رحيل هادئ

رحيل هادئ

فهد بن محمد الهاجري

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
طبت حياً وميتاً يا محمد بن دخيّل أرثيك من داخل روحي . محمد أكثر من كونه ولد أخوي، محمد اخوي ورفيقي وصديقي، وبيني وبينه ذكريات ومواقف وحياة لا تُنسى . نحن الأربعة من نفس الجيل، أنا وفالح ومحمد وأخوي مرعي . الطفولة والشباب مع بعض، قضيناها في نفس البيت، الشقة مقابل الشقة في بيت الثفبة . لكن الخصوصية التي تربطني بمحمد غير، لها طابع خاص، أتشارك أنا وإياه ذات الاهتمامات ( حب القراءة، تطوير الذات، رسم الخطط والأهداف لحياتنا ) . أول شي سوّاه في بيته الجديد - مكتبة منزلية - ولأنه يعرفني أحب القراءة فهو دائماً يحاورني عن هذا العالم . " يا عم.. تسمح لي نأخذ جولة في مكتبتي، تجولنا فيها ولساني لم يتوقف عن المباركة والإعجاب، فجأة لفت نظري كتاب "قراءة القراءة " لفهد الحمود، سحبته من الرف وأخذت أتصفحه، قال لي مباشرة: " خذه ياعم اقراه تراه حلالك " . وأنا على باله حتى في أسفاره، مرة من المرات سافر إلى دبي في رحلة عمل، رجع من السفر وهو يحمل معه كتاب لي .. "رؤيتي " للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم " وكان هذا الكتاب من الكتب الذي أحدث تحولات في حياتي، فأول مرة أسمع عن مصطلحات الريادة / المأسسة / الرؤية / الشغف، ولا زالت قناعات ذلك الكتاب عالقة في ذهني . فهمت معنى المأسسة جيداً، لكي يستمر عملك عليك أن تُمأسِسَه، أن تحوله ‏لعمل مؤسسي . محمد كان له الفضل - بعد الله - على تعرفي على هذا الكتاب .‏في 2012 م كان لي موقف آخر معه، فبعد صدور كتاب " مفكرتي " بشهر تقريباً، جاءني اتصال منه، "ياعم.. تقهوى عندي العصر " ، ولأني أحبه وأحب الجلوس معه وافقت مباشرة . ومن لحظة دخولي مجلسه، قصدي صالة العرض التي أقامها في مجلسه، بدأت الاحتفالية. فعلى الطاولة هناك، كيكة تغطيها صورة الغلاف بالكامل، وكأنها كتاب حقيقي، وحولها أكواب العصير الأنيقة من شتى النكهات، أكواب كرستالية توحي بالفخامة .قال رحمه الله " تفضل ياعم.. يا مرحبا.. يا مرحبا.. هذي حفلة بسيطة بمناسبة صدور كتابك الجديد " .بنقطع الكيكة ثم بننتقل للمنصة هناك، وهو يشير بيده إلى صدر المجلس ، التفت وإذا بالمفاجأة " راح لمكتبة جرير، اشترى كرتون من نسخ الكتاب، وصفّها على شكل لولبي على طاولة مستديرة تتوسطها الورود الطبيعية ، وكرسي أنيق، وقلم أنيق أيضاً- قلم باهض الثمن أهداني إياه بعد ذلك ( منصة حفل توقيع كتاب في قلب مجلسه ) . صف بناته الأربع أمامي وقال : تفضل يا عم وقّع لهم نسخ من كتابك . كان الجميع بكامل أناقتهم، الأب - البنات - الأبناء الصغار ، مناسبة رسمية بامتياز . عصرية لاتُنسى.. وكلما جاءت مناسبة ذكّرته بهذا الموقف وبالتصرف الجميل منه ، وكان رده علي في كل مرة: " تستاهل يا عم.. تستاهل يا عم.. أقل شي نقدمه لك، عمي الكاتب، ليه ما أحتفي فيه " . هذا ما جعلني أتمسك بمحمد، أتمسك بصداقته وحبه، وهذا ما جعلني أكتب عنه اليوم ، صداقة القرابة لا تعدلها صداقة . رحيل هادئ، كطبيعتك الهادئة . أسأل الله أن تكون من أهل الفردوس الأعلى .


18/ 11/ 1447هـ
5 / 5/ 2026 م
فهد بن محمد الهاجري
الظهران