اطبع هذه الصفحة


في محراب الربانية
-2-
المعية الربانية.. وكيف واجهت البحر والعدو

نبيل جلهوم


بسم الله الرحمن الرحيم


كلا إن معي ربي سيهدين..
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام
البحر أمامه
العدوُّ خلفه
رُغم ذلك لا مجال عنده لليأس أو الانهزام
ولا وقت عنده للانتظار أو وضع اليدِ على الخدِّ
بل المجال مجال التحرك والانطلاق بخطوات ربَّانيَّة
فيستحضر اليقين في ربه
يستلهِمُ الثقة من وجود ربه
رُغم أن المشهد مُعتمٌ ومخيف
أول المشهد بحرٌ راعب
وثاني المشهد عدوٌّ من الخلف مُتجهِّزٌ
ورُغم ذلك يتحرك بخطى ربَّانيَّة
خُطى الواثق من ربه
يحارب اليأسَ، ويتحلَّى بالأمل
يَتفاءَلُ، ثم يتحرك، ثم يتحدى بتحدٍّ كبير
بكلماته الربَّانيَّة: كلا إن معي ربي سيهدين
يُزلزِلُ بها عروش اليأس والتردد في نفسه
فيعطي الدروس
نعم، يعطي الدروس على مرِّ التاريخ
يعطي الدرس الأول تحت عنوان:
لا يأس بل أمل
يعطي الدرس الثاني تحت عنوان:
طالما أن الله موجود؛ إذاً لا خوف بل طمأنينة
يعطي الدرس الثالث تحت عنوان:
بدأنا مع الله، إذاً لا رجوع، بل استكمال للمسيرة الربانية مع الله
فما أن لبثت الأمور قليلاً من الوقت، إلا وقد ظهرت النتائج الربَّانيَّة العظيمة
ظهرت كنتائج طبيعية ربَّانيَّة لمقدمات ربَّانيَّة قد مهّد بها ولها
فيأتي ذلك اليقين، وتلك الثقة، وذلك الأمل
فيلتقون جميعاً كلقاء الأحبة المتلهِّفين المشتاقين
المتلهِّفين بعد ابتعاد وضباب، والمشتاقين بعد طول غياب
لقاء يجمع اليقين مع الأمل، مع الطموح، مع الثقة
كله متوَّج بلقاء أعظم، وغطاء أجلَّ، وهو المعية الربَّانيَّة
الكل يجتمع في مَعين نوراني رباني واحد
تخرج ثماره في صيحة واثقة قاطعة شافية
صيحة الواثق من ربه
صيحة المتأمل في ربه
صيحة الموقن في ربه
صيحة من أحسن الظن في ربه
صيحة: كلا إن معي ربى سيهدين..
ذلكم هو النبي موسى
وذلكم أنا، وذلكم أنتم
فقد تتكالب علينا الأمور في حياتنا
تنزل المحنة بعد الأخرى، تكسر العظام، وتهشم الرأس
تُوقِف الأحوال، تزيد الهم، تجلب الحزن، تُعتِّم المشهد
خطوب من هنا، ومتاعب من هناك
أمراض من فوقنا، وأخرى من تحتنا
أعداء من أمامنا، وآخرون من خلفنا
حتى لتكاد تظهر كل المعطيات أمامك وكأن النجاة قد باتت مستحيلة
توحي إليك بأن الغرق آتٍ لا محالة
توحي إليك بأنه لا مجال إلا لليأس والقنوط
فلا فائدة تُرجى، ولا أمل سيتحقق
فالبلاء منذ زمن قديم قد طال زمانه
والطرق مقفَلةٌ، مغلقة في الوجه لا محالة
والضمائر قد بيعت، وإنَّا لله وإنا إليه سبحانه راجعون
والأنفس قد خربت، وصارت باهتة خاوية
خاوية من القيم والمُثل
خاوية من الأخلاق والفضيلة
خاوية خالية من كل ما ينتسب إلى الإنسانية برابط
فذاك يؤذي هذا عمداً وتغيُّظاً، وكيداً ونكايةً، وحقداً وحسداً
وفلانٌ يشكوك لمديرك؛ ليشوِّه سمعتك وسيرتك، ويعطّل حافزك ورُقيّك كي يركب هو سُلَّم الترقي والحوافز على أكتاف ليست أكتافه
أخلاق قد ضُيِّعَتْ
قيم قد تلاشت
مشاهد كلها تبعث على القهر وتؤلم النفس
فيأتي الدور الإبليسي هنا؛ ليكمل المشهد سوءاً وسواداً، وبُؤساً واشمئزازاً
فيوحي إليك إبليس وجنوده بأنه لا داعي من المُضي قُدُماً نحو أي خير
يوحي إليك بأنه قد فات الأوان لكي تُصلِحَ ما أفسده الناس والزمان
يوحي إليك بأنْ كن أنت مع نفسك وحدك
ولا داعي من النظر مرة أخرى إلى نفسك
أو قد يوحي إليك بأنه قد فات زمان نفسك
يوحي إليك بأنه لا داعي من نظرة متفحصة إلى ربك
بحجة أنك كاملٌ في عبادتك، ربانيٌّ لا شيء يعيب عبادتَك
وأن عباداتك على ما يرام، وكأنها قد صارت عند الله مقبولة
أو أنك قد حجزت بها مقعداً في الجنة
أو بحجة أنه قد قَرُبَ موعدُ رحيلك عن الدنيا وموتك
أو أن الطريق قد صار مسدوداً بينك وبين الناس للأبد
هكذا تتوالى عليك الإيحاءات الإبليسية، والإشارات الشيطانية
فتزيدك سوءاً على سوء
فهي بلاء آخر من نوع آخر
بلاء من نوع أصعب، وذو طبيعة أكثر اسوداداً
لأنه بلاء من وحي إبليسي ومن جنده
جنده من البشر قبل جنده من الجن
يريد إبليس وجنده بتلك الإيحاءات أن يُخسروك
يريدون بها أن يُقعدوك
يريدون بها عن الدنيا أن يعزلوك
يريدون بها أن يحبطوك
يريدون لمتاعك وملذاتك أن يُفقدوك
يريدون من فرحة الدنيا وملذاتها أن يحرموك
بالإجمال لا يريدونك في الدنيا بأكملها، بل يعملون فيها بالممحاة جاهدين أن يمحوك
فهل يا عبدَ الله يليق بك ويصح لك أن تستسلم لإبليس وجنده من الجن والإنس
هل يصح أن تُسلِّم لهم الراية، وترفعها منهزماً، وتعلن يأسك، وبعدك عن ربك؟
ألم يكن كيد الشيطان والإنسان ضعيفاً أمام الله القوي المهيمن؟
ألا يوجد رب متين تستقوي به على إبليس وجنده من الجن والإنس، كما استقوى موسى بربه أمام البحر والعدو؟
أمَا آن أوانك؟
أما آن أوانك كي ترفع رأسك، وتحطم يأسك؟
أما آن أوانك كي تمسك مصحفك وتخلو بربك؟
أما آن أوانك كي تتحلى بالأمل في ربك؟
أما آن أوانك كي تُحاسب نفسك؟
كيف أنت؟
كيف أنت مع نفسك؟
هل فكّرت في إعادة هيكلة نفسك بما يشعرك برضا ويرضى ربك؟
كيف أنت مع ربك؟
هل فكّرت دوماً في إعادة هيكلة علاقتك به وبما يشعرك برضا ربك؟
كيف أنت مع نبيك وقدوتك؟
كيف أنت مع سائر مجتمعك؟
كيف أنت مع القرآن؟
كيف أنت مع الذكر الكثير والأذكار؟
كيف أنت مع منظومة الأخلاق الدميمة من حقد وعين وحسد وكل إيذاء؟
هل أنت ممن يجيدون هذه المنظومة السوداء الدميمة؟
كيف أنت مع قيمة الاعتذار وفقه الاعتذار إذا أخطأت في حق غيرك؟
كيف أنت مع الكبر والغرور والتعالي والشعور بأنك فوق ودونك في الأسفل؟
كيف أنتَ مع زوجتك التي اخترتها وأحببتها دون النساء؟
كيف أنتِ مع زوجك الذي اخترتيه وأحببتيه دون الرجال؟
كيف أنت مع والديك؟
كيف أنت مع وظيفتك ودائرة عملك؟
كيف أنت مع عمّالك ومخدوميك؟
كيف أنت مع أساتذتك؟
كيف أنت مع تلامذتك؟
كيف أنت مع من لهم عليك فضل صَغُر أو كبُر؟
كيف أنت مع العِشرة والقرابة.. وسائر معاني الإنسانية؟
كيف أنت وكيف أنت وكيف أنت؟
أما آن أوانك؟
أما آن أوانك كي تصلح ما أفسده الناس عليك؟
أما آن أوانك كي تصلح ما أفسده الزمان عليك؟
سيدي، فلتكن موسى, وتحلَّ بالظن الحسن في الله
انهض من ركود، وتقرَّب إلى المعبود
استمر!!
استمر ولا تُوقِفْ مسيرتك نحو العطاء؛ ففي العطاء لذة لا يشعر بها إلا صاحبها.
انوِ الخيرَ دائماً حتى لو لم تستطع إنجازه, فأجرك مكتوب عند ربك
أعطِ لا تؤجل ولا تبخل..
فالموت قادم لا محالة، والدنيا صغيرة وقصيرة وحقيرة.
أعط, لا تؤجل، ولا تبخل من علمك ونُصحك على من يستحق
أعط, لا تؤجل ولا تبخل أن تكون أنت كما كنت من قبل أنت
أعط، وكن في عطائك إماماً للمُعطين، وقدوة للذاكرين
أعط، فالسعادة لحظات تشبه المعلبات ذات الصلاحية إذا انتهى زمانها ماتت وانتهت وما عادت ذات فائدة
أعطِ، قبل أن يأتي يوم قد لا تستطيع أن تُعطي فيه, ويوم لا ينفع الندم على حجبك العطاء
أعط، وكن كموسى
واجمع عليك نفسك وعقلك وإيمانك
لا تجعل الشيطان لك قريناً؛ فبئس القرين
لَمْلِمْ جراحَك
وبدِّد أحزانك
وحارب إبليس وأصدقاءَه وأتباعه..
استجلب بكل وسيلة معيَّة ربِّك..
وردِّدْ بقوة المؤمن وإيمان القوي..
ردِّدْ بثقة الموقن ويقين الواثق..
ردِّدْ بأمل المؤمن وإيمان المتأمل..
وأعلِنْها عاليةً مُدوية قوية..
كلا إن معي ربي سيهدين
وصلِّ اللهم على نبينا محمد، معلم الخير للناس أجمعين.


 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية