اطبع هذه الصفحة


التيه الرقمي

عبدالله سعود آل معدي


بسم الله الرحمن الرحيم
 

أنت وأنا نعلم أن هذه الأمة لا عز لها إلا بكتاب الله، فمتى ما وقّرته وعملت بما فيه؛ نهض بها بقدر ذلك التوقير والعمل، وما منا مع كتاب الله - تلاوة وإقامة – إلا متقدم أو متأخر، ولا حال بين الحالين؛ لأن القرآن آتٍ يوم القيامة شاهداً، إما لك أو عليك.

ولقد أظلنا زمن (التيه الرقمي).. زمن الولع التقني، والهوس الإخباري، المتأثر بذلك أربى من المؤثر، أمضينا في دهاليز برامجه وتطبيقاته الساعات الطوال خلال السنوات المنصرمة، والنتيجة تدس وجهها في التراب من سوء الصنيع والأحدوثة! وقد قمت بعملية حسابية تقريبية لأخرج منها بنتيجة لعدد الساعات التي يمضيها أحدنا مع وسائل التواصل فكانت نتيجة مؤلمة جداً؛ إذ لو افترضنا أن زيداً من الناس يمضي 6 ساعات يومياً في جواله فإن النتيجة هي 2160 ساعة في العام الواحد، ولو افترضنا أن هذا صنيعه خلال ست سنوات مضت فإن النتيجة هي إمضاء 12960 ساعة، أي: 540 يوماً من حياته في تيه رقمي! أي أمضى عاماً ونصف العام تقريباً من حياته نتيجة ست سنوات فقط كانت رقمية تقنية!

إن النفس الهائمة بالسراب الرقمي اليوم أحوج ما تكون لأن تُؤخذ بخطامها نحو اجتماع القلب على العبادة فتزمّها زماً، لتنقذ بقية من جِدٍّ تراكمت عليها أطنان الهزل، وأعظم ما يزمها: تدبر كلام الله، إذ لو توقف العبد وهو يقلب الأحداث في جواله ومصحفه مغلق بجانبه عند قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا١٣﴾ [نوح: 13] ، واستشعر أن الله يخاطبه على تلك الحال (المعيبة في جنب الله) لاستبدل حاله فوراً حياء من الله!

جاء في السير أن النبي ﷺ وصحبه غزو غزوة وأصابوا فيها سبياً كانت فيه جارية لرجل، وكان غائباً، فلما عاد لم يجدها فحلف أن يصيب النبي محمداً ﷺ أو أحداً من صحابته، أو يخلص زوجته، فخرج يتبع أثر المسلمين وهم مع قائدهم ﷺ قد نزلوا بأحد الشعاب " فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ " فَقَامَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فكُونَا في فَمِ الشِّعْبِ".

فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ عَبَّادٌ لِعَمَّارٍ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوَّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَاضْطَجَعَ عَمَّارٌ فنَامَ، وَقَامَ عَبَّادُ بنُ بِشْرٍ -رضي اللَّه عنه- يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، فَلَمَّا رَأَى سَوَادَ عَبَّادٍ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ القَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِهِ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ ثَالِثٍ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَيْقَظَ عَمَّارًا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ، فَهَرَبَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعَبَّادٍ، وَقَدْ رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟ فَقَالَ عَبَّاد -رضي اللَّه عنه-: كُنْتُ في سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ، رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِهِ؛ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا". [1]

هذا الصحابي تنغرس في جسده سهام لاذعة، وهو قائم يقرأ في صلاة، ثم ينتزعها واحداً تلو الآخر – مع ألم النزع الشديد- ويواصل تلاوته، فألم قطع التلاوة عنده أشد من ألم الطعان! وحب القرآن جعله يغامر بروحه غير آبه بدنو حياته! بل يحلف أنه لولا أنه على ثغر من ثغور المسلمين لبقي يتلو والدماء تهراق من جسده، فإما أن يستشهد تالياً فتتوقف الحروف على حد الأسنة، أو يتم السورة قبل ذلك!
هذا مشهد من مشاهد الرعيل الأول.

ومشهد يقابله من مشاهد هذا العصر حين يتناول أحدنا مصحفاً ليتلو أو يحفظ وبمجرد نغمة في الجيب تتسلل اليد، فتفتح الرسالة، ولا يتوقف العبد بعدها إلا بعد انصرام الدقائق وربما الساعات في الماجريات السياسية أو الفكرية أو غير ذلك.. والمصحف قد أُطبق جانباً!

بالله عليك! قارن بين المشهدين: ذاك على الجبهة الإسلامية في وضع سياسي مخوف، هو وصاحبه فقط، وفي ليلة حالكة السواد، يحمي من ورائه أعظم رجل مطلوب من المشركين حياً أو ميتاً! حاملاً كفه على روحه تعظيماً لكتاب الله!

والآخر: آمن في سربه، بين إخوته وأهله، لم توكله الأمة الإسلامية على ثغورها، ولم يحام عن أحد! وبمجرد سماع نغمة – أو بدون ذلك – نحّى كلام الله جانباً!

فما أعظم البون بينهما!

إن منزلة حضور القلب ونفي الشواغل حال التعبد في ظل الانهماك العالمي مع سيرورة الأحداث منزلة تشيخ دونها الكثير من العزائم قبل بلوغها –إلا على من وفقه الله وأعانه-.

وليس أحد -تاريخياً- أكثر شغلاً بالأحداث من النبي ﷺ، ومع ذلك كان أكثر الناس تعبداً وخشية، ففي ذلك الظرف السياسي الحربي القاسي، في ليلة أولى المواجهات العسكرية الفاصلة؛ تراه تحت تلك الشجرة قائم يصلي والجميع نيام، فعن علي -رضي الله عنه- قال: "ما كان فينا فارسٌ يومَ بدر غيرُ المقداد، ولقد رأُيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح".[2]

أرأيت اجتماع قلب مع تجافٍ عن الماجريات - مع تأثيره فيها - مثل ما كان للنبي ﷺ ؟!

ما رأيت اليوم أشجع من رجل يخالف عادته التقنية من أجل ربه وعبادته إياه، فتراه قبل الصلاة يركن جواله في زاوية البيت ويخرج من إساره، أو يحدد -بصرامة- وقتاً يخلو فيه مع كتاب الله مغلقاً إياه، أو يخفف من مواقع التواصل ويطرحها عن كاهله الفكري والعقلي خوفاً على انفراط إيمانه من بين يديه، ولكن كل ذلك لا يكون إلا بعون الله وتوفيقه، ومن سعى لذلك بصدق فأوتيه فقد أوتي خيراً كثيراً.

----------------------------------------
[1] . أخرج قصة عَبّاد -رضي اللَّه عنه-: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب من لم يَرَ الوضوء إِلَّا من المَخْرَجَيْن القبل والدبر -معلقًا- ووصله الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (14704) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (1096) - والبيهقي في دلائله (2/ 378 - 379) - وابن إسحاق في السيرة (3/ 230) وهو حديث حسن.
[2] . مسند الإمام أحمد: ( 1023 )
 


 

رسائل دعوية

  • رسائل دعوية
  • معا على طريق الجنة
  • الصفحة الرئيسية