اطبع هذه الصفحة


سلـــ ( وعجلت إليك رب لترضى ) ـســلة (5) (سياسة النفس)

عادل بن عبدالعزيز المحلاوي


من ألطف المخلوقات التي خلقها الله عز وجل , وجعل فيها بديع صنعه – النفس البشرية – لأنها جمعت صفات كثيرة , منها ما هو ممدوح , ومنها ما هو مذموم فهي نفس هلوعة قال تعالى (إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً) (المعارج:19) قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لسورة المعارج الآية19:

يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة {إن الإنسان خلق هلوعاً}، ثم فسره بقوله: {إذا مسه الشر جزوعاً} أي إذا مسه الضر فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة الرعب، أبس أن يحصله له بعد ذلك خير {وإذا مسه الخير منوعاً} أي إذا حصلت له نعمة من اللّه بخل بها على غيره، ومنع حق اللّه تعالى فيها. وفي الحديث: {شر ما في الرجُل: شح هالع وجُبن خالع\" (رواه أبو داود).

وهي نفس عجولة قال تعالى (خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ)(الأنبياء: من الآية37)
وهي نفس ظلومة جهولة , قال تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب:72)

وكل هذه صفات مذمومة جٌبلت عليها النفوس , وغُرست فيها هذه الطبائع , وأغلب البشر انساقوا وراء تلك الأخلاق , وطائفة يسيرة منهم هم الذين التفتوا لهذه النفس , وجعلوا يجاهدونها للتخلص من هذه المذمومات , وجاهدوا نفسه على التخفف من تبعاته , وليعلم السالك أن هذه من المجاهدة هي في المقام العلي من أنواع الجهاد , فقد جاء في الحديث \" الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ \" رواه البخاري

والغفلة أو التغافل عن سياسة النفس عجز بيّن , وظلم ظاهر لها , فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : ( العاجز من عجز عن سياسة نفسه . (ولئن كان المرء عاجزاً عن سياسة نفسه عجزه عن سياسة غيره أولى وأحرى

والناس في هذا الباب اثنان لا ثالث لهما – إما غالب للنفس \" وهم القلة \"أو مغلوب عليه \" وهم الكثرة الكاثرة \"

فكن من القلة , فالقلة في الغالب هم المفلحون, ولا تغتر بالكثرة الهالكة , فقد حذرنا الله من سبيلهم فقال (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116)

على أن المرء ينبغي للمرء أن لاييئس من سياسة نفسه , بل يجعل المحاولات متكررة , والجهاد لها دائم , وسيصل إلى كثير من مبتغاه من وراء هذه السياسة , لأن سياسة النفس تحتاج إلى وقت ليس باليسير .قال الشافعي : سياسة الناس أشد من سياسة الدواب

ولعلي أن أضع هنا خطوات يسوس بها المرء نفسه حتى يصل بها إلى كل خلق كريم , ويترفع عن كل خلق دنيء .
فمن ذلك :

1-إحياء المسئولية الفردية في النفس :


يقول الله تعالى في محكم التنزيل (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر:38) ويقول (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) فالمسئولية فردية , ويوم القيامة تُحاسب وحدك , وتُجزى على عملك لوحدك , قال سبحانه (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر:17)

فكلما أُحييت هذه القضية في النفس , وذُكّرت بها أثمرت عندها وجوب الالتفات لهذه القضية , وسعى المرء في سياسة نفسه , لأنه ليس عند المرء أغلى من نفسه فإذا أحسن إليها يكون قد قام بأعظم أنواع الإحسان , وإذا أساء فلا أعظم من هذه إساءة .

2 - النظرة الصحيحة للحقائق :


كم اهلك كثير من الناس عدم فهم الحقائق ,تلبسة عليهم كثيراً من الحقائق .
وبنظرة ثاقبة للنفس الشريفة , يرى عندها الجاد الأمور على حقائقها .
قارن بين الدنيا والآخرة , وكم تلك باقية وهذه فانية ,
قارن بين الطاعة والمعصية , فكم أعزت الأولى أقواماً وذلت الثانية آخرون ,
قارن بين الثناء والذم فكم حصّل الصالحون من ثناء من الله ومن خلقه وكم ذُم الآخرون .
في سلسلة كبيرة من المقارنات ما لو فعلها المرء لحمله هذا رؤية الأشياء كما هي وقام على سياسة نفسه والسعي في إصلاحها لعلمه بحاجتها لهذا .
و أن وراء كل نزوة أو شهوة ذل ومهانة , وأن وراء كل مجاهدة عز منيف .

3 - سلوك سبيل التدرج مع النفس وسوقها برفق :


من رام إصلاح نفسه جملة واحدة , وحاول سياستها سياسة عامة أعياها هذا الأمر , ووصل إلى حد اليأس معها , لأن \" النفس شرود , ومن طبيعتها حب التفلت \" فالواجب عليه أن يأخذها بالتدرج , ويحملها على النافع المفيد تدريجياً , وخطوة خطوة حتى يصل بها إلى ما يريد , ولعل من أبين الأدلة الدالة على هذا الأصل , قضية تحريم الخمر , فقد نزل تحريمها تدريجيا , واستغرق فترة من الزمن .

فمن اعتادت نفسه على سلوكيات وأخلاقيات ثم حاول ردها على الصالح احتاج إلى وقت ليس باليسير .
والسير بمنهج التدرج مشجع لها على المزيد في التقدم والإصلاح , لأن من رأى تغييراً ايجابياً تاقت نفسه وتشجعت لتغير سلوك آخر حتى يصل إلى مايصبوا إليه ,أما إن رغب في التغير جملة واحدة أعياه ذلك , أصابه اليأس والقنوط .

4 - الجدية في هذا الباب :


لا يعني القول بالتدرج أن يسلك المرء طريق الخمول والتكاسل في سياسة النفس وتغييرها إلى الخير أو يسوّف في الإصلاح , بل عليه أن يسوسها تدريجا بقوة البطل الشجاع الذي وضع نصب عينيه تغيير السلوك الفلاني , فإذا ما انتهى منه انتقل إلى غيره وهكذا ,ولقد أثنى الله على الأقوياء في أمتنا والأمم السابقة , فهاهو الأمر يأتي موسى عليه السلام بأخذ الأوامر بقوة , كما في قوله تعالى : (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) (لأعراف:145) وبمثله يُؤمر يحيى عليه السلام كما في قوله تعالى \")يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً) (مريم:12) وفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم \" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ..\"

فالجدية شعار الصادقين , الطامعين في الكمال , أما من دونهم فمُحال عليهم بلوغ منازل الأبطال .

5-مصاحبة من نجحوا في هذا الجانب , وقراءة سير السابقين :


المرء شديد التأثر بغيره , عظيم التقليد له , فهذا من الطبيعة والجبلة , فكلما رأى نماذج ناجحة في أي باب من الأبواب تاقت نفسه لان يكون مثلهم , فعلى من أراد تغيير نفسه وسياستها أن ينظر إلى من نجحوا وغيروا من أنفسهم ولا بأس بسؤالهم عن الطرق التي سلكوها فربما نفعت مع الغير, وكانت طبيعتهم كطبيعته وظروفهم كظرفه فاستفاد منهم , وقلدهم في هذا التغير فهذا من التقليد المحمود .

ومن النافع في هذا الباب أيضاً النظر في سير السابقين , الذين ضربوا أروع الأمثلة في سياسة النفس , وساقوها إلى الله تبارك وتعالى سوقاً صحيحاً

-6- عدم الغفلة عن إعطائها شيئا من المباحات :


جاء في حديث حارثة كما عند مسلم \" ساعة وساعة\"
-\" والنفس تمل كما تمل الأبدان , فكان لزاما على المرء أن يروح عنها , حتى تطاوعه فيما أراد من الجد , ونحن في زمن كثرت فيه الملهيات والصوارف عن الطاعة , وكثر فيه المثبطون , فعلى المرء أن يروح عن نفسه بشئ من المباح حتى يستطيع السير في هذا الطريق , وحتى لا تمل نفسه , ولكن لا يتجاوز إلى الحرام , أو يكون طاغياً على حياة المرء , كما يفهم البعض , بل المقصود عدم إملال النفس , وإعطائها شيئا من المباح حتى تستطيع السير .

7-الاستعانة بالله، وسؤاله زكاة النفس.


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا،أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا) رواه مسلم، وقال في تعليمه للحصين بن معبد الخزاعي : (قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي) رواهالترمذي.

فلا تركن إلى نفسك بل كن دائم الصلة بمولاك , كثير السؤال له وكما قال الأول:

إذا لم يكن عون من اللّه للفتى * * فأوّل ما يجني عليه اجتهاده*

 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية