أودى الزلزال المُدمّر الذي ضرب القارة الأم آسيا بحياة عشرات الألوف من القتلى ،
وأضعافهم من المفقودين ، والمنكوبين ، فضلاً عن الفيضانات الجارفة التي أغرقت
الأخضر واليابس ، وأبادت قرى بأكملها !!!
ولا تزال أرقام الخسائر البشرية والمادية تتوالى القفز إلى أعلى على مدار
الساعة ، أما حقيقة الأوضاع فتلك لا يعلمها إلا الله تعالى ، ولنا إزاء هذا
الحادث المهيب عدة وقفات .
الوقفة الأولى .
القدرة الربانية الخارقة ، فقد أنبأ الله تعالى في مواضيع كثيرة من كتابه
العزيز عن آيات انتقامه ، وأفعاله القاصمة للظهور ، فقد أغرق قوم نوح بطوفان لا
مثيل له !!
وسلط الريح العقيم على قوم عاد فعتت بديارهم فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز
نخل خاوية !!
وأرسل الصيحة على قوم ثمود فدوت في أجوافهم فخلعت قلوبهم ،وأسكتت أنفاسهم ،
ورفع القرى اللوطية إلى عنان السماء ثم ألقي بها على الأرض رأساً على عقب
واتبعوا بحجارة من سجيل لا تخطئ رؤوسهم المهشمة ، وأشلائهم الممزقة .
إنها إذاً دلائل واضحات ، وبراهين بينات تتجلى من خلالها العظمة الربانية ،
والقدرة الإلهية التي لا يقوم لها شيء ولا يقف في وجهها أحد !!
إن زلزال آسيا المُدمّر تم في لحظات تحسب بأجزاء الثانية فأحدث ما ترى مما يشيب
له الولدان ، وترتجف له الركب !! فكيف لو استمر دقيقة كاملة فضلاً عن ساعة أو
بعض ساعة ، لا شك أن آسيا إن لم يكن العالم كله ستتحول إلى أكوام من الحطام
والأشلاء ؛ بحيث يستحيل وجود أثر للحياة أو أي معنى للحضارة الإنسانية !!
فهل يتدبر المخدوعون بقوة الغرب هذه الأحداث الكونية الرهيبة ، ويوقنون أن
حضارة الغرب وقدراته المزعومة ، هي قدرات من سراب ، وبلاقع من يباب !!
إن الله تعالى الذي أمر الأرض أن تهتز في الشرق فإذا بالأرض غير الأرض ، هلاكاً
ودماراً وفناءً جماعياً للبشر والحيوانات ، والثروات ، قادر سبحانه أن يأمر
الأرض فتهتز في الغرب فتصبح أوربا المترفة ، وأمريكا المتغطرسة قاعاً صفصفاً لا
ترى فيها عوجاً ولا أمتاً !!
بل إن الكارثة لو حصلت في الغرب لكانت فواجع حقيقية لا ينقضي منها العجب ! ذلك
أن حجم المدنية هناك أكثر تعقيداً وأوسع إنفاقاً ، فالمصانع الهائلة، ومحطات
الكهرباء الضخمة، والمواني الكبيرة ، والمباني الحديثة ، وناطحات السحاب
العملاقة ،فضلاً عن مستودعات الأسلحة النووية والتقليدية ، ومعامل البحوث
الحساسة كل هذه وغيرها قابلة لزيادة حجم الدمار والارتقاء به إلى أعلى
مستوياته.
إننا على يقين أن غطرسة الغرب ، وأشره وبطره قابل للانكسار المهين ، والانكشاف
الذليل ، والسقوط الذريع بالضربة القاصمة متى تحركت جنود الله الغالبة وآياته
الباهرة .
فإذا كان الغرب الخبيث عاجزاً عن التنبؤ بتوقيت الزلزال أو تحديد موقعه ، فهل
يمكن مقاومة الزلزال أو كبح جماحه ؟!
وما يدرينا لعل قنوات البث الفضائية تنقل للعالم عما قريب بقايا الناجين في
واشنطن أو لندن أو روما ، وقد أمرت أفقرُ دول العالم ( بنقلاديش ) بإرسال كومة
من ( القش ) مساعدة إنسانية للرجل الأبيض المغرور !!
الوقفة الثانية : نفاق الغرب .
أعلنت بعض دول العالم استعدادها لبعث مساعدات إنسانية عاجلة لمصلحة المنكوبين
في منطقة الزلزال !! وكان من ضمن ( أرقاء القلوب ) هؤلاء روسيا وأمريكا وبعض
دول الإتحاد الأوربي !!
ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري وغيره : ( إنّ مما
أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ، إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) .
وهذا الحديث يتجلى بوضوح ويتضح بجلاء في صنع هؤلاء الكفرة المجرمين ، فإن ما
فعلته روسيا وتفعله حتى الآن في أرض القوقاز المسلمة ، وما خلفته من الدمار
والهلاك في بلاد الشيشان ، يفوق مرات عديدة ما آلت إليه الأوضاع في منطقة
الزلزال الحالية !
وعلى سبيل المثال فإن مدينة ( غروزني ) عاصمة الشيشان قد دمرت بما نسبته 90%
بفعل عشرات الألوف من القذائف والقنابل على يد ( رقيقة القلب ) روسيا الحمراء
!!
وأما شريكتها في ( الرقة والنعومة !!) أمريكا فقد أحالت أفغانستان والعراق إلى
حالة غير مسبوقة من الجحيم والدمار الشامل !!
( فأم القنابل !! وحاويات القنابلية ) وكل القنابل المحرمة والمباحة قد انهمرت
بغزارة فوق رؤوس الموحدين في أفغانستان والعراق ولا تزال تنهمر مخلفة ما لم
تخلفه عشرات الزلازل الكونية المهيبة فأي نفاق أكثر من هذا أيها الناس ؟ !
إن هذه ( الرحمة ) المصطنعة التي كثيراً ما تخادع بها الدول الصليبية العالم لا
يمكن أن تنطلي إلا على السذج والحمقى !
أما العقلاء والفضلاء فهم يدركون حقيقة هذه ( الشهامة ! ) المفتراة ، وأنها ما
هي إلا صفاقة وجه لتحسين الصورة المشوهة التي انطبعت للأبد في مخيلة جمهور
الناس في أصقاع المعمورة !!
الوقفة الأخيرة :
ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة (( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) (الانبياء: من الآية35) .
إن الله تعالى حين قص علينا إهلاكه قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم في سورة (الذاريات
) أعقب كل قصة بقوله : (( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ)) (القمر:17) .
أي هل من متعظ ومتفكر في أسباب هلاك أولئك المكذبين ليتجنبها ويحذرها ؟
وما أصاب هؤلاء المنكوبين في الأقطار الآسوية من جراء الزلازل الرهيبة
والفيضانات العارمة إنما هي بسبب تيار الإلحاد العاصف الذي قوّض صروح الفطرة
السوية لدى شعوب المنطقة فانتشر الشرك بأبشع صوره ، وعم الكفر بأسوأ مظاهره ،
وشاعت الإباحية والفجور وبلغت حداً لا نظير له في تاريخ البشرية جمعاء!!
ويخطئ من يتصور أن طبيعة الأرض وخصائصها الجيولوجية هي الباعث الرئيس لتلك
الزلازل بين الفينة والأخرى ! فالزلزال الذي ضرب مدينة (الأصنام) الجزائرية
فقتل الآلاف، والزلزال الذي حطم عدداً من المدن الإيرانية فأصبحوا جيفاً منتةً
، والزلزال الذي دكّ بعض مدن اليمن قبل أعوام كلها زلازل واقعة خارج نطاق منطقة
الزلازل التي حددها الجغرافيون والجيولوجيون رجماً بالغيب !! مما يدل على أن
إرادة الله هي وحدها التي تحدد مكان وزمان الكارثة ، وكل بلد ، وكل صقع من
الأرض مؤهل بجدارة لأن يكون الضحية القادمة ، وليس أحدٌ ضامناَ سلامته ، ونجاته
، فلقد كان بين ضحايا آسيا مسلمون مصلون، وعصاة فاجرون ، ووثنيون خرافيون ،
وغربيون صليبيون !!
وكان فيهم فقراء ومفاليس ، كما كان منهم أغنياء وسُياح وكل يُبعث على ما مات
عليه !!
فعلى أهل الإسلام خاصة ، أفراداً وشعوباً أن يأخذوا العظة والعبرة قبل أن تحل
بساحتهم قوارع السماء وزلازل الأرض ، ولا يكون ذلك إلا بالعودة الصادقة إلى
الله وإعلان التوبة النصوح من كل ذنب وخطيئة ، إلاََّ ما أهون الخلق على الخالق
إذا هم عصوا أمره !!