اطبع هذه الصفحة


أبا مسلمٍ: والله إني محتاجٌ إليك, فسامحني, واعفُ عني!

أبو همام السعدي


بسم الله الرحمن الرحيم


حينَ نخطئُ؛ فلا يدري صاحبُ الخطأ سوءَ عاقبته, وهو إذ يجهلُ حال المعتدَى عليه، فإن المخطئ يظنُّ ويقول أحد هذه الظنونات:
* مؤكدٌ سيعفو عني...
* مؤكدٌ أن نسيها....
* مؤكدٌ أنه رأى تبدليها بحسنةٍ جازيتُهُ بها...
وإلى نهايةِ مطافِ الظنونات والأوهام...التي تجلتبها النفوسِ الكَدِرة..وتجتلبها الشياطين النتِنة..فلا ندري..وما يدري..ولكنَّ الله يدري!

*
رجلٌ من أهلِ الصلاحِ والتقوى –نحسبُهُ والله حسيـبُهُ- يكنى بـ(أبي صالح) لا يحدُّ الفضلُ إلا به, ولا يُعرفُ وسمُهُ إلاَّ منه، ذاك أنَّ الفضائل والمكارمَ طلبتْه، وأن الرذائل والمساوئ نأتْ عنه!
ولكن..
توفي هذا الرجل! نعم توفي وصلى عليه أصدقاءهُ وأقاربُهُ, ثم دفنوه في مقابر المسلمين, وودَّعوه وودَعوه, ثم رأيتُ أن الألسنةِ لا تقول غير المدحِ والثناء, والذكرَ الطيَّب والرثاء على هذا الرجل الصالح (أبي صالح), وهذا من علاماتِ "حسنِ الخاتمة": أن يثني المسلمون على ميتهم خيرًا...

أخٌ كان لي نعم المعين على التُّقى *** به تنجلي عني الهموم وتذهب
إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا *** وفي كل يومٍ واعظ الموت يندُب
ولله كم غادٍ حبيبٍ ورائحٍ *** نُشيِّعه للقبر والدمعُ يُسكب
أخٍ أو حميمٍ أو تقيٍ مُهذَّبٍ *** يواصل في نصح العباد ويدأب
نُهيل عليه التراب حتى كأنَّه *** عدوٌ وفي الأحشاء نارٌ تَلَهب
سقى جدثاً وارى ابنَ أحمد وابلٌ *** من العفو رجَّاسُ العشيَّات صيّب
وأنزله الغفران والفوز والرضى *** يُطاف عليه بالرحيق ويَشرب
فقد كان في صدر المجالس بهجةً *** به تُحدق الأبصار والقلب يرهب
فَطَوراً تراه مُنذراً ومُحذّراً *** عواقب ما تجني الذنوب وتجلب
وطَوراً بآلاء الإله مُذكراً *** وطَوراً إلى دار النعيم يُرَغّب
ولم يشتغل عن ذا ببيعٍ ولا شِرا *** نعم في ابتناء المجد للبذل يطرَب
فلو كان يُفدى بالنفوس وما غلا *** لطبنا نفوساً بالذي كان يَطلب
ولكن إذا تم المدى نفذ القضا *** وما لامرئٍ عمَّا قضى الله مهرب

* ثم بعدَ وفاتِهِ جاء (أبو محمد) إلى صديقٍ له يدعى (أبا مسلم), فقال أبو محمد: يا أبا مسلمٍ قد رأيتُ منذُ الليلةِ عجبًا؟! فما هذا الذي رأيت؟
أجابه أبو مسلمٍ –وكانَ صاحب دينٍ وتقوى-: هوِّن عليكَ يا أخي, واقصص عليَّ هذا الذي رأيت! لعلي أحسِن الذي ارتأيت..
فأطرق أبو محمدٍ رأسه مليًا وقال: يا أبا مسلم أتذكر صاحبنا الذي ودَّعناه؟ الرجل الصالح المكنيُّ بـ(أبي صالح
قال له: بلى؛ أذكره ولا أنساه، فنعمَ الصاحبُ والخلِّ كان هو, فعلاَّمك؟
قال أبو محمدٍ: أيْ أخيَّ, رأيتُ في منامي هذا أبا صالحٍ وكانتْ له إطراقـةٌ وطلاقـة! جاءني وكأنَّ البليةَ ألبسَتْه بلاياها! وكأنَّ الرزية أعارته إياها!

من ذا يعيرك عينه تبكي بها *** أرأيت عيناً للبكاء تعار؟

جاءني أبو صالحٍ وقال لي: يا أبا محمد! يا أبا محمد!
فقلتُ له: اسكنْ يا أبا صالح! فوالله قد طال عنا فراقك, ولا ندري أين موضعكَ؟
فقال أبو صالح: يا أبا محمدٍ ؛ عليَّ أمانةٌ أستحلفكَ الله إلاَّ رددتها، فما لي سواكَ كفيلاً, وما ظنِّي فيكَ ضنينًا!

بكت عيني وحق لها بكاها *** وما يغني البكاء ولا العويل

أجابه أبو محمد: لا باركَ الله فيَّ إن رددت عليكَ طلبًا, أو قصرتُ عن أمركَ مطلبًا!
فقال أبو صالح –وهو منتكس الرأس-: يا أبا محمَّد! يا أبا محمد! اذهب إلى أبي مسلم! اذهب إلى أبي مسلم!

* قل له: والله إني محتاجٌ إليك, فسامحني, واعفُ عني!
* قل له: لكَ عليَّ حقٌ, والله ما تُركت منذ متِّ إلاَّ وأديتُهُ!
* قل له: أتذكرُ "صفعةً على خدك" أوديتُكَها قبل ثمانيةَ عشر عاما!! أتذكرُ إذ آذيتك وغضبتَ مني!
* قل له: أقسمتُ عليكَ إلا عفوت, وإلاكَ هويت!
 

ثم انتهتْ رؤياي هذه! فما لك وله يا أبا مسلم!
فقال أبو مسلمٍ –وقد أشهقَ البصر وأطال النظر-: صدقَ أبو صالح؛ صدق أبو صالح؛ والله قد كانَ ذاك, فوالله ما نسيتها ولا حين مات! أرجو اللـه أن يغفرَ لي وله ويعفو عني وعنه! قد سامحتكَ يا أبا صالح، فهل تَسْتَسْمحني العذرْ إذ لم أسامح!

توقفْ واعتبـر!

- أتظنَّ يا عبدَ الله أن الحقوق لن تُحقَّ أو تُستحقّ؟ أغفِلتْ أن الذمَّة إن أشغلتها بعبدٍ من عبادِ الله لم ينفعك صلاحك ولا تقاكَ إلاَّ بإبرائها؟ أنسيتَ ما قاله خيرُ البريةِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».
- فاحذرْ, واتَّق: أن تظلمَ عبدًا من عبادِ الله, فإذا ظلمتَه فبادر في تخليتها بإزالتها، فإذا خليتَها فثابر إلى تحليَتها بأحسنَ منها, ولا خيرَ في عبدٍ أصلح ما بينه وبين الله وخلَّى ما بينه وبين الناس, وطوبى لعبدٍ أصلح ما بينه وبين الله وبين الناس, فإن "منْ أصلحَ ما بينـه وبينَ اللهِ ؛ أصلحَ الله ما بينَـهُ وبيْنَ النَّاس ، ومن أصلحَ أمرَ آخرتِهِ ؛ أصلحَ اللهُ له أمرَ دنيـاه ، ومن كـانَ له من نفسِهِ واعـظٌ ؛ كانَ عليهِ من اللـه حافظ".
قال الإمام ابن رجبٍ الحنبلي رحمه الله: (وَكَثِيرًا -مَا يَغْلِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَنِي بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ وَطَاعَتِهِ-: إهْمَالُ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ التَّقْصِيرُ فِيهَا؛ وَالْجَمْعُ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ عَزِيزٌ جِدًّا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ إلَّا الْكُمَّلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ) اهـ.
-ألا تعجبْ يا عبدَ الله من هذا الحديث العظيم , الذي يذرفُ دموع العين , ويدمي جروح القلب (سُبْحَانَ اللَّهِ! سُبْحَانَ اللَّهِ! مَاذَا نَزَلَ مِنْ التَّشْدِيدِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ)! هذا هو الدين, لا أذيةَ فيه للغيرِ, فهو مع ذلك من أعظمِ الحقوق! فما ترى إذا كثرتْ عليكَ الذمم!

يا كثير الرقاد والغفلات كثرة النوم تورث الحسرات
إن في القبر إذ نزلت إليه لرقاداً يطول بعد الممات
أأمنت الثبات من ملك الموت أم أنادي منادٍ بالبينات

* فوصيتي لكِ يا نفسي ولكم أنتم أخلاَّئي:

* أبرءوا ذممَ العبادِ وقَضُّوها, ولا تتكئوا على طولِ الزمانِ, فالأجلُ قريب, والنسيان عزيز!
* أحبَّ الناسَ , وأحببهم إليك , فإن حبهم لك ممَّا يُرتجى به الاستسماح منك عندَ موتك!
* حاسبْ نفسكَ وأخلاقكَ ومعاملتك, فإن رأيتها حسنةً فزدها إحسانًا, وإن رأيتها غير ذلكَ فكبِّر لوفاتكَ عشرًا !
* لا تجعلَ عزَّتكَ وسيلةً لفوزكَ, ولا سببًا لرضاءِ ربِّ العزةِ عنك, فهذا نبيُّكم محمدٌ صلى الله عليه وسلم يقول: (وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِى بِمَظْلَمَةٍ فِى دَمٍ وَلاَ مَالٍ)!! فمن المعتبر, ومن المدَّكر؟
* أتدرونَ من المفلس؟ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْحَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ....
* اعلمْ أنَّ الله قد أسقطَ حقَّه في حقِّ من تاب وإن لم يتبْ إن شاء, ولكن الله لم يُسقطه عن حقِّ العبادِ: في العمدِ أو الخطأ, في الصغر أو الكبر, في الذاكر أو الناسي, كل هذا ليعْلِم عباده: أنْ هؤلاءِ خلصائي؛ فمن آذهم فقد أذى الله, ومن أخطأ في حقهم فقد أغضبَ الله, فالويل –شرُّ الويل- لمن تمادى وعصى!

عد إلى الله بقلبٍ خاشع
وادعه ليلاً بطرفٍ دامع
يتولاك بعفوٍ واسع
 

* أن كن لخلِّك ورفيقك كما امتثله منصور بن محمد الكريزي :

أغمض عيني عن صديقي كأنني *** لديه بما يأتي من القبح جاهل
وما بي جهل غير أن خليقتي *** تطيق احتمال الكره فيما أحاول
متى ما يريني مفصل فقطعته *** بقيت، ومالي في نهوضي مفاصل
ولكن أداريه وإن صح شدني *** فإن هو أعيا كان فيه تحامل
 

واللـه يتولَّى المسلمين...

 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية