في صغري سنحت لي الفرصة لأرى كيف يمكن للاختلاف في التفكير بين قائدين أن
يتسبب في اختلاف شاسع في أداء اتباعهما .
" كنت أذهب إلى مدرسة إبتدائية في قريتي : مكونة من ثمانية صفوف دراسية .
ومعلمة واحدة ، وأربعين تلميذا مكدسين جميعا بين جدران أربعة . كانت أى
معلمة جديدة تواجه مشكلة كبيرة في التعامل معنا ، حيث كان هَمْ التلاميذ
الاكبر ، بقيادة الأولاد الأكبر سنا ، تلاميذ الصفين السابع والثامن ،
هو تحويل حياة المعلمة الجديدة إلى جحيم ".
في سنة معينة كانت الفوضى تعم المكان ، حيث كثرت مشاغبات ومشاحنات التلاميذ
وما يتخللها من البصاق على بعضهم البعض وتقاذف الطائرات الورقية . كما كانت
هناك أيضا الأحداث الاكثر جسامة مثل حبس المعلمة خارج المدرسة لنصف اليوم
ذات مرة ، وعمل العكس مرة أخرى ، حيث أغلقوا عليها الفصل من الخارج لساعات
. وفي يوم آخر قرر طلاب الصفوف المتقدمة أن يصطحبوا كلابهم إلى المدرسة .
دعني أوضح لك أن هؤلاء التلاميذ لم يكونوا من الأحداث ، حيث لم يكن من
شيمتهم السرقة أو إلحاق الضرر المتعمد بأحد أو العنف الجسدي . بل كانوا
أطفالا أصحاء إعتادوا حياة الريف القاسية وكانوا يبحثون عن متنفس لطاقاتهم
وإبداعاتهم المتفجرة .
حسنا بطريقة ما استطاعت المعلمة إكمال العام الدراسي ، ولم يكن مدعاة
للدهشة أن نحظى بمعلمة جديدة العام التالي .
تمكنت المعلمة الثانية من جعل التلاميذ يؤدون بصورة مختلفة تماما . لقد
عملت على إذكاء فخرهم بذواتهم وإحساسهم بالإنجاز . لقد شجعتهم على تنمية
القدرة على الحكم على الأمور . لقد أعطت كل تلميذ مسئولية محددة مثل غسيل
السبورة أو تنظيف المماحي أو تصحيح أوراق إجابات التلاميذ الآخرين الأصغر
عمرا . لقد وجدت المعلمة الجديدة طرقا إبداعية لإستغلال تلك الطاقة التي
كان يساء استغلالها منذ أشهر قلائل . كان برنامجها التعليمي مبنيا على بناء
الشخصية .
لم كان التلاميذ يتصرفون كالشياطين الصغار في عام ، وكالملائكة في عام آخر
؟ إن الإختلاف يكمن في القائد ، معلمتهم . وبكل صراحة ، لايمكننا لوم
التلاميذ على مشاغباتهم طيلة عام دراسي كامل . ففي كلتا الحالتين كانت
المعلمة هي المسئولة عن سلوكهم .
فالمعلمة الأولى لم تكن في أعماقها تهتم بما إذا كان التلاميذ يتقدمون أم
لا . إنها لم تضع أيه أهداف للتلاميذ ، ولم تشجعهم . إنها لم تستطع السيطرة
على أعصابها . إنها لم تحب التدريس ، لذا لم يحب التلاميذ التعلم .
لكن المعلمة الأخرى كان لها معايير إيجابية عالية . لقد أحبت الأطفال من
أعماق قلبها وأرادت أن تشاهدهم وهم يحققون الإنجازات . لقد كانت تنظر لكل
واحد منهم بوصفه شخصا متفردا . لقد حصلت على الإنضباط بسهولة وذلك لأنها هي
نفسها كانت منضبطة في داخلها .
شاركوني أراؤكم وقصصكم :
fmh0021@gmail.com
09/01/1448هـ
24/06/2026 م