اطبع هذه الصفحة


يوجد مريض بالداخل ، لاتطرق الباب من فضلك وانتظر دورك

د / أريج بنت سعد العوفي - طب أسرة

 
لوحة معلقة أمام كل مدخل عيادة طبية ..
لوحة معتادة لنا جميعا ...
ولكن!!...
خلف هذه اللوحة المعلقة على الباب كم ٌ هائل من الأسرار التي يواجهها الطبيب وكمٌّ أكثر هولاً من العجائب التي يكتشفها ...المريض من جهة والطبيب من جهة أخرى

(1)
مصافحة!!!

دخل أحد المرضى المسنين العيادة التي اعتادها واتجه من فوره ببساطته الواضحة ليمد يده مصافحاً طبيبه الذي يعالجه منذ سنين ..
كانت الطبيبة تجلس على كرسي مجاور... فلم يتردد المريض ليمد يده لها هي الأخرى ..
لحظة هدوء سادت العيادة
هو ينتظرها تصافحها ...
هي تسمّرت في كرسيها لا تعرف كيف تتصرف .. فمصافحته حرام ويده ممدوة تنتظر ( هكذا حدثت نفسها ) !!!
انتهى الموقف بسلام ...
فقد تفهم المريض موقفها وابتسم ليكمل حديثه ...وتنتهي جلسة علاجه بسلام ...

ثم ...!!!

تنادي الممرضة على المريضة التي تليه
سيدة محجبة في العقد الرابع من عمرها ..
دخلت مبتسمة تحيي الجميع
أقبلت على الطبيب تصافحه ...وبعد تردد جاملها فصافحها ...
وأنا !!!!
تخيلت ُ يدي ممدودة في الهواء تنتظرها
لم تجد المريضة أن مصافحتي لها أمراً مهما ..
المهم هو !!!
جلست على الكرسي لتبدأ جلسة علاجها ...
وكم كان بودي أن أفهم سر تمييزها بيني وبينه لتفضله في المصافحة عني .!!! فكلانا طبيبان وجميعنا مسلمون وأنا كنت الأقرب لها ... و الأهم أني أنا أختها في الدين والطبيب أجنبي عنها !!!!

أين الخلل !!! ؟؟؟؟ يا أحبتي ...؟

(2)
طفولة مقيدة

على الرغم من حلول موسم الإجازة إلا أن العيادة ازدحمت بشكل غير مألوف منذ بداية اليوم
عجباً !!
عـُرفتْ مدينتي بأن أهلها ينامون نهاراً ليستيقظوا ليلاً
أتراهم غيروا من هذه العادة المتعبة ؟

ومع توالي المرضى بدأ رأسي يأنّ من الصداع ويتساءل متى تنتهي هذه العيادة
مشاكل كثيرة وشكاوى متنوعة
بين مريض صبور وأخر محبط يشعر الطبيب منـّـا وكأنّ رأسه يدور مع ترنيمات مرضاه وتأففات البعض !!!

ووسط هذا الكمّ الهائل طرقت الباب شابة في العشرينات من عمرها حاملة طفلة رضيعة يبدو من وجهها أنها حديثة عهد بهذه الدنيا

تركتُ كل شيء
ورغماً عني ابتسمت ُ من أعماقي
ودون أدنى فشل لم أعد أشعر بأي شيء مما مضى علي قبيل دقائق
سبحان الله !!
ما اجمل خلقه وبديع صنعه
لقد كنت ُ أنظر إلى لوحة رائعة الجمال وملامح الرضيعة تجعلك دون وعي تتأملها بعمق وإعجاب شديد
قلما نرى نحن الأطباء جمالاً مثل هذا في هذا السن المبكر
ذكرت ُ المولى جلّ وعلا
ماشاء الله لاقوة إلا بالله
تفضلي يا أم فلانة ...
كيف حالك ؟
مشت أمها بخطوات هادئة حتى وصلت إلى الكرسي وجلست بهدوء
وفي طريقها تلقفت الرضيعة الطبيبة التي كانت تشاركني العيادة ذاك الصباح لتحتضنها وتلاعبها
لحظات صمت سادت المكان...
حتى بادرتُ بتأمل ملف الرضيعة ...وتفاصيله وأنا ناظرة لأمها يا ترى أتت لي بأي شكوى ...

بصوت خافت جداً تحدثت أمها لتسألني عن ابنتها
كيف حالها ؟ وما الخطوة التالية في العلاج ؟

لا أدري يا أحبتي ... في هذه اللحظات وأنا أقلب عيناي بين هذه اللوحة الجمالية وبين تفاصيل المرض الذي تعاني منه هذه الرضيعة ..
كادت أن تنحدر مني دمعة أمام أمها ولكني أسرعت بحمل الطفلة ووضعها على سرير الفحص
أقبلت الأم تشاركني خلع ملابسها
لتريني منطقة الاصابة وتحددها

سبحان الله !!!
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يشفيها
حالتها صعبة جداً والمرض انتشر في منطقة كبيرة من جسدها الصغير
تأن طفلتنا الرضيعة من الألم والأمر ليس بيد طبيب ولا خبير
بل هي رحمة إلهية ننتظرها ...

توقفت الأم أمامي لحظات تنتظر رأيي ...
لم أملك سوى أن أقول لها ...
كما تعلمين يا أم فلانة ... حالتها لا نعرف نحن لها علاجاً بعد ...
أوصيك بالصبر واحتساب الأجر لعل الله يكتب مالا نعلم ...

نعم يا دكتورة ... لقد توفيت أختها بمثل مرضها وعمرها تسعة أشهر ...
توقفتُ عن الكتابة لأستمع لها ...
أكملت الحديث
المرض موجود في العائلة وأكبر طفل احتمله بلغ من العمر سنتين ونصف ..
نحن أقارب ولا نخرج عن الأسرة ..
!!!
كم وددت لحظتها أن أصرخ !!!!
إذن هناك حالات متشابهة وتجارب سابقة ... ومازال ركب الارتباط يسير في نفس الاتجاه ؟؟؟
سبحان الله أين العقل الذي وهبتم إياه ؟؟؟؟
تركت الأم تحدثني عما بداخلها
وتركت قلبي يعتصر ألماً أنظر للرضيعة في هدوءها وجاذبية وجهها ...
مازال هنا أمل ٌ يا أم فلانة ...
نصيبك أن المرض قد جاء في طفلتيك ...وقدّر الله عزوجل ذلك لحكمة هو يعلمها سبحانه
قد يكون الحمل القادم سليماً !!!
وقد يكون الأمر ذاته !!!
الله كريم ...

ماذا تريدوني أن أقول ؟؟ إنه مجتمع ضخم ...!! وأنا مجرد طبيبة أحب الخير له

عدت ُ إلى بقية مرضاي ...
ومازالت صورة صغيرتي تتموج أمامي ...
اللهم اشفها وعافها واعف عنها
الحمدلله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا كثيراً

(3)
حبة صغيرة .. فقط !!!

طرقت ْ باب العيادة أدباً منها وقد أذنت لها الممرضة بالدخول ..
يرافقها زوجها وابنتها ..
تتأملها فتراها امرأة في العقد الرابع من عمرها ممتلئة الجسم قليلاً ..
مهتمة بنفسها بشكل واضح ...

جلست على الكرسي ...
وبدأت الحديث ...
يا دكتورة .. أحتاج رأيك في المشكلة التي أعاني منها منذ زمن طويل ..
ابتسمتُ مشجعة لها أن تبدأ ...
وأخذت تفصل لي في الأمر الذي أرهقها منذ سنين طويلة ..
حبوب في وجهها ..
وقد دارت على الكثير من الأطباء ومراكز التجميل المختلفة لمعالجتها ..
وهاهي الان تستخدم دواءاً منذ أشهر وهذا النوع من العلاج معروف بأن متابعته الدقيقة مهمة جداً كي لا يؤثر على الكبد ..

قلت ُ لها ..
أين هذه الحبوب ..؟
لم تريني مكانها وإنما استمرت في سرد معاناتها المادية والنفسية خلال فترة العلاج ...وأنها تعبت فعلا ..
كررت ُ سؤالي مرة أخرى ..( هلا سمحتي لي أن أفحص الحبوب التي تقصدين ؟ )
عندها كشفت ما تبقى من وجهها ..
!!!
وأنا أكاد أمسح عيني شكاً فيما رأيت؟
عفواً ..؟؟!!
أين الحبوب التي تقصدينها يا عزيزتي ؟
قالت لي :
هاهي يا دكتورة ؟
إنها حبة واحدة فقط !!!

أنظر مرة أخرى
إنها حبة صغيرة جداً ...
لاتكاد تذكر ...

قلت لها ..أهذا ما يزعجك الان ..؟
قالت
نعم يا دكتورة ..
أنا تعبانة نفسيا منها ...
أرجوك أن تساعديني ..؟؟؟!!
عجباً ...
قلت لها :
لكني أرى وجهك بحالة ممتازة ..
قاطعتني ..
أوووه لالالا ... لا يا دكتورة ...إنه ليس بحالة طيبة ...وأنا غير مقتنعة !!!

تمالكت نفسي طويلا ...وبقوة ..
فقد كنت أفحص قبلها .. من هم في حالٍ أسوأ ...وقد ابتلاهم الله جل وعلا ..بأمراض شديدة ..لا علاج لها .. ولا أجدهم إلا شاكرين حامدين صابرين ..

قلت لها بصوت بطيء ..
يا عزيزتي ...
أنا لا أرى أن الأمر بهذا السوء الذي تتخيلنه ..
حتى الدواء الذي تستخدمينه الان ..لا أرى له أية داعٍ...
يمكنك أن تتوقفي عن تناوله اليوم ..
وهذه الحبة ..الصغيرة جداً ...لا أريدها أن تأخذ من حيز اهتماماتك الكثير
تفاءلي وانظري إلى الجوانب الجميلة والنعم الكثيرة التي وهبها الله لك ..
واشكريه عليها ..

بعد ثواني من الصمت ...

دكتورة ..
أريد أن أكمل العلاج ...
أريد أن تختفي هذه الحبة ...
قاطعتها أنا هذه المرة ...
حسن يا عزيزتي ...
القرار قرارك ..
أكملي تناول العلاج ...
ومتى أردتِ ان تتوقفي عنه ، مرحباً بك في العيادة ...

كنت أتمنى أن يدللها زوجها أمامي ..فيقول لها ..
لا تحتاجين الدواء يا زوجتي ..
إن الحبة صغيرة ولا تستحق هذا العناء ...
فقد كنت أعرف أن تعليقه هذا سيكسر الكثير من الحواجز والمخاوف ...

لكنه كان صامتا طوال الوقت !!!
يا للرجال ..!!!!

همسة لمتتبعي الانتاج الاعلامي الاجنبي :
ما كل ما ترونه فيه صحيحاً ... ومتابعتكم الحثيثة له قد تفضي بكم إلى الانصياع التام وراءه ولو كلفكم وقتاً وجهداً أولى بكم أن تصرفوه في أوجه الخير المتعددة ...

 

الطبيب الداعية

  • مكتبة الطبيب
  • أفكار دعوية
  • الطبيب الداعية
  • الطبيبة الداعية
  • بين الواقع والمأمول
  • استفتاءات طبية
  • الطب الإسلامي
  • الفقه الطبي
  • مقالات منوعة
  • خواطر طبيب
  • صوتيات ومواقع
  • دليلك للأفكار الدعوية
  • الصفحة الرئيسية