|
المحافظة على نعمة الماء ([1]) |
|
محمد بن ابراهيم بن سعود السبر |
|
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى عَظِيمِ آلَائِهِ، وَجَزِيلِ نَعْمَائِهِ، وَالنِّعَمُ بِشُكْرِ اللَّهِ تَدُومُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً خَالِصَةً مُخْلِصَةً تَقِي بِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ نَارِ السَّمُومِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اجْتَبَاهُ وَاصْطَفَاهُ وَأَعْطَاهُ مَا يَرُومُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. أمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ وَاعْلَمُوا أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَى الْإِنْسَانِ لَا يَحُدُّهَا حَدٌّ، وَلَا يُحْصِيهَا عَدٌّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ هَذِهِ النِّعَمِ الْعِظَامِ: نِعْمَةَ الْمَاءِ، فَهُوَ سِرُّ الْوُجُودِ، وَأَرْخَصُ مَوْجُودٍ، وَأَغْلَى مَفْقُودٍ، وَأَسَاسُ الْحَيَاةِ؛ كَمَا أَخْبَرَ رَبُّنَا الْمَعْبُودُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. عِبَادَ اللَّهِ: وَإِنْزَالُ الْمَاءِ أَمْرٌ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، فَهُوَ الْقَائِلُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾؛ وَهُوَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ رَحْمَتِهِ بِالْعِبَادِ، وَقَدْ يُمْسِكُهَا لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا؛ قَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْمَاءِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي تِسْعٍ وَخَمْسِينَ آيَةً؛ مُنْهَمِرًا مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ عُيُونًا مِنَ الْأَرْضِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قَدْرِهِ؛ فَلَوْلَا هَذِهِ النِّعْمَةُ مَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ إِنْسَانٌ، وَلَا عَاشَ حَيَوَانٌ، وَلَا نَبَتَ زَرْعٌ أَوْ شَجَرٌ؛ فَمِنْهُ الشَّرَابُ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْمَرْعَى،﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. الْمَاءُ هِبَةُ الْخَالِقِ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، وَهُوَ الثَّرْوَةُ الثَّمِينَةُ الَّتِي لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَالْبِلَادُ الَّتِي تَخْلُو مِنْهُ تُهْجَرُ وَلَا تُسْكَنُ عَبْرَ الزَّمَنِ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَعَوَّدُوا وُجُودَ النِّعْمَةِ وَأَلِفُوهَا؛ فَهُمْ تَحْتَ تَأْثِيرِ هَذَا الْإِلْفِ قَدْ يَنْسَوْنَ قَدْرَهَا، وَيَغْفُلُونَ عَنْ شُكْرِهَا؛ وَنِعْمَةُ الْمَاءِ لَوْ فُقِدَتْ لِزَمَنٍ يَسِيرٍ، لَعَلِمَ الْعَبْدُ عَظِيمَ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مِلْحًا أُجَاجًا لَمَا اسْتَسَاغَهُ أَحَدٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. فَهِيَ نِعْمَةٌ تَسْتَوْجِبُ حَمْدَ اللَّهِ الشَّكُورِ، وَتَدُومُ بِشُكْرِهِ عَبْرَ الدُّهُورِ؛ وَلِذَا كَانَتْ نِعْمَةُ الْمَاءِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ النُّشُورِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، وَلَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَفِيًّا بِنِعَمِ اللَّهِ يُعَظِّمُهَا؛ فَكَانَ إِذَا طَعِمَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ الْمَاءِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى اللِّسَانِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى الِاقْتِصَادِ وَالتَّرْشِيدِ فِي كُلِّ آنٍ؛ فَالْإِسْرَافُ سُلُوكٌ غَيْرُ حَمِيدٍ، نَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ الِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ مَطْلُوبًا، فَفِي غَيْرِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى. مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ رُقِيٍّ وَحَضَارَةٍ، يَنْأَى بِمَصَادِرِ الْمِيَاهِ عَنْ كُلِّ مَا يُكَدِّرُ صَفَاءَهَا، وَيُلَوِّثُ نَقَاءَهَا؛ فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يُغْتَسَلُ فِيهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَنْجِيسِهِ، وَإِيذَاءِ مُسْتَعْمِلِيه. فَكُلُّ سُلُوكٍ يَنْتُجُ عَنْهُ تَلَوُّثُ الْمِيَاهِ أَوْ إِهْدَارُهَا، هُوَ إِيذَاءٌ وَضَرَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي دِينِنَا الْقَوِيمِ. عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى نِعْمَةِ الْمَاءِ، وَالتَّعَاوُنَ مَعَ الْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّةِ فِي ذَلِكَ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ ومسؤولية مجتمعية؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فَمِنَ الْمُهِمِّ الْأَخْذُ بِالْوَسَائِلِ الَّتِي تَعِينُ عَلَى حِفْظِ الْمِيَاهِ مِنْ الْهَدْرِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِتَقْنِيَّةِ التَّرْشِيدِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَجَمِيعِ الْمَرَافِقِ، مَعَ عَدَمِ تَرْكِ الصَّنَابِيرِ مَفْتُوحَةً أَوْ اسْتِخْدَامِهَا بِمَا يَتَجَاوَزُ الْحَاجَةَ. اللَّهُمَّ اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، الْـمُسْتَغْفِرِينَ بِالْعَشِيِّ وَالْأَسْحَارِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الخُطْبَةُ الثَّانِيةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى. وَبَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَلَا تَنْسَوْا قَدْرَ نِعْمَةِ الْمَاءِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ؛ فَدَوَامُ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ؛ فَحَافِظُوا عَلَيها، فَإِنَّ فَقْدَهَا إِرْهَاقٌ وَعَنَاءٌ، وَغَوْرَهَا إِزْهَاقٌ لِلْحَيَاةِ وَشَقَاءٌ، وَأَدِيمُوا الشُّكْرَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادَمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهِمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. عِبَادَ اللَّهِ: اذكُرُوْا اللَّهَ ذِكرَاً كَثِيرَاً، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلاً، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
|