حين يُطفئ الداعية سِراجَه بيده: تأملات في الانسحاب الهادئ من
ميادين الهداية
حين يُطفئ الداعية
سِراجَه بيده: تأملات في الانسحاب الهادئ من ميادين الهداية
د. عبدالله بن معيوف الجعيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الدعوة حياةً لا تُعاش باللسان وحده، والصلاة والسلام
على من كان كلامه نورًا، وصمته هداية، وهمّه رحمة.
كانت الدعوة يومًا في قلب الداعية كالسراج المضيء:
يتقد من الداخل، ويمتد نوره في الخارج.
ولم يكن الناس يأتون إليه لجمال عبارته فقط، بل لحرارة الإيمان التي تتغلغل
من بين كلماته.
لكن السراج، مهما كان قويًا، قد يبهت إذا غفل صاحبه عن زيته… وهكذا ينسحب
الداعية أحيانًا من الميدان، لا بخطواتٍ تُرى، بل بإهمال الزيت الذي كان
يغذي نور قلبه.
البداية: شرخٌ صغير لا يراه أحد
كل انسحاب روحي يبدأ من مكانٍ لا يطّلع عليه إلا الله.
لحظةٌ يغيب فيها الخشوع الذي كان يفتح الباب، ولحظةٌ يُؤجل فيها الذِّكر
الذي كان ينعش الروح، ولحظةٌ تُستبدل فيها حرارة الإخلاص ببرود الأداء.
ومثلما لا يسقط الجدار دفعةً واحدة…
لا يسقط الداعية فجأة.
بل تتكاثر الشقوق الصغيرة:
انشغال، فتور، ضيقٌ من الناس، ثِقلٌ في الهمة… حتى يصحو فيجد نفسه واقفًا
عند أطراف الطريق، بعدما كان يومًا يمشي في قلبه.
علامات الانطفاء: حضورٌ يشبه الغياب
بعض الدعاة تغيب خطواتهم دون أن يغيب ظلّهم، يُرى في المجالس، ويُسمَع في
اللقاءات، ويُذكَر في المناسبات… لكن شيئًا في عينه لم يعد يلمع كما كان،
وشيئًا في صوته لم يعد يحمل الرجاء الذي كان يُنسي الناس آلامهم.
كأن الدعوة أصبحت ثوبًا يرتديه لا روحًا تسكنه.
وكأن القلب الذي كان يشتعل من أجل الآخرين، صار يبحث عن حرارةٍ تُشعله هو،
فلا يجد.
الناس قد لا يلحظون التغير…
لكن القلب يعلم تمامًا أنه أصبح يتكلم أكثر مما يؤثر، ويحضر أكثر مما يحيي.
السبب الأعمق: حين يجفّ النهر من المنبع
الدعوة ليست مهارة، ولا حرفة، ولا دورًا اجتماعيًا.
هي نهرٌ يفيض من علاقة العبد بربه.
فإذا جفّ المنبع، بقي مجرى النهر رسمًا بلا ماء.
قد يُلام الداعية الظروف، أو الناس، أو المرحلة… لكن الحقيقة أن الجفاف
يبدأ حين ينسى الداعية أن الزيت الذي يُنير سراج الدعوة هو إخلاص السرّ،
وخلوة الليل، وصدق الطلب.
فما ضعفت دعوةٌ كان سندها الله،
وما ذبل قلبٌ كان رُكنه المحراب،
وما فقد الداعية أثره إلا حين فقد علاقته بربه.
لحظة المواجهة: هل ما زال النور يفيض؟
يحتاج الداعية أحيانًا إلى أن يقف أمام نفسه وقفة شجاعة:
هل ما زال الطريق طريقًا؟
هل ما زالت الكلمات تعبر من القلب إلى القلب، أم أنها لم تعد تخرج من القلب
أصلًا؟ هل ما زالت الدعوة نافذة إلى الآخرة، أم أصبحت نافذةً إلى الناس
فحسب؟
إن أخطر أنواع الغياب،
أن يكون الإنسان غائبًا وهو في مقعده،
وأن يكون قلبه مستقيلاً بينما لسانه يعمل.
هذا النوع من الغياب لا يُرى…
لكنّه يمحو أثرًا كان الله قد كتبه له في حياة الناس.
طريق العودة: إحياء السراج قبل إصلاح الطريق
العودة إلى الميدان ليست في زيادة الأنشطة ولا في تعدد البرامج، بل في
إحياء السراج الذي بداخل القلب:
• العودة إلى اللحظة التي قال فيها الداعية
أول مرة: “يا رب اجعلني سببًا لهداية أحدٍ إليك.”
• العودة إلى وضوءٍ طويل، وسجدةٍ صادقة،
ودمعةٍ تُنقي القلب من شوائب الدنيا.
• العودة إلى القرآن، لا كمنهج فقط، بل كصوتٍ
يخاطب الروح.
• العودة إلى الصحبة التي تبعث الحياة، لا
التي ترسل التبريرات.
وحين يعود القلب إلى الله،
يعود الضوء إلى السراج،
ويعود السراج إلى الطريق،
ويعود الطريق إلى الناس.
الخاتمة: لا تجعل نورك يذبل وأنت لا تشعر
قد يُنسى الداعية من منصب، وقد يُهمَّش من لجنة، لكن هذه خسارات دنياوية
يمكن تجاوزها.
أما الخسارة الكبرى…
فهي أن ينسحب من مقام البلاغ عن الله وهو ما زال يظن أنه فيه.
أن يظن أن النور باقٍ، بينما لم يبق منه إلا أثرٌ قديم.
الدعوة ليست مرحلة تُطوى، ولا عملاً يُنهى، إنها نفَسٌ يخرج من قلبٍ يرى
الله قبل أن يرى الناس.
فاحفظ نفَسك من الانطفاء،
واحفظ سراجك من الذبول،
فإن القلوب التي أضاءها الله مرة… تستحق ألا تُطفئها بيدك.