آداب الدعاء

خالد بن سعود البليهد


 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد:

فالدعاء من أشرف العبادات وأجل الطاعات لايستغني عنه العبد في حال من الأحوال وهو صلة بين العبد وربه. وكلما عظم رجاء المؤمن بالله وحسن ظنه به كثر دعاؤه لربه وأعرف الخلق بالله أكثرهم دعاء له. وكثرة الدعاء دليل على كمال افتقار العبد لربه واستغنائه به ولذلك أمر به الشرع قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ). وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ). رواه الترمذي وصححه.

وللدعاء آداب شرعية ينبغي للمؤمن أن يواظب عليها:

الأول: يجب على الداعي أن يخلص دعاءه لله تعالى فيرجو ما عند الله من الثواب قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ). فالإخلاص شرط لقبول الدعاء والرياء سبب لبطلانه. ولا يتوحه بالسؤال إلا لله وحده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ). رواه الترمذي وصححه. ومن دعا نبيا أو وليا أو قبرا وسأله قضاء حاجة أو دفع مكروه فقد أشرك بالله شركا أكبر محبطا لعمله مخرجا له من الملة وإذا مات على ذلك ولم يتب كان من أهل الخلود في النار قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ). رواه البخاري.
 

الثاني: يُسنُّ للداعي أن يكون متطهرا من الحدث أثناء دعائه لأن الدعاء ذكر والذكر يستحب له الطهارة. والدعاء بطهارة وخشوع أقرب إلى الإجابة لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كره رد السلام وهو على غير طهارة فلما تطهر رد السلام وفي رواية السنن قال: (إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ). رواه مسلم. ولو دعا من غير طهارة فلا حرج لأن الطهارة ليست شرطا في الدعاء.
 

الثالث: يُسنُّ للداعي أن يستقبل القبلة حال الدعاء لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ). رواه مسلم. فإن لم يتيسر له دعا على حسب اتجاهه لأن الاستقبال سنة ليس بفرض.
 

الرابع: يُسنُّ للداعي أن يثني على الله بما هو أهله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء ليستجاب منه عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: (بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ فَاحْمَدْ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَصَلِّ عَلَيَّ ثُمَّ ادْعُهُ  قَالَ ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَيُّهَا الْمُصَلِّي ادْعُ تُجَبْ). رواه الترمذي وصححه. وحمد الله في استفتاح الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما سنة وليسا شرطا في قبول الدعاء.
 

الخامس: يُسنُّ للداعي أن يرفع يديه في دعائه اتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإظهارا للافتقار إلى الله ورفع اليدين من أسباب الإجابة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (دَعَا النبيُّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ). ولما رُوي في جامع الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا). والأصل في الدعاء استحباب رفع اليدين فيه على العموم إلا في المواضع التي ترك النبي صلى الله عليه وسلم فيها رفع اليدين كالدعاء في الجلسة بين السجدتين والدعاء في التشهد الأخير في الصلاة والدعاء بين الخطبتين يوم الجمعة والتأمين على دعاء الإمام في خطبة الجمعة فلا يشرع رفع اليدين في هذه المواضع. ولما استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق المنبر رفع يديه في دعائه كما ثبت في الصحيحين. فينبغي للمؤمن أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
 

السادس: يُسنُّ للداعي أن يكون مستحضرا للدعاء بقلبه خاشعا غير لاه وأن يحسن الظن بربه ويعظم الرغبة والرجاء بما عنده والثقة بوعد الله وأن يوقن بالإجابة قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). وفي الحديث القدسي: (إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي). رواه مسلم. وفي صحيح البخاري: (وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي).
 

السابع: يُسنُّ للداعي الاجتهاد في الإكثار من الدعاء في سائر الأحوال في دقيق الأمور وجليلها والإلحاح على الله في سؤاله من خيري الدنيا والآخرة لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (وَكَانَ ﷺ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا). رواه مسلم. وعدم الاستعجال في طلب الإجابة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ). رواه مسلم وأصله في البخاري. وكانت أمنا عائشة رضي الله عنها تقول: (سلُوا اللهَ كُلَّ شيءٍ حتى الشَّسْعَ، فإِنَّ اللهَ إِنْ لم يُيَسِّرْهُ لم يَتَيَسَّرْ). رواه أحمد في: (الزهد).
 

الثامن: يُشرع للداعي أن يعزم مسألته ويجزم في طلبه من الله ويُنهى عن الاستثناء في دعائه بقول: (اللهم اقض ديني أو زوجني إن شئت) لنهي النبي ﷺ: (لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ؛ إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا مُكْرِهَ لَهُ). رواه البخاري ومسلم. وتعليق الدعاء بالمشيئة يجعل الداعي مترددا ضعيف العزم في مسألته وهذا ينافي حال الاضطرار والافتقار لله تعالى ويوهم الاستغناء عن المطلوب وهذا إنما يستعمل مع المخلوق لضعفه وعجزه أما الخالق فلا يليق بجلاله فلا يستكره سبحانه على العطاء لكمال قدرته ولا تنفد خزائنه لسعة جوده وفي الحديث القدسي: (يَدُ اللهِ مَلأَى، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) رواه البخاري ومسلم.
 

التاسع: يُسنُّ للداعي أن يسر بدعائه ويخفض صوته ولا يجهر به قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا). رواه البخاري ومسلم. والإسرار بالدعاء مظنة الإخلاص وحضور القلب وانجماع الهم وحسن الأدب مع الله لأن الله سميع قريب يعلم ما تخفي الصدور. وفي خفض الصوت دليل على شدة القرب من الله وإظهار التذلل والانكسار كما وصف الله نبيه زكريا عليه السلام بقوله: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا).

 

كتبه

عفا الله عنه

ابن بليهد النجدي الحنبلي

1/9/1447