|
الدعاء للوالدين ([1]) |
|
محمد بن ابراهيم بن سعود السبر |
|
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فِي الْمَحْيَا وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الدُّعَاءَ لَهُمَا عِبَادَةً وَرِفْعَةً لِلدَّرَجَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَاحِبُ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَوْجَبِ الْحُقُوقِ وَأَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ، بَعْدَ تَوْحِيدِ اللَّهِ رَبِّ الْبَرِيَّاتِ: بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَبَوَيْنِ، وَقَرَنَ حَقَّهُمَا بِحَقِّهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً﴾. وَإِنَّ مِنْ أَصْدَقِ صُوَرِ الْبِرِّ، وَأَقْوَى عَلَامَاتِ الْوَفَاءِ، وَأَيْسَرِهَا عَمَلًا، وَأَعْظَمِهَا أَثَرًا: الدُّعَاءَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ. فَهُوَ حَبْلُ الصِّلَةِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، وَبَوَّابَةُ الْبِرِّ الَّتِي لَا تُغْلَقُ؛ وَلَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالدُّعَاءِ لَهُمَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَجَعَلَهُ عِبَادَةً نَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيه؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ أَيْ: ادْعُ اللَّهَ لِوَالِدَيْكَ بِالرَّحْمَةِ، وَقُلْ: رَبِّ ارْحَمْهُمَا، وَتَعَطَّفْ عَلَيْهِمَا بِمَغْفِرَتِكَ وَرَحْمَتِكَ، كَمَا تَعَطَّفَا عَلَيَّ فِي صِغَرِي، فَرَحِمَانِي وَرَبَّيَانِي صَغِيرًا، حَتَّى اسْتَقْلَلْتُ بِنَفْسِي، وَاسْتَغْنَيْتُ عَنْهُمَا. (تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ). فَادْعُ لَهُمَا بِالرَّحْمَةِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، جَزَاءً عَلَى تَرْبِيَتِهِمَا إِيَّاكَ صَغِيرًا. وَهَذَا هُوَ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَصَنِيعُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ؛ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، وَقَالَ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ وَخَصَّ الْوَالِدَيْنِ بِالذِّكْرِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمَا وَتَقْدِيمِ بِرِّهِمَا؛ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ؛ اقْتِدَاءً بِنُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَبِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ، وَالْأَدْعِيَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَشْرُوعَةِ". الدُّعَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى الْوَفَاءِ، وَالِاعْتِرَافِ بِفَضْلِهِمَا وَتَرْبِيَتِهِمَا، وَهُوَ حَقٌّ لَازِمٌ فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ، فَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: "مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ دَعَا لِوَالِدَيْهِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَهُمَا". الدُّعَاءُ لِلْوَالِدَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ بِرِّهِمَا، وَخَاصَّةً بَعْدَ وَفَاتِهِمَا؛ فَلَا يَنْقَطِعُ بِرُّهُمَا بِمَوْتِهِمَا، بَلْ يَبْدَأُ فَصْلٌ عَظِيمٌ مِنَ الْوَفَاءِ لَهُمَا؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ مِنْ جَمِيلِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِالْمَيِّتِ أَنْ جَعَلَهُ يَنْتَفِعُ بِدُعَاءِ الْأَحْيَاءِ، وَاسْتِغْفَارِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْوَفَاءِ، وَلِأَجْلِ هَذَا شُرِعَتْ صَلَاةُ الْجَنَازَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا؛ لَكِنَّ الدُّعَاءَ مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ أَسْرَعُ وَأَبْلَغُ؛ لِعِظَمِ حَقِّهِمَا، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ كَسْبِ أَبِيهِ وَامْتِدَادِ حَيَاتِهِ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَانْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَامَةَ صَلَاحِ الْوَلَدِ اسْتِمْرَارَهُ بِالدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ! بَلْ إِنَّ الِاسْتِغْفَارَ الصَّادِقَ يَرْفَعُ مَنْزِلَةَ الْوَالِدَيْنِ فِي الْجَنَّةِ؛ قَالَ ﷺ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. الْوَلَدُ الصَّالِحَ بَارٌّ بِوَالِدَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ، يَتَفَقَّدُهُمَا بِدَعَوَاتِهِ فِي مَوَاطِنِ الْإِجَابَةِ؛ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ، وَبَعْدَ أَنْ تَنْقَضِيَ آجَالُهُمَا، وَيُصْبِحَا تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى؛ يَصِلُ عَهْدَهُمَا، فَيَدْعُو لَهُمَا بِالْغُفْرَانِ، وَيَسْتَدِرَّ لَهُمَا شَآبِيبَ الرِّضْوَانِ؛ فَإِنَّ حَاجَتَهُمَا إِلَى الدُّعَاءِ حِينَئِذٍ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- وَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ ثَمَرَاتِ الْبِرِّ، وَلَا تَبْخَلُوا عَلَى وَالِدَيْكُمْ بِالدَّعَوَاتِ؛ وَتَذَكَّرُوا كَمْ تَحَمَّلَا لِأَجْلِكُمْ مِنَ الْمَشَاقِّ، وَكَمْ سَهِرَا لِتَرْتَاحُوا؛ فَصِلُوهُمْ بِاسْتِغْفَارِكُمْ.. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا بِوَالِدِينَا بَارِّينَ، وَلِحُقُوقِهِمَا رَاعِينَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْهِمَا الْخَيْرَ مِدْرَارًا، وَاجْمَعْنَا بِهِمْ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَبَعْدُ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاجْعَلُوا لِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ نَصِيبًا وَافِرًا مِنْ دُعَائِكُمْ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَفِي سُجُودِكُمْ، وَفِي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، وَفِي الْمَوَاسِمِ الْفَاضِلَةِ، وَلَا تَنْسَوْهُمْ؛ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا فَأَكْرِمُوهُ وَبِرُّوهُ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيْتًا فَتَعَهَّدُوهُ بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِوَالِدِينَا وَارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانَا صِغَارًا، اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْهُمَا فَمَتِّعْهُ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ عَلَى طَاعَتِكَ، وَاخْتِمْ لَهُ بِالْحُسْنَى، وَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَنْزِلْ عَلَى قَبْرِهِ الضِّيَاءَ وَالنُّورَ، وَالْفُسْحَةَ وَالسُّرُورَ، وَاجْزِهِمْ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَيْتَ بِهِ وَالِدًا عَنْ وَلَدِهِ، وَوَفِّقْنَا لِبِرِّهِمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادَمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهِمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. عِبَادَ اللَّهِ: اذكُرُوْا اللَّهَ ذِكرَاً كَثِيرَاً، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ..................................................................... •• | لمتابعة الخطب على: (قناة التليجرام) / https://t.me/alsaberm
|