اطبع هذه الصفحة


اختيارات ابن القيم في الحج من زاد المعاد

اضغط هنا لتحميل الكتاب على ملف وورد  

عبدالرحمن بن محمد الهرفي

 
أولاً : من زاد المعاد في هدي خير العباد

1. الصحيح أن عمرة النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الثانية سمية بالقضية لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قاضا عليها أهل مكة .91
2. لا يناقض ما سبق ما في الصحيحين عن البراء بن عازب ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قال : (اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ)(1)، لأنه أراد العمرة المفردة المستقلة التي تمت ولا ريب أنهما اثنتان فإن عمرة القران لم تكن مستقلة وعمرة الحديبية صد عنها وحيل بينه وبين إتمامها .92
3. لا تناقض بين حديث أنس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أن عُمَرهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في ذي القعدة إلا التي مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلا في ذي القعدة لأن مبدأ عمرة القران كان في ذي القعدة ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج فعائشة وابن عباس(2) أخبرا عن ابتدائها وانس (3)أخبر عن انقضائها . 92
4. فأما قول عبد الله بن عمر إن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اعمر اربعا إحداهن في رجب (4) فوهم منه ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ قالت عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهاُ ـ لما بلغها ذلك عنه :( يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلا وَهُوَ شَاهِدُهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ) (5) 93
5. وأما ما رواه الدارقطني عن عائشة قالت خرجت مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال أحسنت يا عائشة(6) فهذا الحديث غلط فإن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يعتمر في رمضان قط وعمره رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في رمضان قط وقد قالت عائشة رضي الله عنها لم يعتمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلا في ذي القعدة رواه ابن ماجه وغيره . 93
6. لا خلاف أن عمرة لم تزد على أربع فلو كان قد اعتمر في رجب لكانت خمسا ولو كان قد اعتمر في رمضان لكانت ستا إلا أن يقال بعضهن في رجب وبعضهن في رمضان وبعضهن في ذي القعدة وهذا لم يقع وإنما الواقع اعتماره في ذي القعدة كما قال أنس رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها وقد روى أبو داود في سننه عن عائشة أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اعتمر في شوال وهذا إذا كان محفوظا فلعلة في عمرة الجعرانة حين خرج في شوال ولكن إنما أحرم بها في ذي العقدة . 93
7. لم يكن في عُمُرِهِ عُمْرَةٌ واحدة خارجا من مكة كما يفعل كثير من الناس اليوم وإنما كانت كانت عمره كلها داخلا إلى مكة ، وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاث . 94
8. عمر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كلها كانت في أشهر الحج مخالفة لهدي المشركين فإنهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ، ويقولون هي من أفجر الفجور وهذا دليل على أن الأعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك . 95
9. المفاضلة بين الإعتمار في أشهر الحج وبين الاعتمار في رمضان فموضع نظر فقد صح عنه أنه أمر أم معقل لما فاتها الحج معه أن تعتمر في رمضان وأخبرها أن عمرة في رمضان تعدل حجة ، وأيضا فقد اجتمع في عمرة رمضان أفضل الزمان وأفضل البقاع ، ولكن الله لم يكن ليختار لنبيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في عمره إلا أولي الأوقات وأحقها بها فكانت العمرة في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره وهذه الأشهر قد خصها الله تعالى بهذه العبادة وجعلها وقتا لها والعمرة حج اصغر فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو العقدة أوسطها وهذا مما نستخير الله فيه كان عنده فضل علم فليرشد إليه . 95
10. لم يحفظ عنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنه اعتمر في السنة إلا مرة واحدة ولم يعتمر في سنة مرتين . 97
11. وقع الخلاف في حكم تكرار العمرة أكثر من مرة في العام الواحد فمنعه بعضهم ؛ ولا أرى أن يمنع أحد من التقرب إلى الله بشيء من الطاعات ولا من الازدياد من الخير في موضع ، ولم يأت بالمنع منه نص ، وقد صح عن بعض الصحابة أنه كرر العمرة في أكثر من مرة في العام . 98
12. معنى قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لعائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهاُ ـ "ارْفُضِي عُمْرَتَكِ "(7) اتركي أفعالها والاقتصار عليها وكوني في حجة معها ويتعين أن يكون هذا هو المراد بقوله : " حَلَلْت مِنْهُمَا جَمِيعًا "(8) لما قضت أعمال الحج وقوله : " يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"(9) فهذا صريح في أن إحرام العمرة لم يرفض وإنما رفضت أعمالها والاقتصار عليها وأنها بانقضاء حجها انقضى حجها وعمرتها ثُمَّ أَعْمَرَهَا من التَّنْعِيم تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا إِذْ تَأْتِي بِعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّة كَصَوَاحِبَاتِهَا . وَيُوَضِّح ذَلِكَ إِيضَاحًا بَيِّنًا مَا رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه وَلَفْظ : قَالَتْ عَائِشَة : وَخَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع فَحِضْت فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْم عَرَفَة وَلَمْ أُهِلّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَنْقُض رَأْسِي وَأَمْتَشِط وَأُهِلّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُك الْعُمْرَة , قَالَتْ : فَفَعَلْت ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيْت حَجِّي بَعَثَ مَعِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِر مِنْ التَّنْعِيم مَكَان عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجّ وَلَمْ أُحِلّ مِنْهُمَا "(10) فَهَذَا حَدِيث فِي غَايَة الصِّحَّة وَالصَّرَاحَة أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْ مِنْ عُمْرَتهَا وَأَنَّهَا بَقِيَتْ مُحْرِمَة بِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجّ , فَهَذَا خَبَرهَا عَنْ نَفْسهَا وَذَلِكَ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا كُلّ مِنْهُمَا يُوَافِق الآخر. 99
13. لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة وهي حجة الوداع ولا خلاف أنها كانت سنة عشر . 101
14. حديث الترمذي أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حج قبل الهجرة (11) قال عنه البخاري ـ يرحمه الله ـ : ( لا يعد هذا الحديث محفوظا ) . 101
15. فرض الحج تأخر إلى سنة تسع أو عشر .101
16. قوله تعالى : "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ "[البقرة :196]ليس فيه فرضية الحج ، وإنما فيه الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء . 101
17. خرج النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى حجة الوداع من المدينة نهاراً بعد الظهر ، لست بقين من ذي القعدة ، بعد ان صلى الظهر بها أربعا ، وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه ، والظاهر ان خروجه كان يوم السبت . 102
18. قلد النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قبل الإحرام بدنه نعلين وأشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها(12) . 107
19. أحرم النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قارنا ، وإنما قلنا ذلك لبضعة وعشرين حديثا صحيحة صريحة في ذلك .107
20. غلط في عمر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خمس طوائف :
• إحداها : من قال إنه اعتمر في رجب وهذا غلط فإن عمره مضبوطة مخفوظه لم يخرج في رجب إلى شيء منها البتة .
• الثانية : من قال أنه اعتمر في شوال وهذا أيضا وهم .
• الثالثة : من قال إنه اعتمر من التنعيم بعد حجة وهذا لم يقله أحد من أهل العلم وإنما يظنه العوام ومن لا خبرة له بالسنة .
الرابعة : من قال إنه لم يعتمر في حجته أصلا والسنة الصحيحة المستفيضة التي لا يمكن ردها تبطل هذا القول .
• الخامسة : من قال إنه اعتمر عمرة حل منها ثم احرم بعدها بالحج من مكة والأحاديث الصحيحة تبطل هذا القول وترده . 122
21. وهم في حج النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خمس طوائف :
• الطائفة الأولى : التي قالت حج حجا مفردا لم يعتمر معه .
• الثانية : من قال حج متمتعا تمتعا حل منه ثم أحرم بعده بالحج .
• الثالثة : من قال حج متمتعا تمتعا لم يحل منه لأجل سوق الهدي ولم يكن قارنا كما قاله أبو محمد ابن قدامة صاحب المغني وغيره .
• الرابعة : من قال حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى له سعيين .
• الخامسة : من قال حج حجا مفردا واعتمر بعده من التنعيم . 123
22. غلط في إحرام النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ خمس طوائف :
• إحداها : من قال لبى بالعمرة وحدها واستمر عليها .
• الثانية : من قال لبى بالحج وحده واستمر عليه .
• الثالثة : من قال لبى بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة وزعم أن ذلك خاص به .
• الرابعة : من قال لبى بالعمرة وحدها ثم ادخل عليها الحج في ثاني الحال .
• الخامسة : من قال أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا ثم عينه بعد إحرامه . 123
23. الصواب أنه أحرم بالحج والعمرة معا من حين أنشأ الإحرام ولم يحل حتى حل منهما جميعا فطاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا وساق الهدي كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترا يعلمه أهل الحديث والله أعلم . 124
24. فحصل الترجيح لرواية من روى القران لوجوه عشرة ـ أوصلها الشيخ إلى خمسة عشر ترجيح ـ وهي :
• احدها : أن من روى أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كان قارناً أكثر ممن روى غير ذلك .
• الثاني : أن طرق الإخبار بذلك تنوعت .
• الثالث : أن فيهم من أخبر عن سماعه ولفظه صريحا ، وفيهم من أخبر عن إخباره عن نفسه بأنه فعل ذلك ، وفيهم من اخبر عن أمر ربه له بذلك ، ولم يجىء شيء من ذلك في الإفراد .
• الرابع : تصديق روايات من روى انه اعتمر أربع عمر لها .
• الخامس : أنها صريحة لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإفراد .
• السادس : أنها متضمنة زيادة سكت عنها أهل الإفراد أو نفوها والذاكر الزائد مقدم على الساكت والمثبت مقدم على النافي .
• السابع : أن رواه الإفراد أربعة عائشة وابن عمر وجابر وابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ والأربعة رووا القران فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض وإن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه ولا اختلف كالبراء وأنس وعمر بن الخطاب وعمران بن حصين وحفصة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ وغيرهم من الصحابة .
• الثامن : انه النسك الذي امر به من ربه فلم يكن ليعدل عنه .
• التاسع : أنه النسك الذي امر بن كل من ساق الهدي فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي ثم يسوق هو الهدي ويخالفه .
• العاشر : أنه النسك الذي أمر به آله وأهل بيته واختاره لهم ولم يكن ليختار لهم إلا ما اختار لنفسه .
• حادي عشر : قوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة وهذا يقتضي أنها قد صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينها وبينه وإنما تكون مع الحج كما يكون الداخل في الشيء معه .
• ثاني عشر : قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصبي ابن معبد وقد اهل بحج وعمرة فانكر عليه زيد بن صوحان أو سلمان ابن ربيعة فقال له عمر هديت لسنة نبيك محمد (13) ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ .
• ثالث عشر : أن القارن تقع أعماله عن كل من النسكين فيقع إحرامه وطوافه وسعيه عنهما معا وذلك أكمل من وقوعه عن أحدهما وعمل كل فعل على حدة .
• رابع عشر : أن النسك الذي اشتمل على سوق الهدي أفضل بلا ريب من نسك خلا عن الهدي .
• خامس عشر : أنه قد ثبت أن التمتع أفضل من الإفراد ، والقارن السائق أفضل من متمتع لم يسق ، ومن متمتع ساق الهدي لأنه قد ساق من حين أحرم والتمتع إنما يسوق الهدي من أدنى الحل فكيف يجعل مفرد لم يسق هديا افضل من متمتع ساقه من أدنى الحل فكيف إذا جعل أفضل من قارن ساقه من الميقات وهذا بحمد الله واضح. 135
25. التمتع أفضل من القران لوجوه كثيرة منها :
انه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أمرهم بفسخ الحج إليه(14) ومحال أن ينقلهم من الفاضل إلى المفضول الذي هو دونه .
ومنها أنه تأسف على كونه لم يفعله بقوله : " لو استقبلت من امري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " . (15)
ومنها أنه أمر به كل من لم يسق الهدي .
ومنها ان الحج الذي استقر عليه فعله وفعل أصحابه القران لمن ساق الهدي والتمتع لمن لم يسق الهدي .135
26. الجواب على حديث معاوية ( أنه قص شعر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بمشقص على المروة وذلك في حجته ) (16) : هذا مما أنكره الناس على معاوية وغلطوه فيه ، فإن سائر الأحاديث الصحيحة المستفيضة من الوجوه المتعددة كلها تدل على انه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يحل من إحرامه إلا يوم النحر ، وأخبر عنه به الجم الغفير أنه لم يأخذ من شعره شيئا لا بتقصير ولا حلق ؛ وأنه بقي على إحرامه حتى حلق يوم النحر ، ولعل معاوية قصر عن رأسه في عمره الجعرانة ، فإنه كان حينئذ قد أسلم ثم نسي فظن أن ذلك كان في العشر ، وقيل هذا الإسناد إلى معاوية وقع فيه غلط وخطأ أخطأ فيه الحسن بن علي فجعله عن معمر عن ابن طاووس وإنما هو عن هشام بن حجير عن ابن طاووس وهشام ضعيف . 136
27. أهل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في مصلاه ثم ركب على ناقته وأهل أيضا ثم أهل لما استقلت به على البيداء . 158
28. ولدت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر رضي الله عنهما بذي الحليفة محمد بن ابي بكر فأمرها رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم وتهل (17) وكان في قصتها ثلاث سنن ؛ إحداها : غسل المحرم ، والثانية : أن الحائض تغتسل لإحرامها ، والثالثة : أن الإحرام يصح من الحائض . 160
29. لما وصل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ومن معه الروحاء رأى حمار وحش عقيرا فقال : " دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه إلى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أبا بكر فقسمه بين الرفاق ،(18) وفي هذا دليل على جواز أكل المحرم من صيد الحلال إذا لم يصده لأجله ، وأما كون صاحبه لم يحرم فلعله لم يمر بذي الحليفة فهو كأبي قتادة في قصته . 161
30. لما وصل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ومن معه الأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم فأمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوا . والفرق بين القصة الظبي وقصة الحمار ان الذي صاد الحمار كان حلالا فلم يمنع من أكله وهذا لم يعلم انه حلال وهم محرمون فلم يأذن لهم في أكله ووكل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه وفيه دليل على أن قتل المحرم للصيد يجعله بمنـزلة الميتة في عدم الحل إذ لو كان حلالا لم تضع ماليته .162
31. نزل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بالعرج وكانت زمالته وزمالة أبي بكر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ واحدة وكانت مع غلام لأبي بكر ، فجلس رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأبو بكر جانبه وعائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ـ إلى جانبه الآخر وأسماء زوجته إلى جانبه ، وأبو بكر ينتظر الغلام والزمالة ، إذ طلع الغلام والزمالة ، إذ طلع الغلام ليس معه بعير فقال : أين بعيرك ؟ فقال : أضللته البارحة ، فقال أبو بكر : بعير واحد تضله ؟ قال : فطفق يضربه ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يتبسم ويقول : انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع . 162
32. وقع خلاف حول ما أهداه الصعب بن جثاثة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ للنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ (19) في كون الذي اهداه حيا أو لحما فرواية من روى لحما اولى لثلاثة أوجه :
• احدها : أن راويها قد حفظها وضبط الواقعة حتى ضبطها أنه يقطر دما وهذا يدل على حفظه للقصة حتى لهذا الأمر الذي لا يؤبه له .
• الثاني : أن هذا صريح في كونه بعض الحمار وأنه لحم منه فلا يناقض قوله أهدى له حمارا بل يمكن حمله على رواية من روى لحما تسميه للحم باسم الحيوان وهذا مما لا تأباه اللغة .
• الثالث : أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه وإنما اختلفوا في ذلك البعض هل هو عجزه أو شقه أو رجله أو لحم منه . 164
33. اختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة ، وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة فحاضت ولم يمكنها الطواف قبل التعريف فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفردا ، أو تدخل الحج على العمرة وتصير قارنة ؟ فقال بالأول : فقهاء الكوفة ، منهم أبو حنيفة وأصحابه ، وبالثاني : فقهاء الحجاز ، منهم الشافعي ومالك ، وهو مذهب أهل الحديث كالإمام أحمد وأتباعه . 167
34. نصوص السنة صريحة أن عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ كانت في حج وعمرة لا في حج مفرد ، وصريحة في أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد ، وصريحة في أنها لم ترفض إحرام العمرة بل بقيت في إحرامها كما هي لم تحل منه ، وفي بعض ألفاظ الحديث : " كوني في عمرتك فعسى الله ان يرزقكيها " (20) ولا يناقض هذا قوله "دعي عمرتك "فلو كان المراد به رفضهات وتركها لما قال : " يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ" فعلم أن المراد دعي أعمالها ليس المراد به رفض إحرامها . 169
35. أما قوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ : " انقضي رأسك وامتشطي " فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيه أربعة مسالك :
• أحدها : أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية .
• المسلك الثاني : أنه دليل على انه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه .
• المسلك الثالث : تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة وقد روى حديثها طاووس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة قالوا وقد روى حماد ابن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها في الحج فقال فيه حدثني غير واحد أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قال لها دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وذكر تمام الحديث قالوا فهذا يدل على أن عروة لم يسمع هذه الزيادة من عائشة .
• المسلك الرابع : أن قوله " دعي العمرة " أي دعيها بحالها لا تخرجي منها .
36. الصواب أن عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ أحرمت بعمرة مفردة . 170
37. للناس في العمرة التي أتت بها عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ من التنعيم أربعة مسالك :
• احدها : أنها كانت زيادة تطييبا لقلبها وجبرا لها وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها وعمرتها وكانت متمتعة ثم أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة وهذا أصح الأقوال والأحاديث لا تدل على غيره .
• المسلك الثاني : أنها لما حاضت أمرها أن ترفض عمرتها وتنتقل عنها إلى حج مفرد فلما حلت من الحج أمرها أن تعتمر قضاء لعمرتها التي أحرمت بها أولا .
• المسلك الثالث : أنها لما قرنت لم يكن بد من أن تأتي بعمرة مفردة لأن عمرة القارن لا تجزىء عن عمرة الإسلام .
• المسلك الرابع : أنها كانت مفردة وإنما امتنعت من طواف القدوم لأجل الحيض واستمرت على الإفراد حتى طهرت وقضت الحج هذه العمرة هي عمرة الإسلام ، ولا يخفى ما في هذا المسلك من الضعف بل هو أضعف المسالك في الحديث . 174
38. وحديث عائشة هذا يؤخذ منه أصول عظيمة من أصول المناسك :
• أحدها : اكتفاء القارن بطواف واحد وسعي واحد
• الثاني : سقوط طواف عن الحائض كما أن حديث صفية زوج النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أصل في سقوط طواف الوداع عنها .
• الثالث : أن إدخل الحج على العمرة للحائض جائز كما يجوز للطاهر وأولى لأنها معذورة محتاجة إلى ذلك .
• الرابع : أن الحائض تفعل أفعال الحج كلها إلا أنها لا تطوف بالبيت .
• الخامس : أن التنعيم من الحل .
• السادس : جواز عمرتين في سنة واحدة بل في شهر واحد .
• السابع : أن المشروع في حق المتمتع إذا لم يأمن الفوات أن يدخل الحج على العمرة وحديث عائشة أصل فيه .
39. حاضت عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ بسرف بلا ريب ، واختلف في موضع طهرها فقيل بعرفة هكذا روى مجاهد عنها ؛ واتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضا وأنها طهرت يوم النحر وهما أقرب الناس منها . 176
40. روى عنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من أصحابه وأحاديثهم كلها صحاح ؛ وهم : عائشة وحفصة أما ألمؤمنين ، وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأسماء بنت أبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري والبراء ابن عازب وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وسبرة بن معبد الجهني وسراقة بن مالك المدلجي رضي الله عنهم . 178
41. عمر ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ لم ينه عن المتعة البتة ، وإنما قال : إن أتم لحجكم وعمرتكم أن تفصلوا بينهما ، فاختار عمر لهما أفضل الأمور وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده ، وهذا أفضل من القران والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى .209
42. أما قول من قال إن التمتع نسك مجبور بالهدي فكلام باطل من وجوه :
• أحدها : أن الهدى في التمتع عبادة مقصودة وهو من تمام النسك وهو دم شكران لادم جبران ، فإنه ما تقرب إلى الله في ذلك اليوم بمثل إراقة دم سائل .
• الوجه الثاني : أنه لو كان دم جبران لما جاز الأكل منه وقد ثبت عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنه أكل من هديه .
• الوجه الثالث : أن سبب الجبران محظور في الأصل فلا يجوز الإقدام عليه إلا لعذر فإنه إما ترك واجب أو فعل محظور والتمتع مأمور به إما أمر إيجاب عند طائفة كابن عباس وغيره أو أمر استحباب عند الأكثرين فلو كان دمه دم جبران لم يجز الإقدام على سببه بغير عذر فبطل قولهم إنه دم جبران وعلم أنه دم نسك .222
43. قال تعالى : " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ " [الحج :28] هاهنا والله أعلم أمر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر امتثالا لأمر ربه بالأكل ليعم به جميع هديه . 222
44. وذكر الطبراني أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كان إذا نظر إلى البيت قال " اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من حجة أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا " (21) ، وهو مرسل ، ولكن سمع هذا سعيد بن المسيب من عمر بن الخطاب ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ يقوله(22) . 224
45. لما دخل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ المسجد عمد إلى البيت ؛ ولم يركع تحية المسجد ؛ فإن تحية المسجد الحرام الطواف ، فلما حاذى الحجر الأسود استلمه ، ولم يزاحم عليه ، ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني ، ولم يرفع يديه .225
46. لم يقل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير كما يفعله من لا علم عنده بل هو من البدع المنكرات . 225
47. ولا حاذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجر الأسود بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على شقه ، بل استقبله واستلمه ثم أخذ عن يمينه وجعل البيت عن يساره . 225
48. لم يدع عند الباب بدعاء ولا تحت الميزاب ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ، ولا وقت للطواف ذكرا معينا لا بفعله ولا بتعليمه بل حفظ عنه بين الركنين "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" . 225
49. رمل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في طوافه هذا الثلاثة الأشواط الأول وكان يسرع في مشيه ويقارب بين خطاه ، واضطبع بردائه فجعل طرفيه على أحد كتفيه وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه .225
50. كلما حاذى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الحجر الأسود أشار إليه ، أو استلمه بمحجنه وقبل المحجن ـ والمحجن عصا محنية الرأس ـ . 225
51. ثبت عنه أنه استلم الركن اليماني ولم يثبت عنه أنه قبله ولا قبل يده عند استلامه . 225
52. روى الدارقطني عن ابن عباس كان رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه(23) وفيه عبدالله بن مسلم بن هرمز . 225
53. لما انتهى من الطواف صلى ركعتين عند المقام ، فلما فرغ من صلاته أقبل إلى الحجر الأسود . 227
54. روي عند مسلم روايتان إحداهما تدل على أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سعى راكباً والأخرى على أنه سعى ماشيا (24) ، قال ابن حزم : لا تعارض بينهما لأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه أيضا مع سائر جسده . وعندي في الجمع بينهما وجه آخر أحسن من هذا وهو : أنه سعى ماشيا أولا ثم أتم سعيه راكبا . 228
55. أما طوافه بالبيت عند قدومه فاختلف فيه هل كان على قدميه أو كان راكبا ، فذكرت عائشة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ أنه طاف على بعيره (25) وحكى جابر أنه رمل ، والرمل لا يكون إلا ماشياً وقول عائشة ـ والله أعلم ـ في طواف الإفاضة . 230
56. قال ابن حزم : ( وطاف ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعيره يخب ثلاثا ويمشي أربعا ) وهذا من أوهامه وغلطه رحمه الله فإن أحدا لم يقل هذا قط غيره ولا رواه أحد عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ البتة ، وسألت شيخنا عنه فقال : هذا من أغلاطه وهو لم يحج رحمه الله تعالى . 231
57. أقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء . 232
58. سار النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى عرفة وكان من أصحابه الملبي ومنهم المكبر وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء . 233
59. قال ابن حزم : ( وأرسلت إليه أم الفضل بنت الحارث الهلالية وهي أم عبد الله بن عباس بقدح لبن فشربه أمام الناس وهو على بعيره فلما أتم الخطبة أمر بلالا فأقام الصلاة ) (26) وهذا من وهمه رحمه الله فإن قصة شربه اللبن إنما كانت بعد هذا حين سار إلى عرفة ووقف بها هكذا جاء في الصحيحين مصرحا به عن ميمونة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا ـ أن الناس شكّوا في صيام النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يوم عرفة فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون ؛ وفي لفظ وهو واقف بعرفة . 234
60. لما أتم النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الخطبة صلى الظهر والعصر ركعتين ومعه أهل مكة وصلوا بصلاته قصرا وجمعا بلا ريب ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع ومن قال إنه قال لهم : " أتمُّوا صَلاتَكُم فإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ " (27) فقد غلط فيه غلطا بينا ووهم وهما قبيحا وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين. 234
61. أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ، وفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة وإنما التأثير لما جعله الله سببا وهو السفر هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون . 235
62. في عرفة سقط رجل من المسلمين عن راحلته وهو محرم فمات فأمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر (28) ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي وفي هذه القصة اثنا عشر حكما :
• الحكم الأول : وجوب غسل الميت لأمر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ به .
• الحكم الثاني : أنه لا ينجس بالموت لأنه لو نجس بالموت لم يزده غسله إلا نجاسة .
• الحكم الثالث : أن المشروع في حق الميت أن يغسل بماء وسدر ولا يقتصر به على الماء وحده
• الحكم الرابع : أن تغيّر الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته كما هو مذهب الجمهور وهو أنص الروايتين عن أحمد .
• الحكم الخامس : إباحة الغسل للمحرم .
63. الحكم السادس : أن المحرم غير ممنوع من الماء والسدر .
• الحكم السابع : أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين لأن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه .
• الحكم الثامن : جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين وهما إزار ورداء ، وهو الصحيح .
• الحكم التاسع : أن المحرم ممنوع من الطيب لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نهى أن يمس طيبا مع شهادته له أنه يبعث ملبيا وهذا هو الأصل في منع المحرم من الطيب .
• الحكم العاشر : أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه .
• الحكم الحادي عشر : منع المحرم من تغطية وجهه .
• الحكم الثاني عشر : بقاء الإحرام بعد الموت وأنه لا ينقطع به . 238
64. الصحيح أنه لا بأس بأن يغيب المحرم رأسه في الماء فقد فعله عمر بن الخطاب وابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ . 240
65. الصواب جواز الماء والسدر للمحرم للنص ـ أي حديث الذي وقصته الناقة ـ ولم يحرم الله ورسوله على المحرم إزالة الشعث بالاغتسال ولا قتل القمل وليس السدر من الطيب في شيء . 240
66. الصحيح أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صلى المغرب والعشاء في مزدلفة بأذان وإقامتين كما فعل بعرفة . 247
67. لم يحيي النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ليلة مزدلفة ، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء . 247
68. حديث عائشة رضي الله عنها : أرسل رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تعني عندها (29) رواه أبو داود حديث منكر أنكره الإمام أحمد وغيره ومما يدل على إنكاره أن فيه أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة وفي رواية توافيه بمكة وكان يومها فأحب أن توافيه وهذا من المحال قطعا . 249
69. الذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل من مزدلفة بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده بالنصف دليل والله أعلم . 252
70. صلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الفجر بعدما طلع في أول الوقت لا قبله قطعاً ، بأذان وإقامة ، يوم النحر ؛ وهو يوم العيد ؛ وهو يوم الحج الأكبر ، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك . 252
71. احتج من ذهب إلى أن الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركن كعرفة بحديث عروة بن مضرس ؛ وهو مذهب اثنين من الصحابة ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهما .253
72. أمر ابن عباس وهو في طريقه إلى منى أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات ، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده ولا التقطها بالليل . 254
73. لما أتى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بطن محِّسر حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر لأن الفيل حسر فيه أي أعيى وانقطع عن الذهاب إلى مكة وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير . 256
74. محِّسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما فمنى من الحرم وهي مشعر ومحسر من الحرم وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر وعرنة ليست مشعرا وهي من الحل وعرفة حل ومشعر . 256
75. لما أتى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ جمرة العقبة وقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة وحينئذ قطع التلبية . 256
76. رمى بلال وأسامة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ معه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظلله بثوب من الحر ، وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة وإن كانت بعده في أيام منى فلا حجة فيها وليس في الحديث بيان في أي زمن كانت والله أعلم . 257
77. كان الناس يأتون النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فمن قائل يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول " لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك " (30) وقوله سعيت قبل أن أطوف في هذا الحديث ليس بمحفوظ والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض . 259
78. ثم نحر ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى وكان عدد هذا الذي نحره عدد سني عمره ، ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما غبر من المائة ثم أمر عليا رضي الله عنه أن يتصدق بجلالها ولحومها وجلودها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها وقال نحن نعطيه من عندنا وقال من شاء اقتطع .259
79. إن قيل فكيف تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال : ( صلى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين فبات بها فلما أصبح ركب راحلته فجعل يهلل ويسبح فلما علا على البيداء لبى بهما جميعا فلما دخل مكة أمرهم أن يحلوا ونحر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بيده سبع بدن قياما وضحى بالمدينة كبشين أملحين ) . (31)
فالجواب أنه لا تعارض بين الحديثين قال أبو محمد ابن حزم : ( مخرج حديث أنس على أحد وجوه ثلاثة :
• أحدها : أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس وأنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث وستين ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا رضي الله عنه فنحر ما بقي .
• الثاني : أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ سبعا فقط بيده وشاهد جابر تمام نحره ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ للباقي فأخبر كل منهما بما رأى وشاهد .
• الثالث : أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نحر بيده منفردا سبع بدن كما قال أنس ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر عليا فأخذ بأسفلها ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر والله أعلم ) . 260
80. إن قيل كيف تصنعون بالحديث الذي وراه الإمام أحمد وأبو داود عن علي قال : ( لما نحر رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بدنه فنحر ثلاثين بيده وأمرني فنحرت سائرها )(32) ؟ . قلنا : هذا غلط انقلب على الرواي فإن الذي نحر ثلاثين هو علي فإن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ نحر سبعا بيده لم يشاهده علي ولا جابر ثم نحر ثلاثا وستين أخرى فبقي من المائة ثلاثون فنحرها علي فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ . 260
81. إن قيل فما تصنعون بحديث عبدالله بن قرط عن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر "(33) وهو اليوم الثاني . قال : وقرب لرسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بدنات خمس فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فلما وجبت جنوبها قال فتكلم بكلمة خفية لم أفهمها فقلت ما قال قال من " شاء اقتطع " (34) قيل نقبله ونصدقه فإن المائة لم تقرب إليه جملة وإنما كانت تقرب إليه أرسالا فقرب منهن إليه خمس بدنات رسلا وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقربن إليه ليبدأ بكل واحدة منهن . 261
82. إن قيل فما تصنعون بالحديث الذي في الصحيحين من حديث أبي بكرة في خطبة النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يوم النحر بمنى وقال في آخره : ( ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما وإلى جزيعة من الغنم فقسمها بيننا ) لفظه لمسلم (35) . ففي هذا أن ذبح الكبشين كان بمكة وفي حديث أنس أنه كان بالمدينة قيل في هذا أن القول قول أنس وأنه ضحى بالمدينة بكبشين أملحين أقرنين وأنه صلى العيد ثم انكفأ إلى كبشين ففصل أنس وميز بين نحره بمكة للبدن وبين نحره بالمدينة للكبشين وبين أنهما قصتان ويدل على هذا أن جميع من ذكر نحر النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بمنى إنما ذكروا أنه نحر الإبل وهو الهدي الذي ساقه وهو أفضل من نحر الغنم هناك بلا سوق وجابر قد قال في صفة حجة الوداع إنه رجع من الرمي فنحر البدن وإنما اشتبه على بعض الرواة أن قصة الكبشين كانت يوم عيد فظن أنه كان بمنى فوهم . 262
83. ذهب أبو محمد ابن حزم أنه لا هدي على القارن وأيد قوله بالحديث الذي رواه مسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة خرجنا مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ موافين لهلال ذي الحجة فكنت فيمن أهل بعمرة فخرجنا حتى قدمنا مكة فأدركني يوم عرفة وأنا حائض لم أحل من عمرتي فشكوت ذلك إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فقال : " دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ، قالت : ففعلت فلما كانت ليلة الحصبة وقد قضى الله حجنا أرسل معي عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني وخرج إلى التنعيم فأهللت بعمرة فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم " (36) وهذا مسلك فاسد تفرد به ابن حزم عن الناس والذي عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم أن القارن يلزمه الهدي كما يلزم المتمتع بل هو متمتع حقيقة في لسان الصحابة ، وأما هذا الحديث فالصحيح أن هذا الكلام الأخير من قول هشام بن عروة جاء ذلك في صحيح مسلم مصرحا به فقال حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها فذكرت الحديث وفي آخره قال عروة في ذلك إنه قضى الله حجها وعمرتها قال هشام : ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة . 263
84. قال أبو محمد ـ ابن حزم ـ : ( إن كان وكيع جعل هذا الكلام ـ أي ولم يكن في ذلك هدي ولا صيام ولا صدقة ـ لهشام فابن نمير وعبدة أدخلاه في كلام عائشة وكل منهما ثقة فوكيع نسبه إلى هشام لأنه سمع هشاما يقوله وليس قول هشام إياه بدافع أن تكون عائشة قالته فقد يروي المرء حديثا يسنده ثم يفتي به دون أن يسنده فليس شيء من هذا بمتدافع وإنما يتعلل بمثل هذا من لا ينصف ومن اتبع هواه والصحيح من ذلك أن كل ثقة فمصدق فيما نقل فإذا أضاف عبدة وابن نمير القول إلى عائشة صدقا لعدالتهما وإذا أضافه وكيع إلى هشام صدق أيضا لعدالته وكل صحيح وتكون عائشة قالته وهشام قاله ) . قلت : هذه الطريقة هي اللائقة بظاهريته وظاهرية أمثاله ممن لا فقه له في علل الأحاديث كفقه الأئمة النقاد أطباء علله وأهل العناية بها وهؤلاء لا يلتفتون إلى قول من خالفهم ممن ليس له ذوقهم ومعرفتهم بل يقطعون بخطئه بمنـزلة الصيارف النقاد الذين يميزون بين الجيد والرديء ولا يلتفتون إلى خطإ من لم يعرف ذلك ومن المعلوم أن عبدة وابن نمير لم يقولا في هذا الكلام قالت : عائشة ، وإنما أدرجاه في الحديث إدراجا يحتمل أن يكون من كلامهما أو من كلام عروة أو من هشام فجاء وكيع ففصل وميز ، ومن فصل وميز فقد حفظ واتقن ما أطلقه غيره ، نعم لو قال ابن نمير وعبدة : قالت عائشة ، وقال وكيع : قال هشام ، لساغ ما قال أبو محمد ، وكان موضع نظر وترجيح . 264
85. قول عائشة رضي الله عنها : ( طيبت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لإحرامه قبل أن يحرم ولإحلاله قبل أن يحل ) (37) دليل على أن الحلق نسك وليس بإطلاق من محظور . 270
86. أفاض ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى مكة قبل الظهر راكبا فطاف طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة وهو طواف الصدر ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب . 270
87. أتى النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ زمزم بعد أن قضى طوافه وهم يسقون فقال :" لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم " (38) فقيل هذا نسخ لنهيه عن الشرب قائما وقيل بل بيان منه أن النهي على وجه الاختيار وترك الأولى وقيل بل للحاجة وهذا أظهر . 278
88. قال ابن حزم : ( وطافت أم سلمة في ذلك اليوم على بعيرها (39) من وراء الناس وهي شاكية استأذنت النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في ذلك اليوم فأذن لها ) واحتج عليه بما رواه مسلم في صحيحه من حديث زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت شكوت إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ " والطور وكتاب مسطور " ولا يتبين أن هذا الطواف هو طواف الإفاضة لأن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يقرأ في ركعتي ذلك الطواف بالطور ولا جهر بالقراءة بالنهار بحيث تسمعه أم سلمة من وراء الناس وقد بين أبو محمد غلط من قال إنه أخره إلى الليل فأصاب في ذلك ، وقد صح من حديث عائشة أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أرسل بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت فكيف يلتئم هذا مع طوافها يوم النحر وراء الناس ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إلى جانب البيت يصلي ويقرأ في صلاته "والطور وكتاب مسطور"(40) هذا من المحال فإن هذه الصلاة والقراءة كانت في صلاة الفجر أو المغرب أو العشاء وأما أنها كانت يوم النحر ولم يكن ذلك الوقت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بمكة قطعا فهذا من وهمه ـ رحمه الله ـ . 283
89. طافت عائشة في يوم النحر طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها طوافها ذلك عن طواف الوداع ولم تودع فاستقرت سنته ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في المرأة الطاهرة إذا حاضت قبل الطواف أو قبل الوقوف أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد وإن حاضت بعد طواف الإفاضة اجتزأت به عن طواف الوداع . 284
90. مشى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ من رحله إلى الجمار ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة : " الله أكبر " ثم تقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة ثم أتى إلى الجمرة الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة فاستبطن الوادي واستعرض الجمرة فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك ، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال ولا جعلها عن يمينه واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء . 285
90. لما أكمل النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الرمي رجع من فوره ولم يقف عندها فقيل : لضيق المكان بالجبل ، وقيل : ـ وهو أصح ـ إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة إذ كان يدعو في صلبها فأما بعد الفراغ منها فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام وفي صحته نظر . وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها وعلمها الصِّديق إنما هي في صلب الصلاة وأما حديث معاذ بن جبل : " لا تنس أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" (41) فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها كدبر الحيوان ويراد به ما بعد السلام كقوله : تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة" (42) الحديث والله أعلم . 286
91. لم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل صلاة الظهر أو بعدها ؟. والذي يغلب على الظن أنه كان يرمي قبل الصلاة ثم يرجع فيصلي ، وذكر الإمام أحمد أنه كان يرمي يوم النحر راكبا وأيام منى ماشيا في ذهابه ورجوعه . 287
92. تضمنت حجته ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ست وقفات للدعاء الموقف الأول على الصفا والثاني على المروة والثالث بعرفة والرابع بمزدلفة والخامس عند الجمرة الأولى والسادس عند الجمرة الثانية . 287
93. خطب ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الناس بمنى خطبتين خطبة يوم النحر وقد تقدمت والخطبة الثانية في أوسط أيام التشريق فقيل هو ثاني يوم النحر وهو أوسطها أي خيارها واحتج من قال ذلك بحديث سراء بنت نبهان قالت سمعت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يقول : " أتدرون أي يوم هذا ؟ قالت : وهو اليوم الذي تدعون يوم الرؤوس (43) قالوا الله ورسوله أعلم قال : هذا أوسط أيام التشريق هل تدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال: هذا المشعر الحرام ثم ، قال : إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت " فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلا حتى مات ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رواه أبو داود (44) .288
94. أذن النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ للعباس والرعاة ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ ـ أن يبيتوا خارج منى (45) . وقال ابن عيينة في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما فيجوز لطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه إلى الليل فيرمون فيه ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم وإذا كان النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قد رخص لأهل السقاية وللرعاء في البيتوتة فمن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضا لا تمكنه البيتوتة سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء والله أعلم .290
95. رغبت عائشة إلى النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ في آخر لليلة من ليالي التشريق أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأ عن حجها وعمرتها فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم ففرغت من عمرتها ليلا ثم وافت المحصب مع أخيها فأتيا في جوف الليل ، فقال رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: " فَرَغْتُمَا " (46) ؟ قالت : ( نعم ) فنادى بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس ثم طاف بالبيت قبل صلاة الصبح هذا لفظ البخاري فإن قيل كيف تجمعون بين هذا وبين حديث الأسود عنها الذي في الصحيح أيضا قالت : ( خرجنا مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ولم نر إلا الحج فذكرت الحديث وفيه فلما كانت ليلة الحصبة قلت يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع أنا بحجة ، قال : " أو ما كنت طفت ليالي قدمنا مكة " قالت : ( قلت لا ) قال : " فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة ثم موعدك مكان كذا وكذا " قالت عائشة : فلقيني رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها)(47) ففي هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق وفي الأول أنه انتظرها في منزله فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه ثم فيه إشكال آخر وهو قولها لقيني وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو بالعكس فإن كان الأول فيكون قد لقيها مصعدا منها راجعا إلى المدينة وهي منهبطة عليها للعمرة وهذا ينافي انتظاره لها بالمحصب .
قال أبو محمد بن حزم : الصواب الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت إلى العمرة وانتظرها رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حتى جاءت ثم نهض إلى طواف الوداع فلقيها منصرفة إلى المحصب عن مكة . وهذا لا يصح فإنها قالت وهو منهبط منها وهذا يقتضي أن يكون بعد المحصب والخروج من مكة فكيف يقول أبو محمد إنه نهض إلى طواف الوداع وهو منهبط من مكة هذا محال . وأبو محمد لم يحج ، وحديث القاسم عنها صريح كما تقدم في أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ انتظرها في منزله بعد النفر حتى جاءت فارتحل وأذن في الناس بالرحيل فإن كان حديث الأسود هذا محفوظا فصوابه لقيني رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها فإنها طافت وقضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع فارتحل وأذن في الناس بالرحيل ولا وجه لحديث الأسود غير هذا . وذكر أبو محمد في بعض تآليفه أنه فعل ذلك ليكون كالمحلق على مكة بدائرة في دخوله وخروجه فإنه بات بذي طوى ثم دخل من أعلى مكة ثم خرج من أسفلها ثم رجع إلى المحصب ويكون هذا الرجوع من يماني مكة حتى تحصل الدائرة فإنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لما جاء نزل بذي طوى ثم أتى مكة من كداء ثم نزل به لما فرغ من الطواف ثم لما فرغ من جميع النسك نزل به ثم خرج من أسفل مكة وأخذ من يمينها حتى أتى المحصب ويحمل أمره بالرحيل ثانيا على أنه لقي في رجوعه ذلك إلى المحصب قوما لم يرحلوا فأمرهم بالرحيل وتوجه من فوره ذلك إلى المدينة .
ولقد شان أبو محمد نفسه وكتابه بهذا الهذيان البارد السمج الذي يُضحَكُ منه ولولا التنبيه على أغلاط من غلط عليه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لرغبنا عن ذكر مثل هذا الكلام والذي كأنك تراه من فعله أنه نزل بالمحصب وصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض إلى مكة وطاف بها طواف الوداع ليلا ثم خرج من أسفلها إلى المدينة ولم يرجع إلى المحصب ولا دار دائرة ففي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت وطاف به وفي الصحيحين عن عائشة خرجنا مع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وذكرت الحديث ثم قالت حين قضى الله الحج ونفرنا من منى فنزلنا بالمحصب فدعا عبدالرحمن بن أبي بكر فقال : " له اخرج بأختك من الحرم ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب "(48) قالت : ( فقضى الله العمرة وفرغنا من طوافنا في جوف الليل ) فأتيناه بالمحصب ، فقال : " فرغتما " قلنا : ( نعم ) فأذن في الناس بالرحيل فمر بالبيت فطاف به ثم ارتحل متوجها إلى المدينة .
فهذا من أصح حديث على وجه الأرض وأدله على فساد ما ذكره ابن حزم وغيره من تلك التقديرات التي لم يقع شيء منها ودليل على أن حديث الأسود غير محفوظ وإن كان محفوظا فلا وجه له غير ما ذكرنا وبالله التوفيق . 290
96. وقد جمع بين الحديثين السابقين بجمعين آخرين وهما وهم ، أحدهما : أنه طاف للوداع مرتين مرة بعد أن بعثها وقبل فراغها ومرة بعد فراغها للوداع وهذا مع أنه وهم بيّن فإنه لا يرفع الإشكال بل يزيده فتأمله . الثاني : أنه انتقل من المحصب إلى ظهر العقبة خوف المشقة على المسلمين في التحصيب فلقيته وهي منهبطة إلى مكة وهو مصعد إلى العقبة وهذا أقبح من الأول لأنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يخرج من العقبة أصلا وإنما خرج من أسفل مكة من الثنية السفلى بالاتفاق وأيضا فعلى تقدير ذلك لا يحصل الجمع بين الحديثين ، وذكر أبو محمد بن حزم أنه رجع بعد خروجه من أسفل مكة إلى المحصب وأمر بالرحيل وهذا وهم أيضا لم يرجع رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بعد وداعه إلى المحصب وإنما مر من فوره إلى المدينة . 292
97. ها هنا ثلاث مسائل هل دخل رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ البيت في حجته أم لا ؟ وهل وقف في الملتزم بعد الوداع أم لا ؟ وهل صلى الصبح ليلة الوداع بمكة أو خارجا منها ؟
فأما المسألة الأولى : فزعم كثير من الفقهاء وغيرهم أنه دخل البيت في حجته ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج اقتداء بالنبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخل البيت في حجته ولا في عمرته وإنما دخله عام الفتح . وقيل كان هنالك دخولين صلى في أحدهما ولم يصل في الآخر وهذه طريقة ضعفاء النقد كلما رأوا اختلاف لفظ جعلوه قصة أخرى كما جعلوا الإسراء مرارا لاختلاف ألفاظه وجعلوا اشتراءه من جابر بعيره مرارا لاختلاف ألفاظه وجعلوا طواف الوداع مرتين لاختلاف سياقه ونظائر ذلك ، وأما الجهابذة النقاد فيرغبون عن هذه الطريقة ولا يجبنون عن تغليط من ليس معصوما من الغلط ونسبته إلى الوهم ، قال البخاري وغيره من الأئمة : والقول قول بلال لأنه مثبت شاهد صلاته بخلاف ابن عباس ، والمقصود أن دخوله البيت إنما كان في غزوة الفتح لا في حجه ولا عمره .
وأما المسألة الثانية : وهي وقوفه في الملتزم فالذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح ففي سنن أبي داود عن عبدالرحمن بن أبي صفوان قال : لما فتح رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مكة انطلقت فرأيت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وسطهم ) (49) وروى أبو داود أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : (طفت مع عبدالله فلما حاذى دبر الكعبة ، قلت : ألا تتعوذ قال نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه هكذا وبسطهما بسطا وقال هكذا رأيت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يفعله) (50) فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع وأن يكون في غيره ، ولكن قال مجاهد والشافعي بعده وغيرهما : إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ويدعو وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلتزم ما بين الركن والباب وكان يقول : (لا يلتزم ما بينهما أحد يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه ) والله أعلم .
وأما المسألة الثالثة : وهي موضع صلاته ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صلاة الصبح صبيحة ليلة الوداع ففي الصحيحين عن أم سلمة قالت : ( شكوت إلى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أني أشتكي فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حينئذ يصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بسورة الطور ) (51) فهذا يحتمل أن يكون في الفجر وفي غيرها وأن يكون في طواف الوداع وغيره فنظرنا في ذلك فإذا البخاري قد روى في صحيحه في هذه القصة أنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج فقال لها رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ " إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون " ففعلت ذلك فلم تصل حتى خرجت وهذا محال قطعا أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب فظهر أنه صلى الصبح يومئذ عند البيت وسمعته أم سلمة يقرأ فيها بالطور .299
98. الهدايا والضحايا والعقيقة مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام ولم يعرف عنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ولاعن الصحابة هدي ولا اضحية ولا عقيقة من غيرها . 312
99. كان ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم عليه شيء كان منه حلالا . 313
100. كان ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إذا اهدى الابل قلدها وأشعرها فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم . 312
101. كان ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إذا بعث بهديه أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحره ثم يصبغ نعله في دمه ثم يجعله على صفحته ولا يأكل منه هو ولا أحد من اهل رفقته ثم يقسم لحمه ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة فإنه لعله ربما قصر في حفظه ليشارف العطب فينحره ويأكل منه فإذا علم أنه لا يأكل منه شيئا اجتهد في حفظه . 312
102. أباح ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج إليه حتى يجد ظهرا غيره وقال رضي الله عنه يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها . 312
103. أباح ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا منها ونهاهم مرة ان يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام من الناس فأحب ان يوسعوا عليهم . 314
104. كان من هديه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذبح هدي العمرة عند المروة وهدي القران بمنى وكذلك كان ابن عمر يفعل ولم ينحر هديه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قط إلا بعد أن حل ولم ينحره قبل يوم النحر ولا أحد من الصحابة البتة ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي فهي أربعة أمور مرتبة يوم النحر اولها الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف وهكذا رتبها ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة ولا ريب أن ذلك مخالف لهديه فحكمه حكم الأضحية إذا ذبحت قبل طلوع الشمس . 315
105. إنه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لم يكن يدع الاضحية وكان يضحي بكبشين وكان ينحرهما بعد صلاة العيد وأخبر أن من ذبح قبل الصلاة فليس من النسك في شيء وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي دلت عليه سنته وهديه لا الاعتبار بوقت الصلاة والخطبة بل بنفس فعلها وهذا هو الذي ندين الله به وامرهم ان يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه وهي المسنة . 317
106. أما نهيه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فلا يدل على ان ايام الذبح ثلاثة فقط لأن الحديث دليل على نهي الذابح أن يدخر شيئا فوق ثلاثة أيام من يوم ذبحه فلو اخر الذبح إلى اليوم الثالث لجاز له الادخار وقت النهي ما بينه وبين ثلاثة أيام . 318
107. من هديه ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أن من اراد التضحية ودخل يوم العشر فلا يأخذ من شعره وبشره شيئا ثبت النهي عن ذلك في صحيح مسلم (52) وأما الدارقطني فقال : الصحيح عندي أنه موقوف على أمِّ سلمة . 320

تم المقصود من زاد المعاد

تابع : اختيارات الحج من حاشية ابن القيم على سنن أبي داود

-------------------------
([1])البخاري (1781) ومسلم (1783)
([2])ابن ماجه (3051) (3052) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة
([3])البخاري(1778) ومسلم(1253)
([4])البخاري (1776) ومسلم (1255)
([5]) السابق
([6])النسائي(1456)والدارقطني (2|188) وضعفه ابن حجر في التلخيص (2|549)
([7]) البخاري (1783) مسلم (1211)
([8]) مسلم ( 2127)
([9]) مسلم (1211)
([10])مسلم (1211)
([11])الترمذي (815) وضعفه البخاري
([12])البخاري (1699) ومسلم (1321)
([13])ابن ماجه (2970) والنسائي (5|146) وصححه ابن خزيمة
([14])البخاري (1561) ومسلم (1211) عن عائشة
([15]) البخاري (1785) ومسلم (1216)
([16]) مسلم (1246)
([17])مسلم(1218)
([18])الموطأ(1|351) والنسائي (5|183) وصححه ابن حبان
([19])البخاري (1825 ) ومسلم (1193)
([20]) البخاري (1788) ومسلم (1211)
([21])الطبراني في الكبير (3|181) والأوسط (6|183) وإسناده لا يصح انظر المجمع (3|238)
([22])البيهقي (5|73) عن عمر ، وفي إسناده حميد بن يعقوب وثقه ابن حبان ولم يعرفه يحيى ابن معين ، و قال المحقق : سنده حسن .
([23])الدارقطني (2|290) وإسناده ضعيف انظر المجمع (3|241)
([24])مسلم (1218)
([25])مسلم (1274)
([26])البخاري(5604) ومسلم (1123)
([27])أبو داود (1229) والترمذي (545) مالك (349) وانظر التلخيص (2|482) رقم : 1040قال المنذري : ( وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة وقال بعضهم : هو حديث لا تقوم به الحجة لكثرة اضطرابه ) التلخيص .
([28])البخاري (1265) ومسلم (93)
([29])أبو داود (1942) إسناده ضعيف ضعفه الألباني .
([30])البخاري(1721) ومسلم (1307)
([31])البخاري(1089) ومسلم (690)
([32])أحمد (2359) وابو داود (1764) وإسناده منكر كما ذكر العلامة الألباني ـ رحمه الله ـ .
([33])أبو داود (1765) وإسناده صححه الألباني ـ رحمه الله ـ .
([34])أبو داود (1765) وإسناده صححه الألباني ـ رحمه الله ـ .
([35])البخاري(67)ومسلم(1697)
([36])مسلم (1211)
([37])البخاري (5922) ومسلم (1198)
([38])مسلم (1218)
([39])البخاري (1619) ومسلم (1276)
([40])البخاري (1619) ومسلم (1276)
([41])أبوداود (1522)والنسائي(1303) وصححه ابن خزيمة
([42])البخاري(843) ومسلم (595)
([43])  سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي .
([44])أصل الحديث في البخاري (1741) ومسلم (1679) وأبو داود (1953) ، ولم يروه أبو داود بطوله ، وإنما رواه البيهقي في سننه . قال المحقق : ( في سند أبي داود ربيعة بن عبدالرحمن بن حصين الغنوي لم يوثقه غير ابن حبان ، وباقي رجاله ثقات ، وله شاهد عند أبي داود بسند جيد رقم : (1952).
([45])قال ابن حجر في التلخيص (3|897) : مالك والشافعي وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم . وإسناده صحيح صححه الألباني
([46])البخاري (1788) ومسلم (1211)
([47])البخاري (1788) ومسلم (1211)
([48])البخاري (1788) ومسلم (1211)
([49])أبو داود (1898)و إسناده ضعفه الألباني
([50])أبو داود (1899) إسناده ضعفه الألباني
([51])البخاري(1619) ومسلم (1276)
([52])مسلم(1977)

 

مختارات الحج

  • صفة الحج
  • يوميات حاج
  • أفكار الدعوية
  • رسائل للحجيج
  • المرأة والحج
  • المختارات الفقهية
  • أخطاء الحجيج
  • كتب وشروحات
  • عشرة ذي الحجة
  • فتاوى الحج
  • مسائل فقهية
  • منوعات
  • صحتك في الحج
  • أحكام الأضحية
  • العروض الدعوية
  • وقفات مع العيد
  • مواقع الحج
  • الرئيسية