اطبع هذه الصفحة


العلم بآيات الله (الكسوف والخسوف مثلاً) قبل وقوعها لا يمنع الاتعاظ بها

مصعب بن خالد المرزوقي


بسم الله الرحمن الرحيم
 


الكسوف والخسوف للشمس والقمر آيتان من آيات الله الكونية؛ "يخوف بها من يشاء من عباده" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري رحمه الله من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
فهي آية على قدرته سبحانه وملكه لهذا الكون الفسيح؛ فلا يقع شيء إلا بعلمه وإذنه، ولن يخرج أمر عن قدرته، وآياته موطن للتأمل والاتعاظ.

وعندما يغرق المرء في تفاصيل هذه الآية العظيمة باعتبارها ظاهرة لها أسباب مادية أو علمية، دون تعقل واستشعار لتوحيد الله وأسمائه وصفاته، وأنهما قد يقعان بسبب ذنوب بني آدام: فإنه سيميل عن المقصد الأعظم لهذه البينة الظاهرة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٨) :
(قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة"، وفي رواية في الصحيح "ولكنهما آيتان من آيات الله يخوّف بهما عباده":
هو بيان منه صلى الله عليه وسلم أنهما سبب لنزول عذاب بالناس، فإن الله إنما يخوّف عباده بما يخافونه إذا عصوه وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم، فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفاً، قال تعالى: "وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً"، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يزيل الخوف، أمر بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق حتى يكشف ما بالناس، وصلى بالمسلمين في الكسوف صلاة طويلة).

ولا يعارض كونها آية للتخويف أو الاعتبار: أن يصل المخلوق إلى وقت حدوثها وأين ..، وغير ذلك من التفاصيل؛ فالجهة منفكة.
الآية تقع؛ علامة لغيرها ودلالة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح للحديث (فتح الباري ٢/ ٢٥٨) :
(قوله صلى الله عليه وسلم "آيتان":
أي علامتان من آيات الله أي الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: "وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً".
وقوله صلى الله عليه وسلم "يخوّف":
فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر، وقد رد ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي.
قال الرواي عن النبي صلى الله عليه وسلم "فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة":
قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى؛ فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذُكر من أنواع الطاعة يُرجى أن يُدفع به ما يُخشى من أثر ذلك الكسوف).

وقال رحمه الله (السابق ٢/ ٥٣٧) :
(قال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله "يخوّف الله بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض.
وإذا ثبت ذلك؛ فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء: إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس الأمر، لا ينافي كون ذلك مخوّفاً لعباد الله تعالى).

وعندما ننظر لقصة قوم ثمود حينما قال لهم نبيهم صالح عليه السلام: "يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جئتكم ببينة من ربكم هذه الناقة لكم (آية) فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم"،
نجد أن نبي الله قد دعاهم للتوحيد، وأتاهم ببينة: وهي الناقة المخلوقة لهم آية على دعوته، وأخبرهم بما يترتب عليه من عذابهم وهلاكهم إذا لم يسلّموا لهذه الآية، وهذا ما حدث.
ووجه الاستدلال: أن آية الله سبحانه لا يلزم من حدوثها البغتة والفجأة، بل قد تكون ظاهرة ويُخبر بها، فلا بد من الإيمان، وإلا فإن مؤاخذة من لم يلتفت للواضحات أشد من مؤاخذة غيره.

ولا يترتب على صدق خبر أهل الحساب بالخسوف والكسوف أمر شرعي ولا إقامة عبادة، لكن يعتبر خبرهم، ويسارع المرء للاستعداد للعمل والعبادة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله (مجموع الفتاوى ٢٤/ ٢٥٧) :
(إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون.
ومع هذا، فلا يترتب على خبرهم علم شرعي؛ فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شاهدنا ذلك، وإذا جوّز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه، فنوى أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك، كان هذا حثاً من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته؛ فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين، وقد تواترت بها السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها أهل الصحيح والسنن والمسانيد من وجوه كثيرة، واستفاض عنه أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف يوم مات ابنه إبراهيم).

أمر آخر:
نجد أن من آيات الله ما يظهر مرة بعد أخرى: كالكسوف والخسوف، ومنها ما هو ثابت: كالسماء والأرض، ومنها الدائم: كالشمس والقمر، وقد قال الله تعالى: "وكم من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون"، فـ"ـكم من": تشير إلى تعدد هذه الآيات، وقد ذم الله من يمر معرضاً عن آياته، وما أكثرها، وما أكثر إعراضنا.

وفي سورة النحل نجد أن الله قد ذكر ما خلق من نبات وزرع وثمر وما في الأرض وما نزّل من ماء السماء وعسل النحل..، ثم قال بعده: "إن في ذلك لآية .."، وأتى بصفات امتدحها، وذلك لمن نظر لهذه الآيات كما أمره ربه.

والمقصود هنا: أن ننظر إلى آيات الله الكونية نظر تفكر واعتبار، ونستشعر الإيمان بتوحيد الله سبحانه، ونراجع أنفسنا ونحاسبها، وهي عبادة جليلة، والإعراض عنها مذموم، ويؤاخذ عليه العبد.

والله المستعان ،،
 

مصعب بن خالد المرزوقي
١٣ ذو القعدة ١٤٣٨

 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية