِكَ الصّحيحة فإنّهُ غارُ حِراء، وإذا حاربَكَ أهلُ الباطلِ وتَبِعوك بسيوفِ منكرهم فلا تحزنْ فأنت في غارِ ثور، إنّه بدايةُ الطّريق، ثمّ هاجرْ إلى اللّه تجدِ المدينةَ بانتظارك، تلك هي حضرةُ الرّحيق الختومِ فادخلْها، وإذا خفتَ أن يُنالَ منك، فَأْوِ إلى كهفِ العناية، ينشرْ لك اللهُ من رحمته ويهيّئ لك من أمركَ يسرا.
وإذا تلجلجَ قلبُكَ واضطربْ فالجأْ إلى محرابِ ذكرِ الله ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) .


عليكَ وحدَكَ بعدَ اللهِ فاعتمدِ  --- وانهضْ بعبئِكَ لا تلوي على أحدِ
ألستَ حرّاً وزادُ الحرِّ همّتُهُ الـ  --- قعساءُ في رخوِ عيشٍ كانَ أو كَبَدِ
فاكبحْ تردّدَها واقدحْ توقّدّها  --- وإنْ خبوتَ فلُذْ باللهِ واتّقِدِ
ولا تقلْ شختُ خفقُ القلبِ ما فتئتْ  --- تدعوكَ جذوتُهُ الحرّى إلى الصّددِ
شمِّرْ وقلْ باسمِكَ اللّهمّ منطلقاً  --- وإنْ وَنَيتَ فإنّ الله في المدَدِ
وأحيِ قلبَكَ بالذّكرِ الدّؤوبِ وصُنْ  --- أنفاسَ نفسِكَ من رينٍ ومن نكدِ
وانفضْ يديكَ من الجاهِ السِّفاه ولا  --- تلجأْ إلى غيرِ ذاتِ الخالقِ الصّمدِ
 


كُنْ مُسْلِماً (2)
 

أيّها المسلم: إنّما أُريدُ لكَ الهداية، وهاأنذا أهبُكَ مفاتيحَ الحقيقة، فخذها بقوّة حتّى لا تُعييكَ أقفالُ العالم، وإنّي أنبّئُكَ بما ستلاقيه، فقِفْ على كلماتي وعِ ما أنا قائلُهُ لك، فإنّهُ لا ينبّئُكَ مثلُ خبير.
أيّها المسلم: لا ترضَ لكرامتِكَ ثمناً، وحاذرْ أنْ تعرضَها في سوقِ البيع، فإنّها الجذوةُ التي تملأُ صدرَكَ بأسبابِ الحياةِ والنّصر، وإنّها عطيّةُ اللهِ لك ومِنحتُهُ التي شرّفَكَ بها فلا تساومْ على ما في صدرِكَ من السّرِّ العظيم، فإنّهُ سبحانَهُ القائل ((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)) .

فما بالُكَ بنفسِكَ وأنتَ خيرُ الآدميّين:

مَنْ يُصيِّرْ حُسنَهُ رهنَ المزادْ --- يسرعِ الشّرُّ لهُ من كلِّ وادْ

فلا تخفِرْ ذمّةَ اللهِ فيكَ ولا تضيّعْ هبتَهُ سدىً، وأحطها بالعنايةِ والمداراة، فإنّ في ضياعها الخسرانَ المبين.
واعلمْ أنّهُ لا سيادةَ بلا كرامة، وأنّهُ إذا سقطتْ كرامتُك لم تكنْ أهلاً للخلافة في الأرض.
واعلمْ أنّ (النّيابةَ الإِلهيّةَ في هذه الدّنيا هي أعلى درجاتِ الرُّقيّ الإنسانيّ ونائب الحقّ (الله) خليفةُ الله في الأرض، وهي أكملُ ذاتٍ تطمحُ إليها الإنسانيّة، وهي معراجُ الحياةِ الرّوحيّ) .
فلا تنقضْ عهدكَ مع الله فيخلو مقامُك، وتنزلكَ الدّنيا في سافلِ أدراكِها، فإنّ هذا من انطماسِ عين بصيرتك، وفيه الهوان في الدّنيا والخزيُ يومَ يقوم النّاسُ لربِّ العالمين:

أنتَ نورٌ فأضئ للعالمينْ --- بلهيبٍ منكَ أذكِ الآخرينْ

أيّها المسلم: لا تبتئسْ إذا ما عشتَ فقيراً، فإذا صفتِ الرّوح من الخطأ، وبرئتِ الجوارحُ من الانقيادِ وراءه فذلك هو الغنى، فإنّ رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «ليسَ الغنى عن كثرةِ العَرَض، ولكنّ الغنى غنى النّفس» .
فإذا أدركتَ جوهرَ هذا الكلام، وقعَ في قلبكَ معنى الرّضا بالقضاء، فإذا ما تحسّستْ منك الجوارحُ بردَ الرّضا فذلك هو الغنى الحقّ.
ولقد أغناكَ اللهُ من عنده يومَ أنْ نسبَكَ إليه، فلا تخترْ على اللهِ أحداً، وقبلكَ من أهلِه فلا ترغبْ عنهُ بدلاً، فإنّ ثراءَ القلبِ وسرورَهُ في جوارِ محبوبِهِ الأوحدْ، وإنّ غنى الرّوح في وقوفها على بابِ الفردِ الصّمدْ.

رفعَكَ بالنّسبةِ وأغناكَ بالمحبّة، وجلّلكَ بالقربِ والقَبول، فهلْ ترى بعدُ غنىً أكبرَ من هذا أو ثراءً أبعدْ:

وممّا زادني شرفاً وتيهاً --- وكدتُ بأخمصي أطأُ الثّريّا
دخولي تحتَ قولِكُ يا عبادي --- وأن صيّرتَ أحمدَ لي نبيّا

فإذا أحببتَ أنْ تكونَ غنيّاً فكنْ فقيراً إلى الله، منكسراً على بابه، متذلّلاً في أعتابه.
فإنَّ الفقرَ إليهِ سبحانَهُ هو رأسُ الغنى، لأنَّ رضاهُ سبحانَهُ هو أجلُّ المنى، ولنْ تحوزَ رضاهُ إلا بالفقرِ إليه، ووقوفِكَ بالاضطرارِ عليه.
(يا عبدي تقرّبْ إليّ بما ليسَ فيَّ، قالَ: وما الذي ليسَ فيك يا ربّ، قال: الذّلُّ والافتقار).
فإذا رغبتَ أنْ يُمكَّن لك في مجالِ القربْ، وأنْ تُقبلَ واحداً من رُوّادِ دارِ الحبّْ، فطهّرِ القلبَ من سواه، وأشهدْهُ في كلِّ الأمورِ مولاه، وأوقفْهُ على حبِّ المحسنِ الوهّابِ جلَّ علاه.
ولقد سُئلَ يحيى بنُ معاذٍ رضي اللهُ عنه عن الفقر فقال: (حقيقتُهُ ألا يُستغنى بغير الله)، فمكِّنْ هذه الحقيقةَ في قلبك، فإذا ما اقترنَ معها اليقينُ وصحبَها التّسليمُ، وجدتَ قلبَكَ حينَها وقد غشيتْهُ وارداتُ السّعادةِ وأمّنتْهُ عائداتُ السّلام.
ولنْ تصلَ إلى منازلِ الغنى والثّراء، إلا إذا سلكتَ طريقَ الفقر والإقواء، فإنّه (إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله صحّ الغنى بالله، لأنّهما حالان لا يتمُّ أحدهما إلا بالآخر) .
ولقد أقرَّ اللهُ هذه الحقيقةَ في عباده، وأجراها مجرى الغُنيةِ لقاصدي وِداده، فقال سبحانه ((ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)) .

أيّها المسلم:

إذا عاشَ الفقيرُ بقلبِ ليثٍ --- فليسَ يضيرهُ أنْ قلَّ مالُ
وإِنْ عاشَ الغنيُّ على الدّنايا --- ففوقَ عظامِهِ ترسو النّعالُ

فلا تنظرْ إلى من أثقلتْ جيوبَهم رذائلُ الدّراهمُ والدّنانير، فأنتَ عندَ اللهِ أكبرُ قدراً.
(إنّكَ فرعٌ من شجرةٍ ضخمةٍ باسقةٍ عميقةِ الجذور، كثيرةِ الفروعِ وارفةِ الظِّلال… الشّجرة التي غرسَها أوّلُ المسلمين… إبراهيمُ عليهِ السّلام) .

أيّها المسلم: إذا سُقِيَ القمحُ بماءِ الهوان، فارغبْ عن صافناتِ سنابِله، ولا تجعلْ منهُ خبزَ يومك، وعِشْ على خبزِ الشّعير يكفِكَ مُؤنةً، ولَئِن أثّرَ في جنبِك حصيرُ الفاقة، فذلكَ خيرُ لك من أنْ تستندَ على أرائِكِ الجبناء، ولا تخلِقْ أديمَ وجهك، واحفظْ ماءَ مُحيّاك من أنْ يُبتَذَل، فلقدْ كرّمَهُ الله، وصوّره فأحسنَ تصويرَه، وخلقَهُ في أحسنِ تقويم، وتذكّرْ وقتاً قلتَ فيه (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنا مِنَ المُشْرِكِينَ)، فلا تبذلْ ماءَ وجهِكَ أمام الأغيار، فلقدْ كفاكَ اللهُ من عنده.
ما أكثرَهم أولئك الذين ينتظرونَ منك تلكَ اللّحظةَ التي يَرونكَ فيها مُلقىً على أعتابهم، تستجدي منهم خبزَ يومك، وتضعُ همّتَك عندَ أقدامهم، وتخفضُ رأسَكَ في حضرتِهم، وتصيرُ كالّذي قيلَ فيه:
كالطّيرِ غايتُهُ التقاطُ الحبِّ في ظلِّ القصورْ هو طائرٌ لكنّهُ لمْ يدرِ تحليقَ النّسورْ أيّها المسلم:
كنْ مسلماً… تُدركْ بعون الله غاياتِ الكمالْ كُنْ في ضميرِ الكونِ قرآناً و صوتاً من بلالْ أوصِلْ حبالَكَ بالإلهِ… تَعِزّ هاتيكَ الحبالْ لا تنسِفُ الرّيحُ الجبالَ… فَكُنْ بعزمِكَ كالجبالْ واكتبْ بحبرِ الحبِّ والإيمانِ… ديوانَ الرّجالْ أيّها المسلم: ليكنِ العالمُ بيتَك، الأرضُ فراشُهُ والسّماءُ سقفُه، وأنتَ صاحبُ الدّارِ، القيِّمُ على ما فيها، تعمُرها بصادقِ العزيمة، وتملأ أركانَها بواثقِ الهمّة.
كُنْ كالشّاهين، لا يعرفُ غيرَ الفضاءِ مأوى، لا يعنيهِ أَوافقتْ جناحيهِ الرّياحُ أوْ لم توافقْ… فإنّهُ يطير.
ولا تخفضْ جناحَكَ أمام ريحِ العالم، فإنَّ مَهيصَ الجناحِ مخذول، وإنَّكَ الأجدرُ بالتّنفّل في مِضمارِ الفضاء.
ولا تضعفْ أمامَ النّوائب، أو تنهزم أمام الهموم، فإنّ الطّريق جِدُّ طويلةٌ، لا مسلكَ فيها للضّعفاء، وإنّما هي وقفٌ للّذين أبرموا ميثاقَهم مع الله فاشترى منهم أرواحَهم بأنَّ لهم الجنّة، واعلمْ أنّ سلعةَ الله غالية، فإذا أردتَ الحسناءَ فأَدْلِ بمهرِك، وكنْ دائماً (كالنّسر المخلوقِ لطبقاتِ الجوِّ العليا، ويحملُ دائماً من أجلِ هذه الطّبقاتِ ثقلَ جناحيهِ العظيمين) .
فإذا أدركتَ جوهر حقيقتك في هذا الوجود، وعرفتَ فحوى رسالتِكَ في هذه الحياة، هانتْ عليك كلُّ مصيبة، واضمحلّتْ أمامَ سرايا إيمانكَ جيوشُ النّوائب، ووقفتَ نفسَكَ لله.
(إنَّ الخلاصَ عن طريقِ الصّومعةِ سهلٌ يسير، ولكنَّ الإسلامَ لا يريدُه، لأنَّ الخلافةَ في الأرض والقيادةَ للبشرِ طرفٌ من المنهجِ الإلهيِّ للخلاص، إنّهُ طريقٌ أشقّ، ولكنّهُ هو الذي يحقّقُ إنسانيّةَ الإنسان، أي انتصارَ النّفحةِ العلويّة في مكانه وهذا هو الانطلاق، انطلاق الرّوحِ إلى مصدرها الإلهيِّ، وتحقيقُ حقيقتها العلويّة، وهي تعملُ في الميدان الذي اختاره لها خالقُها الكريم) .

أيّها المسلم: إنّ مصدرَ قوّتك هو إيمانُكَ الصّادقُ بالله، ومنبعَ ثقتك بنفسك هو ثقتُكَ بالله، فإذا آمنتَ بهِ حقّاً أذكى فيكَ الإيمانُ نارَ القوّةِ الكاملة، وطافَ بك أطوارَ الجلالِ الرّفيع، وسلكَ بك مسالكَ الجمالِ البديع، فتعودُ بعدَ هذه الرّحلةِ بقلبٍ حُرٍّ وثّابْ، بريءٍ من الأغيارِ وعبدٍ للملكِ الوهّابْ.
وَاعلمْ أنّكَ (إذا آمنتَ لمْ ترجِعْ بمقدارِ نفسِكَ، ولكن بمقدارِ القوّةِ الّتي أنتَ بها مؤمن) .

أيّها المسلم: كلَّ يومٍ تتَفتّقُ ملايينُ الأزهارِ من أكمامها لتقولَ لك: هكذا انطلقْ، وتبعثُ بأريجِها في مسالكِ الحياةِ والأرضِ لتقولَ لكَ: هكذا انتشِرْ، وتنشرُ من طيبِها أطيبَهُ لتقولَ لك: هكذا كُن.

يقظةُ الذّاتِ لا أراها بِدَيرٍ --- لا وَلا تُجتَلى لَدى المحرابِ
إِنْ تَضِقْ بالجهادِ في الأرضِ ذرعاً --- فحرامٌ مسراكَ فوقَ السّحاب
ليسَ مِن خيفةِ المماتِ نجاةٌ --- إِنْ ترَ الذّاتَ هيكلاً من ترابِ

أيّها المسلم: ستتعبُ كثيراً كثيراً، وسترمِيكَ طوائفُ الأرضِ بالحجارةِ…. ولكنْ لا بأسَ، فعمّا قريبٍ ستركبُ بُراقَ الرِّضا والقَبول، فَوَطِّنْ قلبَكَ في بيتِ الإيمان، ووثِّقْ أقفالَهُ بالصّبرِ والمصابرة، وحقِّقْ أركانَهُ بالحبِّ فإنَّ الله مانِعُك.
وارتفاعُ الإنسانِ من ثقلِ الأرضِ… بروحٍ إلى السماءِ جلالُ وعلى الحرِّ أنْ يُغِذَّ طموحَ الـ …. عزمِ سَعياً لِتُدركَ الآمالُ أيّها المسلم: إذا نامتْ عيناكَ فلا ينامنّ قلبُك، فالعالَمُ بانتظارك، فأنتَ السِّراجُ الّذي يهَبُهُ نوراً يمشي به، فإذا نقصَ زيتُ سراجك فخذْ من إيمانكَ بالله وَقوداً جديداً وانطلقْ، وانظرْ إلى ذاتِكَ فاخترْ لها منزلاً مباركاً في الوجود:
فإذا تبيّنَ مسلمٌ في ذاتِهِ شرفَ المكانةْ أَخلقْ بهِ في الدّهرِ أنْ يختارَ في الدُّنيا مكانَهْ أيّها المسلم: ألا ترى انبعاثَ القطرِ من قلبِ السّحاب؟ وانطلاقَ البرعمِ من قلبِ الحجر؟ وجريَ الجدولِ الفراتِ من رحمِ التّراب في أعلى الجبل؟ وتفتّقَ الأزهار من أكمامها بعد اختباء؟!! كنْ مثلَ هذا وذاك، يكنْ لك العالمُ عبداً مطيعاً!!!
وكُنْ مع اللهِ ولله، حينَها تقول للشّيء كنْ فيكون:

ومعدِنُهُ ترابيٌّ ولكنْ --- جَرَتْ في لفظهِ لغةُ السّماءِ

أجل أيّها المسلم: قُدْ ركبَ العالم، وكنْ أميرَ القافلة، وخُذْ من الزّادِ ما يكفيك، فالسّفرُ طويلٌ والعقبةُ كؤود و((إن خير الزاد التقوى)) .
واعلمْ أنّكَ ملاحَقٌ على كلِّ المحاور، ومُحاربٌ في كلِّ حين، ومُحاصرٌ وأنتَ على أريكتك، ومُتَّهمٌ وأنتَ في عِقرِ دارك، لأنّ عندَكَ شيئاً لا يعرفُهُ الآخرون، وفيكَ سرّاً يمتدُّ إلى مئاتِ السّنين والحقائق.
ولأنّكَ مَصوغٌ من الطّينِ المشويِّ على نارِ ((ألست بربكم)) ، ولأنّكَ مصنوعٌ على عينِ مولاك.
((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)) .

أيّها المسلم: كنْ كالبحر، السّكونُ سِمتُهُ وطابعهُ، ولكنَّ الموجَ يهدُرُ في حناياه، فإذا ما استباحَ شاطئَكَ غريبٌ آذنْتهُ أمواجُكَ بالحرب.
ولقد كان نبيُّكَ المصطفى هادئاً هدوءَ البحر، فإذا ما اشتدَّ العراكُ واحمرّتِ الحدق، لاذَ المسلمون بظهرهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم.
أيّها المسلم: (قُلْ آمنتُ باللهِ ثمَّ استقمْ) ، وأشغِلِ العالَم بحقيقتِكَ الطّاهرة، وأشعِلْ فيه شموسَكَ النّيرات، واجعلْ من نفسِكَ سفينةَ نوحٍ الّتي تأخذُ بيدِ هذا العالم الغريق إلى برِّ الرّحمة والنّجاة، حينَها تصيرُ مطاعاً في الأرض، ويُؤدّى إليكَ خَراجُ النّفوس:

مَنْ علا تكبيرُهُ مِن غيرِ تاجْ --- ألزمَ التّيجانَ تقديمَ الخَراجْ

أيّها المسلم: (لا إله: هي بدايةُ التّطهير، وإلا الله: هي بدايةُ التّعمير) ، فكنْ أنتَ رائداً في عمران الطّهارة، ورسالةً في طهارةِ العمران، وأقِمْ صرحَ المجدِ على أركانِ الإيمان فإنّها الأركانُ الثّابتةُ الّتي لا تُنقض: ((لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه)) . ولا تشيّدُ بروجَ عزّكَ على شفا جُرفٍ هارٍ، فإنَّ في هذا مذهبةً لعزّكَ ولك، لا تصنعِ الأشياءَ بقلبٍ بارد، فحرارةُ إيمانِكَ أجدرُ بالصّناعة، وأحرِقْ مَن حولَكَ بنارِ قلبِكَ المؤمن الطّاهر، فلطالما اكتويتَ أنتَ بها، فإنّما يزدادُ العودُ بالإحراقِ طيباً، ولقد ينشرُ من طيبِهِ على ما جاورَه.

واعلمْ أنّهُ لا تتأتّى لك حرارةُ الإيمانِ إلا بإثباتِ ذاتِكَ في ميزانِ الحياة، لا بالرّكون إلى الضّعفِ والدّعة فليسَ هذا من شأنِ المؤمنِ الحقِّ الذي استخلفَهُ اللهُ في الأرض:
فحرارةُ الإيمانِ في القلبِ المَشوقِ إلى النّضالْ وَسراجُ ليلِ الفكرِ (لا معبودَ إلا ذو الجلالْ) فإذا ما انتشرَ صقيعُ العجزِ في أوصالِك، وثقُلتْ همّتُكَ عن النّهوضِ بما أوكِلَ إليك، وركنتَ إلى فراشِ راحتِك، فاطردْ هذا كلّهُ بهذا الدّعاء:

ياربِّ إنّا موقنونَ بعجزنا --- فأدِمْ علينا قُوّةَ الإيمانِ
وامنحْ قلوبَ المسلمينَ حرارةً --- كحرارةِ الآياتِ في القرآنِ

أيّها المسلم: ثقيلةٌ هي المهمّة التي أوكلتْ إليك، وعظيمةٌ تلك الأمانةُ التي أُلقيت على كاهلك، فكنْ أهلاً لها وأحيِ مواتَ القلوب، بوارداتِ همّتكَ المؤمنة الصّادقة.
خُذْ بأيدي الغرقى في لُجّةِ هذا العالم، واصعدْ بهم إلى سماواتِ الفكر والحياةِ الهانئة، وأشعلْ لهم من زيتِ قلبك المؤمن سراجَ الهداية الذي ينوّرُ لهم السُّبُل ويأخذُ بهم من الظّلمات سائراً بهم في مسالكِ النّورانيّةِ الرّفيعة، وأعمِلْ إيمانَكَ في الأمورِ يُكتبْ لها النّجاح:

قُمْ فَشيّدْ عالماً دونَ مثيلْ --- وخُضِ النّارَ وأقدِمْ كالخليلْ

واعلمْ أنّكَ مؤتمنٌ على كلِّ نفْسٍ في هذه الأرضِ أن تعطيَها حاجَتَها من الهداية والنّصيحة والمعاشرةِ الحسنة التي تدلّها من خلالها على الله سبحانه وتعالى وعلى الله قصدُ السّبيل:

لا تُضِعْ لمحةً من العمرِ هدرا --- وَارتفعْ عن كثافةِ الأرضِ قدرا
وَتَقَدّسْ بحملِ همِّ البرايا --- وَاسألِ اللهَ فوقَ صبركَ صبرا

أيّها المسلم: لا يجفّنَّ ماءُ الحبِّ في قلبك فتهلك، فإنّهُ دمُكَ الذي يجري في أوصالك، وهو معدِنُ كلِّ جودْ، وهو في كرمةِ الحضرةِ الإلهيّةِ عنقودْ، وأصلُ الحلالِ الطّيّبْ، ونائلُ الخيرِ الوافرِ الصِّيبْ، ومادّةُ الجمالْ، وأرومةُ الجلالْ، ونقطةُ السّرِّ في التّكوينْ، وتسنيمٌ من سِدرةِ ربِّ العالمينْ.
يخطرُ على الأرواحِ فَتُسرُّ بذكرِه، وعلى القلوبِ فتأتمرُ بأمرهِ، فلا تسفكْهُ من أوصالكَ، ولا تخرجْهُ من عروقك، فإنّه لقلبكَ غذاء، ولروحكَ حياة، فإذا رغبتَ عنهُ استبدلَ بكَ اللهُ قوماً يحبّهم ويحبّونه.
إنّه جوازُ سفركَ إليهِ سبحانه، والشّهادةُ الأولى على أنّكَ من أهله، أقصدُ الحبَّ الذي يجعلُ المرَّ حلواً والترابَ تبراً كما وصفُه بذلك مولانا جلال الدّين الرّومي رحمه الله.
واعلمْ أنّ حبَّ الله هو راسمُ خطاكَ على طريقِ الرّضا والقبول وإنّه العودةُ بالرّوح إلى أوّلِ العهد:

نقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئتَ من الهوى --- ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّل
كم منزلٍ في الأرضِ يألفُهُ الفتى --- وحنينُهُ أبداً لأوّلِ منزلِ

فإذا سألتني: ما هو الحبُّ، قلتُ لك: (هو رحلةُ الذّاتْ، من المحوِ إلى الإثباتْ)، فإذا قلتَ لي: ماذا يعني من المحو إلى الإثبات، قلتُ لك: أيْ أنْ تمحوَ ذاتَكَ من أجلِ إثباتها عندَ من تحبّ.

أيّها المسلم: إنّ الفراشةَ تصطلي نارَ الشّموع، لكي تحتضنَ شعاعاتِ النور البارزةَ منها، فكنْ تلميذَها الفذّ، وأحرقْ ذاتَكَ في نارِ حبِّه عزَّ وجلّ حتّى تبلغَ حضرتَه، فلنْ تصلَ بغيرِ احتراق، واعلمْ بأنّكَ لن تدخلَ حضرةَ أُنسِه، حتّى تذوبَ في نارِ قُدسِه.. حينَها أبشِرْ بالقَبول:

ما لي سوى روحي وباذلُ نفسِهِ --- في حبِّ من يهواهُ ليسَ بمسرفِ
فلئن رضيتَ بها فقد أسعفتني --- يا خيبةَ المسعى إذا لم تُسعفِ
فالوجدُ باقٍ والوصالُ مماطلي --- والصّبرُ فان واللّقاءُ مسوّفي
أهفو لأنفاسِ النّسيمِ تعلّةً --- ولوجهِ من نقلتْ شذاهُ تشوّفي
لو أنّ روحي في يدي ووهبتها --- لمبشّري بقدومكم لم أُنصفِ
ولقد أقولُ لمن تحرّشَ بالهوى --- عرّضتَ نفسكَ للبلى فاستهدفِ
أنت القتيلُ بأيِّ من أحببتَهُ --- فاخترْ لنفسك في الهوى من تصطفي

 


كُنْ مُسْلِماً (3)

أيّها المسلم: إذا ما أشرقتْ شمسُ الطبيعة من أفقها، غطّتْ بنورها أرضَ الوجود، حينَها لا مكانة لظلمةٍ ولا موطن لعتمة.
وكذلك عندما تسطعُ شمسُ الحقيقةِ على القلب، تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيه هي محلاً لآيةٍ أو مستقراً لعناية.
وإذا أراد الله بقلبٍ خيراً صرفَ عنهُ شموسَ الأغيار، وأقصى عنهُ طوارقَ الوجودْ، ثمّ أضاءه بلطائف الأنوار، وأقامه مقامَ الشّهودْ.
فهنيئاً لقلبٍ بسطَ عليه اللهُ من نوره فأضاءتْ حناياه، ومسحَ عليه بكفِّ عطفه فاطمأنّت خلاياه، وقذفَ فيه سبحانه سرّاً من أسراره فانكشفتْ خفاياهُ عن أحلى من صورة البدر.
أجلْ، إنّه الحبّ: السّرُّ الذي يقذفُ به ربّي على القلبِ القنوطِ اليؤوس، فإذا هو بعدَ ذلك روضةُ الأمل ودوحةُ الرّضا.
وإنّهُ السّرُّ الذي تتلوّنُ به الأرضُ ثوباً أزهريّاً وتفوحُ بهِ عطراً سرمديّاً، ولمْ تكنْ قبلَ ذلك غير قفرةٍ لا تحيا فيها بسمةٌ ولا تبسمُ فيها حياة، وهو السّرُّ الذي يفيضُ له الرّملُ ماءً في هاجرةِ النّهار، ولمْ يكنْ قبلَ ذلك غيرَ سرابٍ بِقيعةٍ يحسبُهُ الظّمآنُ ماءً، حتّى إذا جاءهُ لمْ يجدْهُ شيئاً:
الموتُ لا يمحو رجالَ اللهِ من هذا الوجودْ الحبُّ في دمهم تلوّنَ بالثّباتِ وبالخلودْ مهما يكن جريانُ هذا العصرِ جبّاراً عنيفا فالحبُّ يجرفُهُ ولكنْ سيلُهُ يبدو لطيفا الأمسُ والغدُ ليس وجهتنا التي نسعى إليها الحبُّ أزمنةٌ بلا أسماءَ نطلقُهُ عليها ما الحبُّ؟ ما هو؟ إنّه وثباتُ أوقاتِ الصّفا في نفحةِ الوحي الأمين على فؤادِ المصطفى ما الحبُّ؟ سكرةُ وردةٍ خلعَ الجمالُ عِذارَها لعبَ النّسيمُ بِها عليهِ فقطّعتْ أزرارَها الحبُّ في ساحِ الجيوشِ هو المقدّمُ وَالنّبيهْ والحبُّ في الحَرمِ الشّريفِ هو المشرّعُ والفقيهْ اِسألْ بهِ متسكّعاً خلفَ الهوادجِ والقوافلْ بين الألوفِ من المنازلِ والألوفِ من المراحلْ الحبُّ ليسَ مغنّياً، الحبُّ إبداعُ الأغاني أوتارُهُ نورُ الحياةِ وَقَوْسُهُ نارُ المعاني أجَلْ، إنّهُ الطّلُّ الرّخيُّ والقطرُ الصّفيُّ الذي يجلو عن فؤادكَ غبارَ الهمِّ الشَّرود، ليستقبلَ بعدَ ذلك نَدِيَّ الحياةِ الهانئةِ وعَبَقَ الإِيمانِ الأذفَر.
حبُّهُ وحدَه سبحانه، هو الذي يوقِظُ الفجرَ من رقدتِه، ويكشفُ سُتورَ الظّلامِ بإقبالِ الأنوار، ويقذفُ نورَ الصّبحِ من بينِ ثنايا اللّيلِ وطواياه، وهو الذي يرسلُ إشراقةَ الضّحى من قلبِ الموت، وهو الذي يخرجُ زهورَ الحياةِ من أكمامِ العدم، تهزُجُ له الأطيارُ في أسحارِها، وتُصلّي الأوراقُ في أشجارِها، وتسبّحُ الطّيّباتُ في أزهارِها، وترتّلُ الأمواهُ قرآنُ الجمالِ والجلالِ في بحارها:

لولا الغرامُ لما ناحتْ مطوّقةٌ --- على قضيبٍ ولا طيرٌ على بانِ

حبُّه وحدَه: هو الذي يصنعُ دمَ الحياةِ من حديدِ السّيوف، ويُطلقُ النّدى من أَتونِ الحمم، ويخلقُ في كلِّ مسلمٍ قلبَ محمّدٍ عليهِ الصّلاةُ والسّلام.
إنّهُ بلسمُ الجراحِ النّازفة، وترياقُ القلوبِ الرّاعفة… إنّهُ حبُّ الله:

يا ربّ هام العاشقون بعشقهم --- وتمايلوا بتمايلِ النّغماتِ
وَتخاطَرَتْ أرواحُهم في ليلها --- وتسامرتْ بأطايبِ اللّمحاتِ
وبقيتُ وحدي لا رفيقَ لوحشتي --- إلا دموعَ العينِ والزّفراتِ
فأتيتُ أعتابَ الجلالةِ باسطاً --- كفَّ الضّراعةِ ساكنَ النّظراتِ
وشربتُ من خمرِ العنايةِ شَربةً --- قدسيّةً عُلويّةَ الكاساتِ
أُسقطتُ في محرابِ حبِّكَ هاتفاً --- يا سيّدي أحرِقْ بذاتِكَ ذاتي

(الحبُّ: هذه الكلمةُ التي ما تكادُ تُذكر، حتّى تُضوِّأَ جوانبَ النّفسِ البشريّة، وتهزّها هزّاً لتستريحَ على مهادٍ من العواطفِ النّبيلة، ترشُّها كلمةُ الحبِّ بالعبير، وتنثرُ حولها الياسمين، لا يرضى المحبُّ إلا أن يغتسل بماءِ السّماء… بالماءِ الطّهور… تسكبُهُ عليه يدٌ حانية، ليتسامى فوقَ الدّيم، يرفُّ كالحلمِ الوضيء، يتوضّأُ بالمسك، ويضمُّ من يحبُّ داخلَ دائرةِ العطر ويحومُ به عبرَ سحابةٍ ورديّة لا أحلى ولا أجمل) .
إنّهُ ندى الإيمان المتساقطُ من المحلِّ الرّفيع على القلبِ الفقير، وإنّه النّورُ النّازلُ من قبّةِ الكأسِ الأوفى إلى القلبِ الطّهور، ولنْ يطهرَ قلبٌ ويصفو إلا بذينِكَ الوافدَيْن.
إنه بردُ اليقين الذي يثلجُ حنايا النّفس ويزكّيها، ويُنوّرُ أركانَ القلبِ ويطيّبُه، فإذا ما تحسّستهُ الجوارحُ والأعضاء واستباحتْ واراداتُ هداهُ أركانَ الجسد، هَتَفَتْ كلُّ خليّةٍ فيه (لا إله إلا الله)، وكلُّ حجيرةٍ فيه (محمدٌ رسول الله)، واستقرّتْ خلجاتُ النّفس على وارداتِ صدى (ألا بذكرِ اللهِ تطمئنُّ القلوب):

ما في الصِّحاب أخو وَجدٍ تُطارحُهُ --- إلا محبٌّ له في الرّكبِ محبوبُ
كأنّما يوسفٌ في كلِّ راحلةٍ --- له وفي كلِّ بيتٍ منه يعقوبُ
نحنُ قومٌ والحمدُ لله سرّاً --- بلْ وجهراً عن رؤيةِ الغيرِ تُبنا

للهِ… ما للحبِّ في قلوبِ أصحابِه، تراهم به سُكارى، وما همْ بسكارى، ولكنّ بعضَ الحبِّ عيد، فإذا ما سَفَرَ الصُّبحُ، هاجتْ منهم القلوبْ، أو تهادى النّسيمُ بين الأزاهير… ذكروا المحبوبْ، غابوا عن سواه، فما شهدوا إلا إيّاه، فاستراحوا إلى عذاباتِ المجاهدة، وكذلك المحبّ (يهربُ إلى العزلةِ والخلوةِ بمحبوبه والأنسِ بذكره، كهربِ الحوتِ إلى الماءِ والطّفلِ إلى أمّه) .
فرّغوا قلوبهم من الأغيار، وأقاموها مقامَ المشاهدةِ والمراقبة، وجعلوا منها حرماً حراماً على من سواه سبحانه، فتلمّسوا في العذابِ لأجلِهِ النّعيمَ المقيم، وبادروهُ بالرّضا والتّسليم، وطربتْ منهم القلوبُ فهو مقصودُهم، وطابتِ الأرواحُ بقربِه فهو منشودُهم، وعزفوا عن ليلى ولُبنى وأَمُّوا بالقربِ بابَه، واحتملوا عذاباتِهم وأشواقَهم قاصدينَ أعتابَه، إنّهم قومٌ هاجروا من اللهِ وإليه، خُلقوا لأجلِهِ فكانوا لِما خُلقوا له، (الطّيورُ تطيرُ إلى الجهات، وهم يطيرونَ عن الجهات) .
فَنِبَتْ سرائرُهم في الحقّ، وغابتْ ظواهرُهم عن الخلق، أولئك هم هديّةُ السّماءِ للأرض، وسفراءُ الأرضِ إلى السّماءْ، لهم عندَ ربّهم بيوتٌ من ذهبٍ، لا تعب فيها ولا نَصَب، ولهم وحدهم منازلُ السّعداء.
ولقد كان المصطفى صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: «اللّهم اجعلْ حبّكَ أحبَّ إليَّ من أهلي ونفسي وولدي ومن الماءِ البارد» .

العارفونَ بأنّكَ المطلوبُ همْ --- في نعمةٍ وعنايةٍ يا ربّ همْ
وَفَّوْا بنذرِ القربِ فاشتاقتْ إلى --- لُقياهمُ عدنٌ وشاقتْ حورُهمْ
طلبوكَ فارتاحتْ سرائرُهم إلى --- تعبِ الطِّلابِ وإنِّ هذا حالُهمْ
خلصوا إليكَ بغيرِ مالٍ أو جَنى --- عَرَضٍ وحينَ يَروْكَ ذلك مالُهمْ
يغنيكَ عن وصفِ الجزاءِ قليلُهُ --- إذْ قالَ جلَّ عُلاهُ (عرّفها لهمْ)

فاعلم أيّها المسلم: أنّ (المعرفة بساطٌ لا يطأُ عليه إلا مقرّب، والمحبّةُ نشيدٌ لا يطربُ عليهِ إلا مغرم) ، فاستجمعْ أقطارَ حسّكَ ونفسك وأوْكلْها إلى الحبيبِ الأوّل، فمنْ عرفَ اللهَ أحبّهُ الله، وفي هذا المفازُ والوصول:

هنيئاً لعبدٍ طيّبَ الحبُّ قلبَهُ --- وقامَ له من سرِّ ذلك حالُ
هم القومُ أدناهم إليهِ حبيبُهم --- لمعناهُ فيهِ رونقٌ وظلالُ
إذا جئتَ للوادي رأيتَ خيامَهم --- ولاحَ لأسلوبِ الجمالِ مثالُ
يئنّونَ ليلاً من صميمِ قلوبِهم --- وللشّوقِ في طيِّ القلوبِ نصالُ
تراهم على الأعتابِ باللّهفِ خضّعاً --- تُحطُّ لهم حولَ الرِّحابِ رِحالُ
خِفافٌ إذا يدعوهمُ الحبُّ للهوى --- ولكن لأقوالِ السِّوى فَثِقالُ
فهم ضمنَ أبراجِ النّجومِ نجومُها --- وهم للجبالِ الرّاسياتِ جبالُ

أيّها المسلم: "قلْ هو اللهُ أحد"، (فإنّ في ذلك عقيدةً للضّمير، وتفسيراً للوجود، ومنهجاً للحياة) .
وكن مع الله، فإنّ معيّتَهُ سبحانه سياجٌ للنفسِ من الزّلل، ومنعةٌ للقلبِ أنْ يتحوّل، وحصنٌ للحقيقة، وإقامةٌ للطّريقة، وإذا كنتَ معه فقد أويتَ إلى ركنٍ شديد، لا يضرّكَ بعدها من خالفك، وانظرْ إلى النبيِّ الكليمِ موسى عليهِ السّلام، كيفَ فازَ بالمرادِ ونالَ المنى، عندما قال سبحانه في حقّه (إنّك بأعيننا)، فأقِمْ قلبَكَ في حمى (لا تحزنْ إنَّ الله معنا):

أَيُدركني ضيمٌ وأنتَ ذخيرتي --- وأُظلمُ في الدّنيا وأنتَ نصيري
وَلا حاميَ المملوكِ إلا أميرُهُ --- وهاأنا مملوكٌ وأنتَ أميري

واعلمْ أنّهُ إنّما جُبلتِ القلوبُ على حبِّ من أحسنَ إليها، وموالاةِ من أنعمَ عليها، فلا تأوِ إلى غيرهِ سبحانه، ولا تركنْ إلى سواه، ومن ذا أكرمُ من اللهِ وأعظم، وهو المحسنُ الوهّاب البرّ، الذي أعطى وتفضّل، ووهبَ فأجزل، وقرّبَ ووَصَل، واعلمْ أنّك:
(ما أحببتَ شيئاً إلا كنتَ له عبداً، وهو لا يحبُّ أنْ تكونَ لغيرهِ عبداً) .
فوجِّهْ إليهِ الخواطرْ، وصَفِّ له السّرائرْ، وأَقبِلْ عليه بالودادْ، وناجِهِ من عمقِ الفؤاد:

دائماً في القلب حاضرْ
يا مُرجّى كلِّ ذاكرْ
ساهرٌ في طرفي وقلبي
فيك يا مولاي ساهرْ
دائماً في بابك العالي مقيمٌ ومسافرْ
صارَ سرّي مثلَ جهري
أنتَ في الحالين ظاهرْ
فارحمِ القلبَ المعنّى
يا عليماً بالسّرائرْ

أيّها المسلم: كنْ عبَدَهُ الأمين، يستعملْكَ في أشرفِ الأمور، ولا تعارضْ أمرَهُ فيقيلك، فالعبدُ الآبِقُ مطرودٌ من بيتِ الرّحمة، وكن معه كأنكَ تراه، فتلك أشرفُ صحبةٍ، وذلك الفوزُ العظيم، واعلمْ بأنّهُ (لا نهاية لمذامِّك إذا أرجعكَ إليك، ولا تفرغُ مدائحُك إذا أظهر جودَهُ عليك) ، فلا تغفلْ عن ربّكَ طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ من ذلك ولا أكثر حتى لا يكلكَ إلى نفسكَ، ففي ذلك الخسرانُ، فإذا أظهر جودَه عليك فذلك عينُ الرّضا والرّضوان، حينها تصيرُ كلُّ ذرّةٍ فيك هي محلاً لآيةٍ ومستقرّاً لعناية:

وإذا العبدُ لاذَ بالله نجّاهُ --- فولّى الشّيطانُ عنه وأبلسْ
بين مدٍّ وبين جزرٍ يظلُّ الـ --- حرُّ من عفوِ ربّهِ ليسَ ييأسْ
بعتُ نفسي لبارئي مستبيناً --- واعياً راضياً ولا أتملّسْ
واشتراني له ومن باع غيرَ --- اللهِ مهما استوفى يُغرُّ ويبخسْ

أيّها المسلم: إذا شابتْ دمكَ الأهواء ولوّنتهُ نزعاتُ التراب، فأهرقْه من أوصالك واستبدلْ به دماً صافياً يهزُّ العالمَ بجريانه، واعلم بأنّهُ لا يكون لك دمٌ جديدٌ إلا بالحبّ، فالحبُّ صانعُ الحياة:

لكَ نارُ القلبِ والدمعُ غذاءْ
نضِّرِ البستانَ من شمسٍ وماءْ
افطمنْ روحَكَ من درِّ الرّجيمْ
تشركِ الأملاكَ في قربِ الرّحيمْ

أيّها المسلم: ليكنْ خلقُكَ القرآن، كما كان نبيّكَ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، ولتكنْ شهورُ عمركَ كلّها شهرَ رمضانْ، وكلّ ليلةٍ من ليالي عمركَ العابرة ليلةَ القدر، حينها يبدأ التّغييرُ، ويبدأُ البناءُ والتّعمير ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) .
ولا تغرنّك الحياةُ الدّنيا فهي أقلُّ من أن تنالَ من قلب مؤمن، ولتكن الدّنيا في كفّك والآخرةُ في قلبك: ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك)) .
فانتصرْ لروحكَ على التّراب، وأوقدْ في قلبكَ شهاباً من الحبِّ، فلنْ تصلَ إلا بهذا الشّهابْ:
الجسمُ في بنيانهِ بالرّوحِ يكتسبُ الحياةْ لكن حياةُ الرّوحِ في قربِ الحبيبِ وفي رضاهْ فاحرصْ على القربِ أكثرَ من حرصكَ على الحياة، ولا تُفضّلْ أمراً من الدّنيا على طلبِ القربِ منه سبحانه، فإنّ في قربهِ وفي رضاه وجدانَ الفضيلة، وفي جفاهُ سبحانه انقطاعَ الوسيلة، فاخترْ لنفسِكَ الأُولى، فذكَ أحرى بكَ وأَوْلى.
(للهِ ما أحلى زماناً تسعى به الأقدامُ على أرضِ الاشتياق) .
ومن طلب المحبوبَ، هان عنده المطلوب، فبذر روحَه قبل ماله، حتّى يقيلَ في أفياءِ المحبوبِ وظلاله، وتحفّزَ بما لديه من الغالي والزّهيد، ليتّصلَ بمحبوبِ الفؤاد، فإنّ وصلَ محبوبهِ عنده عيدْ، وزادَ بالبذلِ وأسرفْ، لأنّهُ (مَنْ لم يباشرِ الهجيرَ في طِلابِ المجدِ، لم يقلْ في ظلالِ الشّرفْ) .
فسبحانَ الذي هانتْ في سبيله المهجْ، وسُلِكَ إليهِ كلُّ سبيلٍ وفجّْ، وبادرَ أفئدةَ أحبابِهِ بطيّبِ الشّذا والأرجْ، فليسَ على باذلِ نفسِهِ في حبّهِ من حرجْ، سبحانه وتعالى.
مطلوبُ القلوب، وعلامُ الغيوب، وعنده وحده مفاتيحُ الفرجْ.

 


كُنْ مُسْلِماً (4)
 

أيّها المسلم: (تذكّرْ حلاوةَ الوصال، يهنْ عليكَ مرُّ المجاهدة) .
أيّها المسلم: ألزمْ كلَّ جارحةٍ فيكَ شهودَ ربّكَ في كلِّ حين، والزمْ بابهُ سبحانه، فعندَ بابِهِ تحطُّ الرّحماتُ أطمارَها، وتنزلُ العطايا أقدارَها، وتبدي الآلاءُ آثارَها، وتُطلقُ شجرةُ العنايةِ أثمارَها، فإذا نزلتَ ببابه سبحانه فقد نلتَ الأطمارَ، وحقّقتَ الأقدارَ وسرحتَ في مواقعِ الآثارِ ثمّ حظيتَ بالأثمارِ، فداومْ نفسَكَ على زيارةِ مواقعِ الجودِ والإحسانْ، ولا تنصرفْ عنها قاصداً سواها، فليس في سواها غيرُ الخيبةِ والخذلان. (لا تتعدَّ نيّةُ همّتِكَ إلى غيرِهِ، فالكريمُ لا تتخطّاهُ الآمال) .
أيّها المسلم: عليك بتقوى الله، فما نفعَ القلبَ مثلُ تقواهُ سبحانه، فإنّها فاتحةُ الخيرات، وجامعةُ الحسناتْ، وبها يحظى العبدُ مقعدَ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ في أعلى الجنّاتْ، سُكناهُ فيها في ظُللٍ تحوطُها غرفٌ من فوقِها غرفٌ مبنيّاتْ.
((وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا)) .
أيها المسلم: (لو كنتَ كما تدّعي من أهلِ اللّبِّ والحجى، لأتيتَ بما هو أحرى بك وأحجى، ألا إنّ الأحجى أنْ تلوذَ بالرّكنِ الأقوى، ولا ركنَ أقوى من التّقوى) .

واتّقِ الله فتقوى اللهِ ما --- جاورتْ قلبَ امرءٍ إلا وَصلْ
ليسَ من يقطعُ طُرْقاً بطلاً --- إنّما من يتّقِ اللهَ البطلْ

أيّها المسلم: أنْ تتقي الله، يعني ألا تعصيه حيثُ لا يراكَ غيرُه، فاتّقِ الله ما استطعتَ، واعلمْ أنّ التقوى هي جمالُ الرّوح حيثُ آذاها البعدُ عن المحبوب، وجلاءُ القلبِ حيثُ سوّدتْ صفحتَهُ الذّنوبُ ورانَ عليهِ ما كسبْ، وإنّها سفرُ العقلَِ في ميادينِ الفكرِ والجمال، واعلمْ أنّ لباسَ التّقوى هو خيرُ لباسٍ ترتديه، فلا تستبدلْ به حلّةً لا تدومُ، أو لباساً لا يبقى.
(الدّنيا بجميعِ لذائذها، حملٌ ثقيلٌ وقيدٌ لا يرضى به إلى المريضُ الفاسد الرّوح، فبدلاً من التّعلّقات والاحتياجاتِ إلى كلّ الأسباب، والتملّقِ لكلّ الوسائط، والتّذبذبِ بين الأربابِ المتشاكسين الصّمّ العمي، لا بدّ من الالتجاءِ إلى الرّبِّ الواحد، الذي إنْ توكّلتَ عليه فهو حسبُك) .
إنّها التقوى: السّمتُ الذي تُبنى عليه مكارمُ الأخلاق، واعلمْ أنّ (الأخلاقَ الحسنةَ إنّما هي استشعارُ معنى الرّقابةِ الإلهيّةِ في القلب)، وهي حصنُ المسلم الذي يدفعُ عنه، وَبالَ الدّهر وصروفَ القهر، وهي السّفينةُ التي تأخذُ به إلى شاطئ الأمن، وإنّها مُلتقى الكراماتِ وهي خيرُ ما في الحياة.
ألا يرضيك أن تكونَ جليسَ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في يومِ القيامة (أقربكم منّي مجلساً يوم القيامة، أحاسنُكُم أخلاقاً) .
فيا أيّها المسلم: (اِحرصْ وفيك بقيّةٌ، على أنْ تكونَ لك نفسُ تقيّة) .

أيّها المسلم: لا يزالُ لسانُكَ رطباً بذكرِ الله ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب))، فإنّ ذكرَ الله هو السّرُّ الذي يمدُّ قلبَكَ بالطّاقة، وأوصالَكَ بالحياة، وغدَكَ بالنّجاة، وحياتَكَ بالخاتمةِ الحسنة، وقبرَكَ بالسّعة، وميزانَك بالحسنات، وآخرتَكَ بالجنّة، وليكنْ قلبُكَ مهبطاً لشهودِ خالقك، ولتكنْ روحُك منزلاً لوارداتِ الحضورِ والحبّ.
(واعلم أنّ الحياةَ الكريمة تبدأُ من حرارة ذكرِ الله، والعيشة الرّاضية لا تتأتّى إلا بحرارةِ ذكرِ الله والثّقة بنصره، فلا سبيلَ إلى الحرّيَة إلا بنقاء الفكر من همزات الشّياطين، وإغراء المفسدين، وعفّتِه من أدناسِ الشّرك، وصفائِه من أثرِ الاستعمار) .
وإنّ في ذكركَ لله استحضاراً لحبِّ الله في قلبك، ووفاءً لله وشكراً له على نعمائه وآلائه، وطُمأنينةً تغشى طوايا القلب وحلاوةً تغمرُ الجوارح، ولن يبرأ القلبُ من النّزعات وتصفو الرّوح من النّزغات إلا بذكرِ الله عزّ وجلّ , فاجعلْ من وقتِك خميلةً فيها أشجارُ الذّكرِ بَواسِقْ، وأثمارُ التّسبيحِ يَوانعْ، وأزهارُ التّكبيرِ والتّهليلِ روائعْ، وأريجُ الحمدِ والشّكرِ سابقْ.
(لا بدّ من فتراتٍ ينخلعُ فيها القلبُ من شواغلِ المعاش وجواذبِ الأرض، ليخلوَ إلى ربّه ويتجرّدَ لذكره ويتذوّقَ هذا الطّعمَ الخاصَّ للتّجرّدِ والاتّصالِ بالملأ الأعلى ويملأ قلبه وصدرَه من ذلك الهواء النّقيِّ الخالص العطرِ ويستروحَ شذاه) .
وكما يطيبُ الذّوقُ بجنى الأثمارِ آنَ القطافْ، وتطيبُ النّسائمُ بتراتيلِ الحمائم، وتميدُ الأغصانُ إذا عَرَضتْ بها الرّقائقُ اللِّطافْ، كذلك يفعلُ ذكرُ الله فعلَهُ في القلوبِ إذا مرَّ بها وطافْ.
تُجتلى الأنوارُ من مضامينِ الغيوب، وتستقرُّ أطيافُ الجلالِ وأوصافُ الجمال في زجاجاتِ القلوب.
تختلبُ العيونَ شاهداتُ الهدى، وتنسابُ في الجوارحِ فصولُ النّدى، وتجذبُ الأرواحَ عائداتُ التّقوى، وتُسكرُ النّفوسَ هاتفاتُ النّجوى، فتَطربُ القلوبُ وكأنّها أُحِلّت دارَ المُقامة من فضله، وتنتشي الأرواحُ وكأنّها أُدخلتْ جنّةَ المأوى.
فالهدايةُ سِدرُها مخضود، والعنايةُ طلحُها منضودْ، والرّحمةُ ظلُّها ممدودْ، سألتِ القلوبُ فاستُجيبتِ الأمانيُّ، وطلبتِ الأرواحُ فبُثَّتْ على رفوفِ العطاءِ الزّرابيّ.
وطارتْ بالخواطرِ الأشواقْ، وغابتْ في خيالِ محبوبِها الأذواقْ، فاليدُ البيضاءُ حاضرةُ العطاء، وكأسُ السُّرورِ دِهاقْ.
هنا صارَ العذابُ عَذباً، وصارَ العذبُ أعذبْ، وكان ربعُ النّورِ ما أقصاهُ، صارَ الرَّبعُ أقربْ، وتهادى رَوْحُ النّعيمِ في مَطارِفِ الرُّوحِ وتشعّبْ، فبأيِّ آلاءِ الإله يُكَذّبْ.
صحَّ بالفقرِ الغنى، وقوبِلتْ بالقَبولِ المنى، ونادى بالأرواح هاتفُ الرّحمن قائلاً: "ثمّ دنا"

شهداءُ عِرفانِ الهدى شهداءُ --- دمُهم على أكفانِهم عُرَفاءُ
فإذا حيوا فبذكرِهِ وإذا همُ --- ماتوا ففي فردوسِهِ أحياءُ
فكأنّما نَشْرُ الشّذا من نشرِهمْ --- وكأنّهم في غيرِهم آلاءُ

(ألا إنّ حقَّ الثّناء، لمن لهُ حُقَّ السّناء، ولا أعلى من ربِّ العرشِ وأسنى، ولا أحسن من أسمائِه الحُسنى، فاستفرغْ في تمجيدِهِ طوقَك، واجتهدْ ألا يكونَ ممجّدٌ فوقَك) .

أيّها المسلم: إذا قُمتَ للوضوءِ فطهِّرْ قلبَك أوّلاً من علائقِ الأغيار، واغسلْهُ من أثرِ الذّنوب، واشهد الله في كلِّ جارحةٍ فيك، فإذا غسلتَ يديكَ فما ذلك إلا لتعاهدَ الله على الاستقامة ولكن بيدينِ نظيفتين، ولتكنْ لك في كلِّ ساعةٍ مع ربِّكَ "بَيْعةُ رِضوان"، فذلك مطلبُ المؤمن الحرّ، وإذا أجريتَ الماءَ على جوارحِكَ، فما ذلك إلا لتقبلَ على الله بوجهٍ نظيف وجسدٍ نظيف، فإنها شروطُ الحضورِ بين يديه، والوقوفِ في حضرته.
وإذا قمتَ إلى الصّلاةِ فلتكنْ صلاتُكَ معراجاً إلى محلِّ أُنسهِ، ووقوفاً في محرابِ قُدسِه، ثمَّ لِيكنْ فيها قُرّةُ عينك، وإجماعُ قلبك، واعلمْ أنّ الصّلاة هي: (محلُّ المناجاة، ومعدِنُ المصافاة، تتّسعُ فيها ميادينُ الأسرار، وتُشرقُ فيها شَوارقُ الأنوار، وهي طُهرةٌ للقلوبِ من أدناسِ الذّنوب، واستفتاحٌ لبابِ الغيوب) .
وهاأنذا أسوق لك قولاً للدّاعية العظيم بديع الزّمان النورسي والذي أدرك من الصّلاة آفاقاً وغاياتٍ فقال: (إنّ الصّلاة والنّظر إلى الكعبة خيالاً مندوبٌ إليها، ليرى المصلّي حول بيتِ لله صفوفاً كالدّوائر المتداخلة المتّحدة المركز، فكلّما أحاط الصّفُّ الأقربُ بالبيت، أحاط الأبعدُ بعالم الإسلام، فيشتاقُ إلى الانسلاك في سلكهم، وبعد الانسلاك يصيرُ له إجماعُ تلك الجماعة العظمى وتواترهم حجةً وبرهاناً قطعياً عل كلِّ حكمٍ ودعوى تتضمّنها الصّلاة، فإذا قال المصلّي: "الحمد لله"، كأنّه يقول كلُّ المؤمنين المأمومين في مسجد الأرض: نعم صدقت، فيتضاءلُ ويضمحلُّ تكذيبُ الأوهام ووسوسةُ الشّياطين).

أيّها المسلم: إذا ما دخلتَ في الصّلاة فقد ملكتَ زمامَ السّرائر، وصرتَ قاضياً في محكمة الخواطر، فلا يكون منك غير تسبيحٍ وذكرٍ وحمد، واطرقْ بابَ مولاك بالرّكوع بين يديهِ، فإذا ما سجدتَ لله فُتحت أمامك مصاريعُ الغيوب (أقربُ ما يكون العبدُ من ربّه وهو ساجد) ، واعلم بأنّ سجودَكَ لله والإطراق بين يديه هو تاجُ الكرامة الذي يبرق فوق رأسك فيجعل من ذاتك حَرَماً حراماً على غير مولاك.

إذا ما جبيني لاصقَ الأرضَ خاشعاً --- وردّدْتُ يا سُبّوحُ يا ربُّ… عابدا
تغنّيتُ بالتّقديسِ عن عالم الدّنا --- وأشرقتُ واستشعرتُ نفسيَ صاعدا
وكنتُ أنا والنّورُ مثنىً فذبتُ في --- تجلّيه حتّى عدتُ والنّورُ واحدا

وإنّ السجودَ هو الزّينةُ التي تجمل بها الرّوح فتتعالى عن بَدأةِ الصّلصال والفخار سابحةً في فضاءاتِ الشّهود والوقار نازلةً في منازل الرّحمن.
إنّه الوقت الذي تصفو فيه سماءُ القلبِ من دخانِ الأغيار، لِتَؤُمَّ شطرَ كعبةِ الأنسِ والرّضى العِرفان: (إنّ الإنسانَ في تكوينهِ قبضةٌ من طين هذا العالم، ولكنّ له صدراً لا يقلُّ عن العرشِ كرامةً وسموّاً، فقد أشرقَ بنورِ ربّه وحمل أمانةَ الله. إنّ الملائكةَ تمتازُ بالسّجودِ الدّائم، ولكن من أين لها تلك اللّوعةُ التي امتاز بها سجودُ الإنسان) .
فإذا ما انتهيت من صلاتك أيها المسلم، فذلك إقبالٌ على الدّنيا والله في قلبك، فإذا لم تنهك صلاتك عن الفحشاءِ والمنكر فإنّك لم تُصلّ.

وهاأنذا أسوقُ لك مرّةً أخرى كلماتٍ لواحدٍ ممّن أدركوا من أسرارِ الصّلاة الكثير، فاسمعْ إليه وهو يقول: (بالانصراف إلى الصّلاة وجمعِ النّيّةِ عليها، يستشعر المسلمُ أنّه قدْ حطّمَ الحدود الأرضيّة المحيطة بنفسه من الزّمان والمكان، وخرج منها إلى روحانيّةٍ لا يُحدُّ فيها إلا بالله وحده، وبالقيام إلى الصّلاة، يحققُ المسلم لذاته معنى إفراغِ الفكرِ السّامي على الجسمِ كلِّه، ليمتزجَ بجلالِ الكونِ ووقاره، كأنّه كائنٌ منتصبٌ مع الكائناتِ يسبّحُ بحمده وبالتّولّي شطرَ القبلة في سَمتها الذي لا يتغيّرُ على اختلاف أوضاع الأرض، يعرفُ المسلم حقيقةَ الرّمز للمركز الثّابت في روحانيّةِ الحياة، فيحملُ قلبُه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبيّة الدّنيا وقلقها، وبالرّكوع والسّجود بين يدي الله يُشعر المسلم نفسَه معنى السّموّ والرّفعة على كلّ ما عدا الخالق من وجود الكون، وبالجلسة في الصّلاة وقراءة التّحيّات الطّيبات يكون المسلم جالساً فوق الدّنيا يحمدُ الله ويُسلّمُ على نبيّهِ وملائكته ويشهد ويدعو، وبالتّسليم الذي يخرجُ به من الصّلاة، يُقبلُ المسلمُ على الدّنيا وأهلها إقبالاً جديداً، من جهتي السّلامُ والرّحمة.
هي لحظاتٌ من الحياة كلّ يومٍ في غير أشياءِ هذه الدّنيا لجمعِ الشّهوات وتقييدها بين وقتٍ وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركاتِ الصّلاة، ولِتمزيقِ الفناءِ خمسَ مرّاتٍ كلّ يومٍ عن النفس، فيرى المسلم من ورائه حقيقةَ الخلود، فتشعرُ الرّوح أنها تنمو وتتّسع، هي خمسُ صلواتٍ وهي كذلك خمسُ مرّات يفرغُ فيها القلبُ ممّا امتلأ به من الدّنيا، فما أدقَّ وأصدقَ قولَهُ صلّى اللهُ عليه وسلم: «وجُعلت قرّةُ عيني في الصّلاة») .
أجل، إنّها الصّلاة: الشّربةُ الأصفى، في قُبّةِ الكأسِ الأوفى، ونزولٌ في منازل الأنس والودّْ، وطوافٌ حول كعبة الحب والوجدْ، وارتقاء في سماوات الشهودْ، وانصراف بالكليّة إلى المعبودْ.
إنّها إشهادُ من في الأرض على صدق دعوى الحب والهيام، وإشهادُ من في السماء على صدقِ فحوى الذّكر والكلام، وإشهادُ خالق السماوات والأرض على أنّ هذا القلب ملكُه.
ولقد قيل: (إنّه إذا ماتَ المؤمنُ، بكى عليهِ موضعان، موضعٌ في الأرض وموضعٌ في السماء، أمّا الذي في الأرض فهو الذي كان يشهدُ صلاتَه وأمّا الذي في السّماء، فهو الذي كان يصعدُ إليه عملُهُ الصّالح) .
نعم، هي حمدٌ باللّسان، ولكن بعدَ أنْ صدعتِ الرّوحُ بالحمد، وهي التّسبيحةُ القدسيّةُ التي تشتركُ فيها كلُّ جارحةٍ في الجسد.
إنّها ترجمانُ العلاقة بين القلبِ والمحبوب، وسفيرُ الرّوحِ إلى فضاءاتِ رحمته، ووثيقةٌ تنصُّ على براءةِ القلبِ من غير الله، وعهدٌ ينصُّ على نجاةِ العبدِ من النّار.
(فلا تسجدْ ولا تركعْ إلا وقلبُك خاشعٌ متواضعٌ على موافقةِ ظاهرك، فإنّ المراد خضوعُ الروح لا خضوع البدن، ولا تقلْ "الله أكبر" وفي قلبك شيءٌ أكبر من الله تعالى ولا تقلْ "وجّهت وجهي" إلا وقلبُك متوجّهٌ بكلِّ وجههِ إلى الله ومعرِضٌ عن غيره، ولا تقلْ "الحمدُ لله" إلا وقلبُك طافحٌ بشكر نعمه عليك فَرِحٌ به مُستبشر، ولا تقل "وإيّاك نستعين" إلا وأنت مُستشعرٌ ضعفَكَ وعجزَكَ وأنّه ليس إليك ولا إلى غيرك من الأمر شيء) .

أيّها المسلم: إذا صُمتَ ومنعتَ عن جوفكَ الطّعام والشّرابَ، فليصمْ قلبُك قبل ذلك عن الالتفات إلى غيره سبحانه فإنّ الانصرافَ إلى سواه جلَّ وعلا، إفطارٌ على مائدةِ الشّيطان.

جدِّدهْ حياتَكَ بالصّيامِ --- فإنّ فيه غذاءَ روحكْ

داوِ الذي تشكو بتقوى اللهِ تبرأْ من قروحِكْ وارقَ الذّرا وَدَعِ الثّرى طالَ المُقامُ على سُفوحكْ وإذا حججتَ بيتَ الله فَليحجَّ قلبك إلى مَهوى الفؤاد وكعبةِ الأسرارِ قبل أنْ تحجَّ عيناكَ إلى بناءٍ من الأحجار.
وإذا استخلفكَ اللهُ على مالٍ فابسطْ يدكَ راضياً وامنعْها على العيون، فلا خيرَ في يمينٍ تُنفقُ وشمالُها عليها قائمةٌ وبها عالمة.

 


كُنْ مُسْلِماً (5)
 

أيّها المسلم: لا تهجرِ القرآنَ، فإنّهُ كتابُ الله، فإذا هجرته فقد فقدتَ الكثير، واعلمْ أنّه رسالةُ اللهِ إليك، فيها ممّا تحبُّ ما لا يُحصيهِ الفهمُ أو يحيطُ به الإدراك، فرتِّلْهُ آناءَ اللّيلِ وأطرافَ النّهار، فإنّ آياتِهِ جذباتُ عشقٍ من حضرةِ الرّحمن، وسورَهُ سوانحُ الرّوح للدّخولِ إلى فِناءِ مملكته، وكلّ كلمةٍ فيه إذنٌ لك بالدّخولِ على الرّبّ العظيم، ينسابُ فيهِ ماءُ الحياةِ فمنهُ وِردُ القلوب، ويجري في مسالكِ الرّوح فبهِ جلاءُ الذّنوب، تأخذ منهُ الألفاظُ بمجامعِ الألحاظ، وتعزفُ منه المعاني على أوتارِ الرّوحِ، وتُسكرُ منه الآياتُ لا كما تُسكرُ الغَبوقُ أوِ الصّبوح، لا تستقيمُ المباني في نظمٍ كما استقامتْ مبانيه، ولو أنّ ما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يمدُّه من بعدهِ سبعةُ أبحرٍ ما نفدتْ معانيه:
(آياتٌ منزلةٌ من حولِ العرش، فالأرضُ بها سماءٌ هي منها كواكبْ، بل الجندُ الإلهيُّ قد نُشِرَ له من الفضيلة علمٌ، وانضوتْ إليه من الأرواحِ مواكبْ، أُغلقتْ دونَهُ القلوبُ فاقتحمَ اقفالَها، وامتنعتْ عليهِ أعرافُ الضّمائر فابتزَّ "أنفالها".
ألفاظٌ إذا اشتدّت فأمواجُ البحارِ الزّاخرة، وإنْ هي لانتْ فأنفاسُ الحياةِ الآخرة، تذكر الدّنيا فمنها عمادُها ونظامُها، وتصفُ الآخرةَ فمنها جنَتُها وصِرامُها، ومتى وعدتْ من كرمِ الله جعلتِ الثّغورَ تضحكُ في وجوهِ الغيوب، وإن هي أوعدتْ جعلت الألسنةَ ترعدُ في حمى القلوب.
ومعانٍ بينا هي ترويك من ماءِ البيان، ورقّةٌ تستروحُ منها نسيم الجنان، ونورٌ تبصرُ به في مرآةِ الإيمانِ وجهَ الأمان، وبينا هي ترفُّ بندى الحياة على زهرة الضَمير، وتخلقُ لأوراقها من معاني العبرة معنى العبير، وتهبُّ عليها بأنفاسِ الرّحمة فتَنِمُّ بسرِّ هذا العالم الصّغير، ثمّ بينا هي تتساقطُ من الأفواه تساقطَ الدُّموع من الأجفان، وتدعُ القلبَ من الخشوع كأنّه جنازةٌ ينوحُ عليها اللّسان، وتمثّلُ للمذنب حقيقةَ الإنسانيّة حتّى يظنَّ أنّه صنفٌ آخرُ من الإنسان، …………، لا جرم أنّ القرآن سرُّ السّماء، فهو نورُ الله في أفقِ الدّنيا حتّى تزول، ومعنى الخلود في دولةِ الأرضِ إلى أن تدول) .

أيّها المسلم: ما أجملَ أن تكلّمَ المولى، وأنت العبدُ الضّعيفُ وهو الرّبُّ العظيم، إنّها لساعةٌ تُنسيك ما قبلها، إنّه الكلامُ مع الله، ملتقى السّرِّ مع من يعلمُ السّرَّ وأخفى، وملتقى الحيرانِ مع نارِ الهداية، وملتقى السّفينِ الشّاردةِ مع مناراتِ المرافئ، إنّه لقاءُ الرّوح مع مطلوبِها، والأملِ مع غايته: (كلُّ آيةٍ من آياته الجليلة، كعصا موسى عليه السّلام، تفجرُ الماء أينما ضربت، إنّهُ شمسُ الكواكبِ السّيّارة، والمنبعُ السّلسبيل الباعث على الحياة، يتلو آياتِ الكائناتِ في مسجدِ الكونِ الكبير هذا، فلننصتْ إليه، ولنتنوّرْ بنوره، ولنعملْ بهديِهِ الحكيم، حتّى يكونَ لسانُنا رطباً بذكرهِ وتلاوتِه) .
أجل أيّها المسلم: (اجعلْ كتابَ الله نجِيّكَ فنعمَ النّجيّْ، وإنّكَ لحريٌّ بمناجاتهِ حجيّْ) ، فإنّ ما تستشعرُهُ الرّوحُ وهي تطوفُ في مثانيِّ الكتاب من السّعادة والطّمأنينة والنّشوة لَيضيقُ عن الحصرِ والإحاطة، فإذا رتّلتَهُ كان لك هذا في دنياك، ويُقالُ لك في يوم القيامة: (اقِرأْ وارقَ ورتّلْ كما كنتَ ترتّلُ في الدّنيا) .
فأقبلْ على كتابِ الله، تهذّبُ به لسانَكَ فينتظمْ، وقلبَكَ فيستقيم، وتسقي بنَميرٍ وحيِهِ قفرَ الضّمير، ينبعث أكمامَ خيرٍ وزهورَ إيمان.
(فاجتهدْ بأن تحاذي بوجهِ قلبكَ شطرَ شمسِ القرآن، وتستضيءَ بأنواره كذلك، فإنْ لم تطقْ ذلك فأصغِ إلى النّداءِ الواردِ من جانبِ الطّورِ الأيمن، فإن آنستَ من جوانبهِ ناراً، فخذْ منهُ قبساً، وأشعلْ منه سراجاً، فإن كان زيتُك صافياً يكادُ يضيءُ ولو لم تمسسْهُ نار، فإذا مسّتْهُ النّارُ انبعثَ منه الضّياءُ، ووجدتَ على النّارِ هدى، وقام في حقّك مقامَ الشّمسِ المنتشرةِ الإشراقِ والضّياء) .

أيّها المسلم: (اِقرأ القرآنَ كأنّهُ أُنزلَ عليك) ، وأرسلْ فيهِ عينَ التّفكّر وجارحةَ التدبّر، فإذا رُزقتَ الفهمَ عنه رُزقت البراءةَ من الإثم، والعصمة من الموبقات، والرّاحة في الحياة، والخوف من الخوف، فإنّكَ في معيّةِ الله ما دمتَ تسلكُ القلبَ بين دُفّتيه، وتأمّلْ في كلامِ سيّدنا جعفر الصّادق رضي الله عنه بعدَ أن رُزِقَ الفهمَ عنه والعلمَ به: (عجبتُ لمن خاف ولم يفزعْ إلى قول الله سبحانه ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: ((فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم)).
وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزعْ إلى قوله سبحانه: ((لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين))، فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: ((فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)). وعجبتُ لمن مُكرَ به ولم يفزعُ إلى قولِ الله , فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: ((فوقاه الله سيئات ما مكروا)). وعجبتُ لمن طلبَ الدّنيا وزينتها، كيف لا يفزعُ إلى قولِ الله: ((ما شاء الله لا قوة إلا بالله))، فإنّي سمعتُ الله يعقبها بقوله: ((إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك)) .

 



كُنْ مُسْلِماً (6)
 

أيّها المسلم: إنّ فاتحةَ هزائمِ المرءِ هي هزيمتُهُ أمامَ نفسه، فلا تضعفْ أمام نفسك، فإنّ النفسَ إذا بسطتْ سلطانها على المرء أردتْهُ طريحَ الأدواء والعلل، وإنها من أولياءِ الشّيطانِ، فاكبحْ جُماحَها بذكرِ الله وبالقرآن، وقيّدْها بقيودِ الإيمان:

وخالفِ النّفسَ والشّيطانَ واعصِمها  --- وإنْ هما محّضاكَ النّصحَ فاتّهمِ
ولا تطعْ منهما خصماً ولا حكماً  --- فأنتَ تعرفُ كيد الخصمِ والحكَمِ

أيّها المسلم: لا يغرنّكَ طولُ العمر، فما أهلكَ من هلك إلا طولُ الأملِ ونقصُ الرّجاء، فماهي إلا سنّي قليلة وتنقضي، وكما قيل: (من عدَّ غداً في أجلِهِ فما أحسنَ صحبةَ الموت)، فاذكر الموتَ هاذمَ اللّذّات، وليكن الموت عندك فراراً إلى الله بقلبِ راغب، ولا يكوننّ سَوقاً بسلاسل القهرِ، فما الموتُ إلا لقاء الحبيب، وإنهُ الميعادُ الذي إذا جاء ألفيتَ كلّ تميمةٍ لا تنفع:

وما المالُ والأهلون إلا ودائعٌ  --- ولا بدّ يوماً أنْ تُردَّ الودائعُ

(يا ابن أمي وأبي هات، حديثَ الآباء والأمّهات، وحدّثْ عن رجالِ العشيرة، وكرامِ الأخلاءِ والجيرة، من الجارِ الجنب، وماسّ الطُّنُب، ومن جاثنياهُ على الرّكبْ، وجاريناه في كشفِ الكربْ، ومن رفدنا بالخير ورفدناه، ومن أفادنا الحكمةَ وأفدناه، قد اقتضاهم من أوجدهم أن يفنَوْا، وخلتْ منهم الدّيارُ كأن لم يغنَوْا، وكفى بمكانهم واعظاً لو صودفَ من يتّعظ، وموقظاً عن الغفلةِ لوْ وُجدَ من يستيقظ) .
واعلمْ أنّ الموتَ عند أهل الصدقِ والإيمان الحقّ هو ترجمانُ الشّوقِ إلى الله ولقائه، وإنّه عودةُ الرّوحِ إلى وطنها الأوّل، ولقاء صاحب الملك.
ولقد سُئلتُ مرّةً: ما هو دواءُ الشّوق؟ فقلتُ: هو الموت، فقال ليَ السّائلُ: ولكنّي أسمعهم يقولون: إنّ دواءَه اللّقاء، قلتُ: أجلْ؛ هو ذاك، ولكن من تلاقي؟ فقال: ألقى الحبيب، فقلتُ له: ومن هو حبيبُك؟ … فَبُهتَ الذي فكّرْ‍‍‍‍!!!!
إنّه إغماضُ العينين، ولكنّه انفتاحُ القلبِ على عالم السّماء، وإنّه سكونُ الجوارحِ والأعضاء، ولكنّه طيرانُ الرّوح إلى فضاءِ الشّهودِ واللّقاء.
أيّها المسلم: لا تنسَ الموتَ فتخلدَ إلى الحياة، ولا تنسَ اللّقاءَ، فيبعدَ قرارُك ويشطَّ مزارُك، وكنْ مع الله دائماً، واعلمْ أنّه ((إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) ، فلا يأتينّكَ الموتُ وأنت عنه لاهٍ وعن الحقوق ساهٍ، وليكنْ إذا ما جاءكَ حبيباً جاء على شوق، فما هي إلا نزعةٌ أو سكرة، حتّى تلحقَ بالرّكب، وما هي إلا طرفةُ عين حتى تكون في جنّاتِ النّعيم بإذنِ ربّ العالمين.
فهذا بلالٌ الحبشيّ رضي الله عنه، يعالجُ سكراتِ الموت، فتندبه زوجه وتقول:
وابأساه.. واحزناه، فيقول لها: بلْ قولي… وافرحاهُ… واطرباه، غداً ألقى الأحبّة، محمّداً وصحبَه.
طاروا على أجنحةِ الشّوق، وفنوا عن العوالم والخلق، وغابوا في الملك الحقّ، فالموتُ عندهم حياة، وسكراتُه جذباتُ عشقٍ من كفِّ الحبيب.
وهذا معاذُ بن جبلٍ رضي الله عنه يقولُ وهو يُغالبُ سكراتِ الموت: أيْ ربّ.. اخنقي خنقاتِك، فوعزّتك وجلالك إنّي أحبّك.
نعم: إنّه الموت، طريقٌ إلى حضرةِ الرّحمن، وما وارداتُه إلا حدواً لقوافلِ العشقِ السّائرةِ إليه.

أيّها المسلم: إذا جاءكَ الموتُ فعلّم قلبَكَ أنْ يقول: ((وعجلت إليك رب لترضى)) .

أيّها المسلم: لا تسلِمْ قلبك للكرى، واهجرْ فراشَ راحتك، وأجبْ داعيَ الإيمان في قلبك، فإنّ لله في كلِّ لحظةٍ هاتفَ صلةٍ لمن أرادَ أن يتّصلَ به سبحانه، وأزحْ عن قلبك ستورَ اللّيل، وقمْ بينَ يدي مولاك متبتّلاً متملّقاً، فما أجمله من مكان، إنّه مكانٌ يطهر فيه القلبُ وتسمو فيه الرّوح في مراقي الدّرجات، وتبتلُّ فيهِ الجوارحِ بندى الحبِّ المتساقط من رحيقِ حضرته سبحانه، وتغتسلُ فيه النّفسُ من السّوء، وتنفلتُ من دائرةِ القطيعة والجفاء، إنّه القيامُ بين يديه، إنّها لساعةٌ هي بالعمر كلّه، ساعةٌ أنت جارُ الحبيب، تخلو به عن أعينِ الرّقباء، تناجيهِ بملكاتِ النّفس الطّاهرة وحضور القلبِ الطّهور، وبجوارحكَ الذّاكرة الشّاكرة، فلا يكون منك في هدوء اللّيل إلا أنين الفؤاد المجروح والكبد القريحة.
(إنّه الأفقُ الوضيءُ الكريم، الأفقُ الذي يكبرُ فيه الإنسانُ لأنّهُ يطامنُ من كبريائه، وترفُّ فيه روحُهُ وضيئةً لأنّها تعنو لله! إنّه الانطلاقُ من قيودِ الذّاتِ ليصبحَ البشرُ أرواحاً من روحِ الله، ليس لها حظٌّ في شيءٍ إلا رضاه) .

 



كُنْ مُسْلِماً (7)
 

غنّت لنا وُرقُ الحجازِ و صبحُ مكّة قد صفا و نسيمُ هديِ الله في جنباتها قد هفهفا و خواطرُ العشّاقِ تسعى بين مروةَ و الصّفا و البدرُ لاح فحين أبصرَ نورَ طلعته اختفى لا تسألوا ماذا جرى ؟ جاء النبيّ المصطفى

فكأنما الأمواهُ في لجّاتها رقراقُ عسجدْ و كأنما الأوراقُ في أغصانها فيضٌ زبرجدْ حين الهواتفُ ردّدتْ قد جاء أحمدْ قرّي بهذا الضيفِ عيناً و انعمي يا أمَّ معبدْ للكون ما يرجوهُ من نعمى و نحن لنا محمّدْ

هذي خيولُ الصبحِ قادمةٌ كأنّ الصّبحَ طارقْ و محمدٌ يجري هواهُ على سلاليمِ الزّنابقْ و فصولُ عشّاقٍ على دُهمٍ من التّقوى سوابقْ حرمٌ شريعتُنا و حبُّ محمدٍ فيه سرادقُ من لم يخالطْ حبُّ طه قلبَهُ و الله فاسقْ

هذي خواتيمُ الشّذا ترتاحُ في بُسطِ الحقولْ و قوافلُ الأزهارِ تستفتي النّدى ماذا تقولْ ؟ قال الندى و لـه من المولى إشاراتُ قَبولْ قولي سلامٌ من سلامٍ إنّه طه الرّسولْ مَن كان أسوتُه النبيَّ محمداً فله الوصولْ

يا سائلاً عنّا تعالَ إليّ أنبئْكَ الخبَرْ إنْ أقفرتْ أرضُ القلوب فنحن حبّاتُ المطرْ أو أظلمتْ سُبلُ الحياةِ فنحنُ في الدّنيا القمرْ منّا أبو بكرٍ و صاحبُه أبو حفصٍ عمرْ و إذا أرادَ اللهُ نحن قضاءُ ربّي و القدرْ

تبّتْ يدا من لم يكنْ منّا و تبّ و ألفُ تبّْ لا مالُه يغنيهِ عن هديِ الإله و لا الذّهبْ كنْ مسلماً و كفاك عند الله هذا من نسبْ و اطلبْ رضا مولاكَ مجتهداً و أجمِلْ بالطّلبْ إنْ لم تكنْ عمراً فلا تكُ في الحياةِ أبا لهبْ

يا سائلاً عنّي تعالَ إليّ أنبئكَ الخبرْ نبأُ الغرامِ أنا و لي في كلّ قلبٍ مستقرّْ بغدادُ عاصمتي و أرض الشامِ حاضرتي و مِصرْ في قلبيَ القرآنُ محمولٌ و في كفّي حجَرْ و أرتّلُ الآياتِ فالصّحراءُ أغصانٌ يدلّيها الثّمرْ

أنا حبّةُ الله التي تعطي ملايينَ السّنابلْ إنْ شئتَ سلْ عنّي تجبْكَ سنابكُ الخيلِ الأصائلْ زيتونُنا يبقى و غرقدُهم و ما زرعوهُ زائلْ لن تهزمُ النّيرانُ إيمانَ القلوبِ و لا السّلاسلْ فهناكَ جندُ الله في الفلّوجةِ الفيحا تقاتلْ

لا تبتئسْ يا خالداً ... في أرض غزّةَ ألفُ خالدْ لن يهدمَ الباغونَ ما تبني و ما بنتِ المساجدْ و الله لن يصلوا و فينا قانتٌ لله ساجدْ في كلّ شبرٍ من ثرانا الحرِّ ينبضُ قلبُ عابدْ إنْ يقضِ منّا واحدٌ ... يتبعْهُ منّا ألفُ واحدْ

من ثورة "الأنبار" من غضب " الرّمادي " من "بلدْ "
من غزّةٍ من قدسنا و من الخليل و من صفدْ من " قندهارَ " و من ربى " كشميرَ " من كلّ بلدْ أنا قادمٌ بمعيّة الرّحمن يا طيب المددْ لا لن أَذلَّ و في فؤادي ( قل هو الله أحدْ )

لن يقتلوا منّا القلوبَ الآيبات التّائباتْ لا لن يذلَّ الماجدون و لن تَذلَّ الماجداتْ ما هان في يدنا الحسامُ الحرُّ أو لانتْ قناةْ نحن اشترينا جنّة اللهِ و بعناه الحياةْ فهنا تسيلُ دماؤنا و هناكَ ( حيّ على الصّلاةْ )

من لم يكنْ منّا فليسَ لـه من الرحمن واقْ نحنُ العراقُ فلا تسلْ يا صاحبي أين العراقْ ؟ بغدادُ ما زالتْ تجوبُ بأرضها الخيلُ العتاقْ خَطوُ المثنّى فوقَ حبّاتِ التّرابِ الحرّ باقْ و نعانقُ الموتَ الكريمَ و طابَ في الله العناقْ

كنْ مسلماً تدركْ بعونِ الله غاياتِ الكمالْ كن في ضمير الكونِ قرآناً و صوتاً من بلالْ أوصلْ حبالَكَ بالإله تعزّ هاتيكَ الحبالْ لا تنسفُ الرّيحُ الجبالَ فكنْ بعزمكَ كالجبالْ و اكتبْ بحبرِ الحبّ و الإيمانِ ديوانَ الرّجالْ

و الله ما المالُ الذي يعلو بصاحبِه و يرفعْ العمرُ ليسّ دراهماً معدودةً تُجبى و تُدفعْ العمرُ أنْ تهبَ الإله الرّوحَ خالصةً و تقنعْ و إذا الذّنوبُ تكاثرتْ فالجأْ إلى الرحمن و افزعْ لا تيأسنّ من الكريمِ فإنّ عفوَ اللهِ أوسعْ
 

******
***

كتبها الغنيّ بمولاه :
أنس إبراهيم الدّغيم
جرجناز/معرّة النعمان/سوريا
eqbal1979@hotmail.com

 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية