اطبع هذه الصفحة


كيف تقوي يقينك بالله عز وجل

د.أنس محمد الغنام


بسم الله الرحمن الرحيم
 


تعريف اليقين
    " اليقين في اللغة هو العلم الذي لا شك معه. وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء أنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، وهو مطابق للواقع غير ممكن الزوال. وعند أهل الحقيقة رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبيان"([1])0
  إذا من خلال تعريف اليقين يتضح ، أن اليقين بالله – عز وجل – هو الاعتقاد الجازم بوجوده اعتقادا لا يخالطه أقل شك ، ولا يتطرق إليه أدني وهم ، فهو اعتقاد راسخ رسوخ الجبال ؛ لذا تتحطم عليه معاول الشبهات ، وتنكسر دونه مطارق الشكوك0
  وهذا اليقين هو بغية كل مؤمن ، ومطلب كل مسلم ؛ لأنه يجد في رحابه راحة نفسه ، وطمأنينة قلبه ، وسعادة روحه. ومنشأ هذه الراحة والسعادة أن الإنسان قد عرف في ظله من خلقه ، ولماذا خلقه ، وما هو مصيره بعد الموت ، لذلك ارتاح عقله من الفكر ، وقلبه من الشك ، وعندها يتوجه إليه بالعبادة ، ويخصه بالطاعة0
 إن أكثر شيء يشوش على الإنسان عقله وقلبه أن لا يعلم خالقه ولا لماذا خلقه ؛ لذلك يظل يتيه في أودية من الشكوك ، ويتردد في متاهات من الظنون ، وهذا ما تجده عند الملحد الذي أنكر وجود ربه ، وجحد نعمه عليه فيظل في صراع مع الشك والقلق إلى أن تكون نهايته في كثير من الأحيان إلى الانتحار 0
لذلك كان أكثر ما يحرص عليه المؤمن أن يبحث عن الوسائل التي تقوي يقينه بربه ، وتملأ قلبه إيمانا به وتصديقا0
 
وأول هذه الوسائل وأهمها

1-   التفكر في مخلوقات الله عز وجل0
     إن من أعظم الدلائل على وجود الله – عز وجل – هو مخلوقاته التي أبدعها ، ونسجها على أكمل وصف ، وأبدع نظام. فمن يتأمل في هذا الكون بشموسه وأقماره ، وبحاره وأنهاره ، ونباتاته وأشجاره ، ويتأمل ما فيه من تنوع المخلوقات ، وتباين الكائنات ، يدرك لا محالة أن من رواء هذا كله إلها خالقا مدبرا حكيما ، خلق هذا الكون بعلمه وقدرته ، ونظمه بحكمته ومشيئته ، فكل شيء فيه بحساب ، وكل ذرة فيه بمقدار ، وله قوانين صارمة تحكمه ، وتسيره بدءا من الذرة إلى المجرة، وأنه يستحيل أن يكون هذا الكون كله أتي من لا شىء كما يزعم أهل الإلحاد . إن هذا أقرب إلى الجنون ، بل هو الجنون بعينه0
   إن من بديهيات العقول أن لكل مسبب سبب ، ولكل حادث محدث ، ولكل موجود موجد ، فهذا حكم العقل في أقل الأشياء وأحقرها ، فما بالكم بهذا الكون الكبير ، الذي كل شىء فيه يسير بنظام محكم ، وضبط دقيق0
   إن التفكر في هذه المخلوقات سيقودك حتما إلى اليقين الجازم بوجود الله عز وجل – وسيملأ قلبك بإجلاله وتعظيمه ، لذلك أمرنا الله عز وجل – بالتفكر الدائم في مخلوقاته ، والبحث الدؤوب في أسرار صنعته ، وبين أن أصحاب العقول الواعية والألباب الزاكية هم الذين يتفكرون في آياته ، ويتأملون بديع صنعها ، ودقة تكوينها ، فقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ) البقرة 164 ، وقال أيضا :  ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾آل عمران: 190- 191
    ولما كان التفكر بهذه الأهمية فإن الله عز وجل أكثر من الاستدلال به في محاجة المشركين به والمنكرين ألوهيته ، لكي يردهم إلى الحق ، ويأخذ بأيديهم إلى طريقه المستقيم ، قال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ الأعراف: 185، وقال أيضا ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ النَّازعات: 27- 33 ، وقال : (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ  ) الغاشية 17-20
   وكذلك التفكر في خلق الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله – عز وجل – وقد أمرنا الله بذلك ، ولفت أنظارنا إليه فقال  (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الذاريات 20-21  
    لذلك من يتأمل في خلق الإنسان وكيف يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ، ثم طفلا فشابا فشيخا ، وهو في كل هذه الأطوار محاط بالعناية والرعاية ، قد هُييء له كلُ أسباب الغذاء التى تحفظ عليه حياته ، وتستبقى قوته ، كل ذلك مع ضعفه ، وتمام عجزه . ثم يتأمل في أجهزته من جهاز عصبي ، ودوري ، ومناعي ، وسمعي ، وبصري ، وهضمى ، وغيرها كثير وكلها تعمل في  تناسق مذهل ، وإحكام مدهش يدرك أنه لا يمكن أن يكون هذا كله من عمل العشوائية والصدف كما يدعي الملحد ، وإنما هو من إبداع خالق حكيم  سبحانه وتعالى0
   لذلك كله كان التفكر عبادة من أعظم العبادات ، وقربة من أجل القربات ، بل جعلها ابن عباس خيرا من قيام الليل ، فقال : "تفكُّر ساعة خير من قيام ليلة"([2]) ، وما ذلك إلا لجليل نفعه ، وعظيم أثره0
   وعلى العموم فكلما زاد المؤمن تفكرا بمخلوقات الله عز وجل ، كلما زاد يقينا به ، وإدراكا لعظمته وقدرته0
 
2-   قراءة القرآن الكريم بتدبر0

      القرآن الكريم هو كلام الله عز وجل إلى خلقه ، وحجته على عباده ، لذلك من أراد اليقين بالله فليسمع كلامه ، وليتدبر آياته. إن آيات القرآن الكريم كلها ناطقة بأنها كلام الله الحكيم الحميد (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت 42،
      إن من يقرأ القرآن بتدبر ، ويفتح له قلبه وعقله يشعر وكأن الله يكلمه ، ويتحدث إليه ، يبصره بطريقه ، ويهديه إلى سبيله ، هناك في القرآن روح عجيبة ، روح تسري إلى القلب فيتملكه العجب من روعته ، وتشع في النفس فيأسرها ببلاغته؛ لذلك كان يأسر قلوب الكافرين به ، المعاندين له. فهاهم كفار مكة عندما يسمعون القرآن لا يلبثون إلا أن يقروا بعظمته ، ويذعنوا لفصاحته فيصفونه بكل جميل ، وينعتونه بكل حسن مع إجلال له وإكبار فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : " أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ ، فَأَتَاهُ ، فَقَالَ : يَا عَمِّ ، إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالا ، قَالَ : لِمَ ؟ قَالَ : لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ ، قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالا ، قَالَ : فَقُلْ فِيهِ قَوْلا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ ، قَالَ : وَمَاذَا أَقُولُ ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالأَشْعَارِ مِنِّي ، وَلا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي ، وَلا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا ، وَوَاللَّهِ ، إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلاوَةً ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلاهُ ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلا ، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ ، قَالَ : لا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ ، قَالَ : فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ ، فَلَمَّا فَكَّرَ ، قَالَ : هَذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَنَزَلَتْ :ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا([3])  - المدثر آية 11  0
     وها هو عتبة بن ربيعة عندما جاء يعرض على النبي  صلى الله عليه وسلم مطالب قومه, تلا عليه النبي  صلى الله عليه وسلم الآيات من أول سورة فصلت حتى انتهى إلى قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )  [ فصلت 37 ] ، فسجد ، ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك ،  فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. ([4]).  ومع ذلك ما منعهم من الإيمان به إلا جحود قلوبهم ، وضلالة عقولهم0
     وها هو عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ما كان سبب إيمانه إلا تلألؤ أنواره في قلبه ، وسريان روحه إلى نفسه فجعلت منه خلقا آخر ، وحولته من أكبر المعاندين له إلى أكبر المؤمنين به ، وذلك عندما قرأ أوائل سورة طه من صحيفة كانت عند أخته ، وكانت قد أسلمت قبله فذهب ليعنفها فوجد عندها الصحيفة فلما قرأ أوائل سورة طه ، سلب القرآن لبه ، واستولى على نفسه ، وسرت روحه في كيانه ، فما فارق بيت أخته إلا وقد أعلن إسلامه ([5]) ، وهذا بسبب الروحانية العجيبة في القرآن الكريم ، والتى هى من أكبر الدلائل على إعجازه ، وأنه من عند الله العلى الحكيم0
   ولا يقتصر إعجاز القرآن على أثره البالغ في النفوس ، بل إنه يمتد إلى ما هو أكثر من ذلك ، فالقرآن الكريم فيه جواب لكل سؤال ، وحل لكل معضلة ، وهدي لكل سالك ، وراحة لكل قلق ، وسكينة لكل خائف ، فيه المواعظ والقصص ، فيه التشريع والأحكام ، فيه بيان حقيقة الكون والإنسان ولماذا خلق وما الهدف من خلقه وإلى أين يسير ، فيه الجدل والحجاج ، فيه الحجة والمنطق ، فيه كل ما يحتاجه الإنسان في أمر دينه وتطهير نفسه وقلبه وتنظيم شئون حياته ، وصدق الله إذ يقول (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ  ) الأنعام 38 ،  فهل يعقل بعد هذا كله أن يكون القرآن الكريم صنعة بشر كلا وألف كلا ، إنه لا يقدر على ذلك إلا رب عليم حكيم ، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثله ، أو ينسجوا على منواله ، وصدق الله إذ يقول (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا  ) الإسراء 88
     لذلك من أراد تطهير قلبه من الشكوك ، وتنقية نفسه من الأوهام ، وتنحية عقله عن الشبهات ، وتقوية اليقين في قلبه فعليه بمعايشة القرآن الكريم ، وتدبر آياته ، وقراءته آناء الليل وأطراف النهار0
    وفي هذا يقول محمد رشيد رضا: " واعلم أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلا بكثرة قراءة القرآن واستماعه، مع التدبر بنية الاهتداء به والعمل بأمره ونهيه. فالإيمان الإذعاني الصحيح يزداد ويقوى وينمى وتترتب عليه آثاره من الأعمال الصالحة، وترك المعاصي والفساد بقدر تدبر القرآن، وينقص ويضعف على هذه النسبة من ترك تدبره، وما آمن أكثر العرب إلا بسماعه وفهمه، ولا فتحوا الأقطار، ومصروا الأمصار، واتسع عمرانهم، وعظم سلطانهم، إلا بتأثير هدايته، وما كان الجاحدون المعاندون من زعماء مكة يجاهدون النبي ويصدونه عن تبليغ دعوة ربه إلا بمنعه من قراءة القرآن على الناس"([6])0
 
3-   قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم

إن سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – مليئة بدلائل نبوته ، ناطقة بصدق رسالته ، فهى رسم تفصيلى لأحداث حياته ، ومجريات دعوته. فمن يتأملها بصدق قلب ، وصفاء نفس يجد أنه رسول الله حقا ، وأمينه على وحيه صدقا ، فيها كفاحه في سبيل توطيد أركان دعوته في الأرض ، وجهاده لرفع لوائها ، وإعلاء منارها ، وفيها بيان لحسن أخلاقه الذى أسر القلوب ، وفيها عبادته وتبتله لربه ، وفيها معجزاته وفيها تأييد الله – عز وجل - له ونصرته في وقت الضعف ، حتى أتم الدين ، وبلغ الرسالة ، وبعدما كان فردا وحيدا مات وعدد أصحابه ما يقارب مائة ألف نفس ، ومازال العدد يتكاثر ، إلى أن وصل الآن مليار ونصف المليار مسلم0
     إن أحداث هذه السيرة العطرة تنطق بلسان الحال ، أن كل هذه الأمور مجتمعة لا يمكن أن تكون إلا لنبي مؤيد من السماء ، محفوف بالعناية من ربه ومولاه ، وأنه لا يمكن أن يكون موفقا في دعوته ، مسددا في رسالته إلا بمعونة قدرة فوق قدرة البشر ، وحكمة تعلو حكمة البشر ، ومن هنا يزداد يقين قارىء سيرته ، ويعلم أن هناك ألطافا خفية ، وقدرة إلهية عبدت له الطريق ،  وذللت له السبيل حتى نصر الله به الدين، وأتم به الرسالة 0
 
4-   قراءة قصص الأنبياء

     إن قراءة قصص الأنبياء تثبت اليقين في القلوب ، وتغرسه في النفوس ، وتملأ الروح بالأنس والطمأنينة ، قال تعالى (  وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) هود 120، فإذا كانت قصص الأنبياء فيها تثبيت لقلب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فما بالنا نحن مع ضعف إيماننا ، وقلة يقيننا. إن العيش مع الأنبياء في كفاحهم مع أقوامهم المعاندين ، وصبرهم على ما لاقوه من عنت وأذى ، يدرك أنهم ما صبروا كل هذا الصبر إلا إرضاء لربهم  بتبليغهم لرسالته ، وأن أى إنسان لا يمكن أن يتحمل كل هذا العنت والمشقة إلا إذا كان له رب يرجوه ، ويطلب رضاه.
    وعندما نقرأ عن معجزاتهم التى أيدهم الله – عز وجل - بها ، ندرك مدى القدرة الإلهية التى لا يعجزها شىء ، والتى خرقت لهم القوانين ، وخالفت من أجلهم الأسباب ، فكل هذا له أكبر الأثر في تقوية اليقين بالله عز وجل ، وترسيخه في النفس والقلب0
 
5-   قراءة سير الصالحين

    عندما نقرأ سير الصالحين ، ونتعرف على أخبارهم نجد أنهم كانوا موصولين بالله عز وجل ، خاشعين في محراب عبوديته. الله عندهم أكبر من الدنيا وما فيها ، يلهجون بذكره ، ويستبشرون بالثناء عليه. فهؤلاء الصالحون لهم أحوال مع الله ، وقد تجد بعضا منهم قد أجرى الله كثيرا من الكرامات على يديه ، كأن تجد أحدهم كان فى كربة فجأر بالدعاء إلى الله فكشف كربته ، أو كان في محنة فهرع إلى بابه فأزال محنته ، فقراءة مثل هذه الأخبار ومطالعتها  من أكبر روافد اليقين إلى القلوب ، وهو باب عظيم من أعظم الأبواب الموصلة إلى تقوية اليقين في النفوس0
     ولا تقتصر قراءة سير الصالحين ومعرفة أخبارهم على الكتب فقط ، بل هناك أيضا صالحون كُثُر يعيشون بيننا ، وقد تكون لهم أحوال مع الله - عز وجل- وكرامات أيدهم بها ، وخاصة العلماء فإنهم قد يروون بأنفسهم أو يروي الناس الثقات عنهم كثيرا من ألطاف الله بهم ، وكرامات الله لهم . فلنبحث عنها ، ونجعلها سُلَّما نصعد به إلى ذرا اليقين وقمته0
 
6-   مجالسة الصالحين:

إن مصاحبة الصالحين ، وحضور مجالسهم لها أثر كبير في تقوية اليقين بالله عز وجل ؛ لأن الإنسان بطبعه يتأثر بمن حوله ، ويتعلق قلبه بمن يكثر من مصاحبتهم والجلوس إليهم ؛ لذلك عندما تجالس الصالحين فإنك تتأثر بهم ، وتتعلم منهم ، وعندها يقوى إيمانك ويزداد يقينك ، لأنك ترى أمامك مُثُلا حية ، مثلا قد رسخ اليقين في قلوبهم ، واطمأنت إليه نفوسهم ، ترى قلوبا تهيم في حب ربها ، ونفوسا تتعطش للقائه ، فلا يتكلمون إلا بذكره ، ولا يجلسون إلا لمدارسة قرآنه ، ولا يسيرون إلا للصلاة له ، ولا يجتمعون إلا محبة فيه ، فمجالسة أمثال هؤلاء كلها خير وبركة ، وبها يزداد اليقين ، ويرسخ الإيمان0
       قال الإمام الغزالي : " جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علم اليقين وواظبوا على الاقتداء بهم ليقوى يقينكم كما قوي يقينهم وقليل من اليقين خير من كثير من العمل"([7])0
    وقال إبراهيم الخواص: دواء القلب خمسة أشياء:
وذكر منها - ومجالسة الصالحين0
 
7-   قراءة الكتب العلمية المتعلقة بالكون :

    هناك كتب علمية مبسطة لغير المتخصصين تتحدث عن الكون والظواهر الطبيعية فيه ، وتشرح بأسلوب علمي سهل  مدى دقة قوانينه وانضباطها من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة ، كما توجد كتب تتحدث عن أسرار الكائنات الحية وخاصة الإنسان ، وتشرح عمل خلاياها ووظائف أعضائها ، وتظهر مدى الدقة المتناهية ، والتناغم المدهش بين كل هذه الأعضاء ، كما تظهر أسرارا يعجز العقل عن تصورها وإدراكها ، فقراءة مثل هذه الكتب تجعلك تشعر بعظمة الخالق – عز وجل- وتدرك مدى قدرته وحكمته التى أبدعت هذه الكون وكائناته على مثل هذا النظام الدقيق ، والإبداع المحكم0
    فقراءة مثل هذه الكتب تعينك على التفكر في مخلوقات الله عز وجل ، وتمدك بسيل هائل من أسرار الخلق ، وآيات الإبداع والتكوين مما يملأ قلبك باليقين بالله عز وجل ، وباستشعار عظمته وحكمته.
    ولا يقتصر الأمر على القراءة فقط فهناك أيضا الأفلام العلمية ، والبرامج الوثائقية المبثوثة على الإنترنت ، وهي مليئة بالفوائد الغزيرة والحكم العظيمة التى تظهر أسرار الخلق ، وهي كنز ثمين تستطيع من خلاله أن تدرك عظمة الخالق ، ومدى إبداعه لهذا الكون العظيم0
 
8-   عدم سماع المتشككين والجلوس إليهم:

    لقد كثر في زماننا الإلحاد والتشكيك في وجود الله – عز وجل – وأصبح له دعاة يروجون له ، ومواقع على الإنترنت تدعو إليه ، وأصبح هناك منتديات يجتمع فيها الملحدون لكي يشيعوا باطلهم ، وينشروه فيما بينهم ، وهنا لابد لكل مؤمن يريد الحفاظ على سلامة قلبه ، وطمأنينة نفسه أن يمتنع عن السماع لهم ، والجلوس إليهم أو الدخول على مواقعهم حتى لا تعْلَق الشبهات بقلبه ، وتتوطن الشكوك بعقله ، ويظل يسترسل في مجالستهم حتى تتراكم عليه هذه الشبهات ، وتتكاثر في قلبه هذه الشكوك حتى يفقد يقينه ، ويضيع منه إيمانه.
    لذلك حذرنا الله عز وجل من مجالسة أمثال هؤلاء ، فقال تعالى (قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) النساء140 ، وقال – أيضا- (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأنعام68، فهذه وصية الله عز وجل لنا ، وهو أعلم بطبائع القلوب وخفايا النفوس ، وهو أعلم أن القلوب سريعة التأثر ، كثيرة التقلب ؛ لذلك ينبغى الحذر كل الحذر من مجالسة الملحدين والسماع منهم ، والدخول إلى مواقعهم ومنتدياتهم0
 
9-   الدعاء :

الدعاء سلاح من أمضى الأسلحة في تقوية اليقين ، وزيادته في القلب ، وعندما تتضرع إلى الله عز وجل بقلب خاشع ، ونفس صادقة ، وتلح عليه في الدعاء أن يهبك يقينا راسخا رسوخ الجبال فإن الله عز وجل سيحقق رجاءك ، ويعطيك طِلبتك ، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، حيث قال : " سَلُوا اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، وَالْيَقِينَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى "([8]) ، كما كان كان يكثر من الدعاء لله عز وجل أن يهبه اليقين ، ويملأ قلبه ونفسه به ، فعن ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: «اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا 000 الحديث([9])0
   وأخيرا : اليقين مثله مثل النبتة الصغيرة المغروسة في الأرض إن تعهدتها بالسقي والرعاية ، والوقاية من الحشائش الضارة ، والحشرات التى قد تهلكها ، وتأتي عليها فإن هذه النبتة الصغيرة سوف تتعمق جذورها في الأرض ، وتبسُق فروعها في السماء ، أما إذا أهملتها ، وتركتها فريسة لما يضرها ، ويذهب بنضارتها فسوف تموت في مهدها ، وتجتث من أصلها.
    فكذلك اليقين في قلبك كلما تعهدته بالوسائل السابق ذكرها كلما تعمقت جذوره ، وقوى عوده ، وصَلُب بنيانه  ، واشتدت أركانه ، أما إذا أهملت هذه الوسائل وعرضت قلبك لشبهات المشتبهين ، وشكوك الشاكين ، فسوف تتراكم عليه الشبهات من كل جانب ، وتتعاوره الشكوك من كل ناحية ، فلا تلبث قليلا إلا وقد ذهبت البقية الباقية من يقينك ، وعندها تجد نفسك على شفا الكفر والإلحاد 0
  أعاذنا الله من ذلك المصير المشئوم ، وحمى أولادنا ومجتمعاتنا من وخامة عاقبته ، وسوء منقلبه0
والحمد لله رب العالمين
  
 
-----------------------------------
([1])دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ، لابن علان البكري الشافعي 2/263
([2])أخرجه أحمد في الزهد ( 172 )
([3])أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 532 )
([4]) السيرة النبوية لابن هشام 1/ 294 
([5]) روى قصة إسلامه الإمام أحمد بن حنبل في ( فضائل الصحابة ) ( 371) 
([6]) تفسير المنار 9/463
([7]) إحياء علوم الدين1/72
([8]) رواه أحمد ( 6 ) وقال محققو المسند : إسناده حسن
([9]) الترمذي ( 3502 ) ، وحسنه الألباني 


 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية