اطبع هذه الصفحة


بعد الإستقامة : ثبات أم انتكاسة

حسن صالح الخالدي


بسم الله الرحمن الرحيم


تأملات في آيات :

يقول الله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{112} وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ{113} وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ{114} وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{115} فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ{116} وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ{117} وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ{119} وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ{120} وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ{121} وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ{122} وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{123}) سورة هود

1- قول الله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته التابعين له بالإستقامة ، والأمر للوجوب ، فالإستقامة واجبة بنص القرآن ، وفي حديث سفيان بن عبد الله رضي الله عنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك ؟ قال له : ( قل : آمنت بالله ثم استقم )

2- قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ) ذكرت الآية سبب من أعظم أسباب ترك الاستقامة أو من أعظم أسباب انتكاسة المستقيمين وهو الركون إلى الذين ظلموا أي الميل إلى الرفقة السيئة ومصاحبتهم وموافقتهم على ما هم عليه والرضى بفعلهم والنتيجة : أنه يتخذهم أولياء من دون الله فينتكس أو لا يستقيم أصلا ، وهم لن ينفعوه وينصروه بشيء

3- قوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ) ذكرت الآية الكريمة سبب من أعظم أسباب الثبات على الإستقامة على دين الله وهو إقامة الصلوات المفروضة كاملة ، بمعنى : أداؤها في أوقاتها بخشوع وخضوع وتدبر لله رب العالمين ، وليس المقصود تأديتها بحركات القيام والقعود والركوع والسجود دون وجود الروح فيها والخشوع والخضوع ، فإذا أقيمت الصلاة كما أمر الله تكون ناهية عن الفحشاء والمنكر وحينئذ تكون من أعظم أسباب الثبات على الاستقامة (أتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ{45} ) سورة العنكبوت

4- قوله تعالى (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) وهذا سبب عظيم آخر للثبات على الإستقامة وهو الصبر على طاعة الله ، فليس طريق الاستقامة ودخول الجنة هدية مقدمة على طبق من ذهب بل هو طريق محفوف بالمكاره والعقبات والأشواك وفي الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ( حفت الجنة بالمكاره ... ) فلا بد من الصبر على طاعة الله والصبر على ما سيلاقي في الشارع من الناس والصبر على الأصدقاء مع الفرار من صديق السوء والصبر على زملاء العمل والصبر عن النظر الحرام والسماع المحرم فهي بوابات للإنتكاسة فمن صبر ظفر ، وما هي إلا فترة من الزمن حتى يعوضه الله على مرارة الصبر بحلاوة طعم الاستقامة والثبات عليها ، وكذلك بيأس الرفقة السيئة أن ينالوا منه ، وأيضا الشعور الداخلي بكراهية المعصية وحب الطاعة وهي نعمة عظيمة جدا ويا سعادة من وجدها في حياته

5- قوله تعالى (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ ) وهذا سبب عظيم أيضا من أعظم أسباب الثبات على الاستقامة وهو الدعوة إلى الله تعالى ، الدعوة إلى الدين الحق ، الدعوة إلى المنهج السليم الواضح ، الدعوة إلى السنة الصحيحة ، فمن استقام في نفسه ثم دعى قومه إلى الخير بأي وسيلة تيسرت له ( وما أكثرها ) فليعلم أنه بَعُد من الشيطان ورفقاء السوء وهيهات لهم أن ينالوا منه مادام مخلصا مع الله

6- قوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) تأكيد أن الدعوة إلى الله وبذل الجهد في أن يصلح الإنسان نفسه ويجتهد في إصلاح بيته وأهله وعشيرته وبذل الجهد في إصلاح ما استطاع من أحوال الناس : أن كل ذلك من أعظم أسباب الثبات على الإستقامة ، وليتأكد أنه هو أول الناجين من الهلاك الدنيوي ، وأما أجر الآخرة فهو أعظم للمستقيمين (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ{30} نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ{31} نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ )

7- قوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ{118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) وعيد شديد ينتظر من لم يستقم على شرع الله فالحذر الحذر ، وهو سبب عظيم من أسباب الثبات على الإستقامة على شرع الله وهو أن الإنسان يخاف من المصير المحتوم ومن الجزاء بعد الموت ومن النار فلذا تراه محافظا على استقامته إلى الممات

8- قوله تعالى (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) وهنا سبب من أسباب الثبات على الاستقامة على شرع الله وهو قراءة قصص الأنبياء والمرسلين وهم أعظم المستقيمين على شرع الله وكيف ثبتوا ؟ وكيف صبروا على ما لاقوا من أذى واستهزاء وسخرية حتى لقوا ربهم فليثبت المستقيمون كما ثبت الرسل

9- قوله تعالى (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ{121} وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ{122} وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ختم الآيات الكريمة بالأمر بالعبادة والتوكل على الله ، وهو تأكيد على وجوب الإستقامة والإعتماد على الله ودعائه بالثبات على الاستقامة ، وهو من أعظم أسباب الثبات عليها ، وقد كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك )

ويتلخص لنا مما سبق ما يلي :

1- وجوب الإستقامة على دين الله
2- من أعظم أسباب ترك الإستقامة أو الانتكاسة : ( الرفقة السيئة ) وتأمل كيف بدأ الله به في الأسباب ، وكيف ذكره هو وحده لعظم مصيبته وتأثيره الشديد
3- أسباب الثبات على الإستقامة :
• إقامة الصلاة بخشوع وخضوع وحضور قلب
• الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصية الله ، والصبر على مشقة طريق الإستقامة
• الدعوة إلى الله تعالى
• الخوف من الموت وما بعده ، ومن القيامة وأهوالها ، ومن النار وجحيمها ، وهذه تدفع الإنسان إلى الثبات على الإستقامة
• دعاء الله تعالى كثيرا بالثبات على الإستقامة
• قراءة قصص الأنبياء والمرسلين وهم أعظم المستقيمين على شريعة الله وليكونوا قدوة للمستقيمين في الثبات حتى الممات 0
والله أعلى وأعلم

 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية