|
|
السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصور الفوتوغرافية وصور الأطفال التي في الجوال هل هي حرام، هل لها فتوى؟
الجواب :
الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ
فِي حُكْمِ الصُّوَرِ الْفُوتُوغْرَافِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ
النَّوَازِلِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الْخِلَافُ وَلَا يَسُوغُ فِيهَا
الْإِنْكَارُ وَالذَّمُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ
وَتَتَجَاذَبُهَا الْأَدِلَّةُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ فِي
كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ النَّازِلَةِ فِي زَمَانِهِمْ وَكُلٌّ ذَهَبَ
مَذْهَبًا وَنَصَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يُشَنِّعْ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَكَانَ
الْأَمْرُ وَاسِعًا عِنْدَهُمْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي
التَّصْوِيرِ الْعَصْرِيِّ مِنْ جِنْسِ الْمَسَائِلِ الَّتِي اشْتَدَّ
الْخِلَافُ فِي حُرْمَتِهَا ثُمَّ خَفَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْخِلَافُ فِيهَا
وَانْتَشَرَ الْقَوْلُ بِإِبَاحَتِهَا ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى
الْإِبَاحَةِ وَانْدَثَرَ الْخِلَافُ وَأَصْبَحَ مِنَ التَّارِيخِ؛
كَاخْتِلَافِهِمْ فِي حُكْمِ شُرْبِ الْقَهْوَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْبَرْقِيَّةِ
وَغَيْرِهَا مِمَّا حَدُثَ أَوْ اكْتُشِفَ فِي الْأَزْمَنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّصْوِيرَ الْعَصْرِيَّ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ
الْفُوتُوغْرَافِيِّ وَالتَّلْفِزْيُونِيِّ وَالرَّقْمِيِّ عَمَلٌ مُبَاحٌ لَا
حَرَجَ فِيهِ شَرْعًا إِنْ خَلَا مِنَ الْمَحْظُورِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ
عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ الْوَارِدَةِ فِي
التَّصْوِيرِ، وَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ عِلَّةُ النَّهْيِ لِلْوُجُوهِ
الْآتِيَةِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ آلَةَ
التَّصْوِيرِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ لَمْ تَصْنَعْ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً
مُغَايِرَةً لِلْإِنْسَانِ الْمُصَوَّرِ وَلَمْ تُضِفْ لَهَا شَيْئًا خَاصًّا،
وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الصُّورَةِ هُنَا انْعِكَاسٌ لِلصُّورَةِ الْحَقِيقِيَّةِ
فِي الْوَاقِعِ بِوَسِيلَةٍ مُطَابِقَةٍ عَنْ طَرِيقِ حَبْسِ الظِّلِّ مِنْ
جِنْسِ عَمَلِ الْمِرْآةِ؛ فَلَا تَصْدُقُ عَلَيْهَا وَصْفُ الصُّورَةِ
الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا، وَالْمَمْنُوعُ هُوَ صُنْعُ الصُّورَةِ؛ لِمَا رَوَى
جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ
الصُّورَةِ فِي الْبَيْتِ، وَنَهَى أَنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ). رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ
الْمُصَوِّرَ بِآلَةِ التَّصْوِيرِ لَمْ يُحْدِثْ خَلْقًا جَدِيدًا يُضَاهِي
بِهِ خَلْقَ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَفَرَّدْ فِي صُنْعِ هَذِهِ الصُّورَةِ،
وَإِنَّمَا قَامَ بِتَوْثِيقِ الصُّورَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ فَلَا يَنْطَبِقُ
فِيهِ الْوَعِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْوَارِدُ فِي النُّصُوصِ عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
(إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ
بِخَلْقِ اللَّهِ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا
ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَمُسْلِمٌ. وَعِلَّةُ النَّهْيِ مُنَازَعَةُ اللَّهِ فِي وَصْفِ التَّصْوِيرِ؛
فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ الْمُصَوِّرُ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ فِي الْخَلْقِ
وَالتَّصْوِيرِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَمَنْ
نَازَعَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْوَعِيدِ
وَاللَّعْنِ. وَلِذَلِكَ لَا يَظْهَرُ حِذْقُ الْمُصَوِّرِ وَإِبْدَاعُهُ فِي
الصُّورَةِ الْفُوتُوغْرَافِيَّةِ وَلَا يَنْسِبُ النَّاسُ الصُّورَةَ لَهُ،
فَكُلُّ النَّاسِ يَسْتَطِيعُونَ هَذَا الْفِعْلَ، وَالتَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ
هُوَ حِرْفَةٌ خَاصَّةٌ لِلرَّسَّامِينَ وَالنَّحَّاتِينَ، يَتَقَاضَوْنَ
عَلَيْهَا أُجُورًا غَالِيَةً؛ لِمَا فِيهَا مِنْ إِتْقَانِ الْمُحَاكَاةِ
وَالتَّشْبِيهِ لِخَلْقِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَصْفَ
الدَّقِيقَ لِآلَةِ التَّصْوِيرِ أَنَّهَا آلَةٌ عَاكِسَةٌ لِصُورَةِ
الْإِنْسَانِ، وَمَا تَقُومُ بِهِ مِنْ عَمَلِيَّةٍ تُسَمَّى "عَكْسًا" كَمَا
كَانَ يُسَمَّى بِهِ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي، وَتَسْمِيَتُهَا بآلَةِ
التَّصْوِيرِ وَمَا تُنْتِجُهُ بِالصُّوَرِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَسَامُحٌ مِنْ
قِبَلِ اللُّغَةِ، وَالْعَرَبُ تَتَوَسَّعُ فِي تَسْمِيَةِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا
يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ الْوَارِدُ فِي النُّصُوصِ،
وَتَفْسِيرُ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ لَا يَسُوغُ
وَهُوَ مَسْلَكٌ خَاطِئٌ، وَلَفْظُ التَّصْوِيرِ وَالصُّورَةِ الْوَارِدُ فِي
النُّصُوصِ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْهُودًا فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ، وَالْمُرَادُ
بِهِ مَا يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ صُورَةٍ جَدِيدَةٍ لِذَوِي
الْأَرْوَاحِ، وَهَذَا هُوَ فَهْمُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي
إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ
التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ
فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا). فَرَبَا الرَّجُلُ
رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! إِنْ أَبَيْتَ
إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ
فِيهِ رُوحٌ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. أَمَّا التَّصْوِيرُ
الْمُعَاصِرُ فَهُوَ حَادِثٌ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ السَّلَفُ وَلَا
تَتَنَاوَلُهُ النُّصُوصُ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَعَ لَهُ اشْتِبَاهٌ
فِي الِاشْتِرَاكِ بِالِاسْمِ فَأَلْحَقَ التَّصْوِيرَ اللُّغَوِيَّ
بِالتَّصْوِيرِ الشَّرْعِيِّ، وَالْعِبْرَةُ بِالْمَعَانِي لَا بِالْأَسْمَاءِ،
وَالْأَسْمَاءُ قَدْ يَتَغَيَّرُ إِطْلَاقُهَا وَالْمَعَانِي ثَابِتَةٌ،
وَالشَّارِعُ عَلَّقَ الْأَحْكَامَ بِالْمَعَانِي، وَالنَّاسُ قَدْ اصْطَلَحُوا
عَلَى تَغْيِيرِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ
وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزُولُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ عَنْهَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا
التَّصْوِيرَ لَيْسَ دَاخِلاً فِي ذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، وَلَا مِنْ وَسَائِلِ
الْغُلُوِّ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ نُفُوسُ الْعُقَلَاءِ تَعَلُّقاً يَخْدِشُ
فِي جَنَابِ التَّوْحِيدِ؛ فَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصُّوَرِ الَّتِي
صَوَّرَهَا قَوْمُ نُوحٍ لِصَالِحِيهِمْ فَآلَتْ بِهِمْ إِلَى عِبَادَتِهَا؛
فَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ عِلَّةُ النَّهْيِ الْعَقَدِيَّةُ. فَهَذِهِ الصُّوَرُ
الْمُعَاصِرَةُ لَا تُحْدِثُ أَيَّ مَعْنًى لِلتَّأَلُّهِ وَالتَّقَرُّبِ
عِنْدَ أَسْوِيَاءِ النَّاسِ، بِخِلَافِ التَّصْوِيرِ الْمُحَرَّمِ فِي
النُّصُوصِ الْمَعْهُودِ شَرْعاً؛ فَإِنَّهُ غَالِباً يُحْدِثُ الْغُلُوَّ فِي
الْمُعَظَّمِ مِمَّا يَكُونُ سَبَباً فِي عِبَادَتِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِ،
أَمَّا هَذِهِ الصُّوَرُ فَلَا مَحْظُورَ فِيهَا فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ.
٥. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ
التَّصْوِيرَ الْفُوتُوغْرَافِيَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي شُؤُونِ الْحَيَاةِ
آثَارٌ مَحْمُودَةٌ وَفَوَائِدُ جَلِيلَةٌ فِي التَّأْرِيخِ وَالتَّوْثِيقِ
وَالتَّعْلِيمِ وَالْأَمْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ
الَّتِي تَرْبُو عَلَى الْمَفَاسِدِ الْمَرْجُوحَةِ أَوِ الْمُتَوَهَّمَةِ،
وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ أَمْراً عَظُمَتْ
مَصْلَحَتُهُ وَكَثُرَتْ فَوَائِدُهُ لِلنَّاسِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ
التَّيْسِيرِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ
الْيَوْمَ فِي سَائِرِ الْمَجَالَاتِ قَائِمَةٌ عَلَى التَّصْوِيرِ
الْفُوتُوغْرَافِيِّ وَغَيْرِهِ؛ فَتَعْطِيلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ يُفَوِّتُ
خَيْراً كَثِيراً عَلَى الْخَلْقِ وَقَدْ يُوقِعُهُمْ فِي حَرَجٍ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْأَصْلَ
فِي الْعَادَاتِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّوْسِعَةُ، فَلَا يُصَارُ إِلَى تَحْرِيمِ
تَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ أَوِ التَّشْدِيدِ فِي مَنْعِهِ إِلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ
صَرِيحٍ فِي دَلَالَتِهِ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِنَصٍّ عَلَى تَحْرِيمِ أَمْرٍ
حَادِثٍ يَتَنَازَعُ الْفُقَهَاءُ فِي دَلَالَتِهِ وَمُطَابَقَتِهِ لِصُورَةِ
الْوَاقِعِ. أَمَّا عَدُّ التَّصْوِيرِ الْمُعَاصِرِ مِنَ الْكَبَائِرِ
فَقَوْلٌ غَرِيبٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ يُبَيِّنُ الْكَبِيرَةَ
بَيَانًا تَامًّا لَا الْتِبَاسَ فِيهِ، وَإِلْحَاقُ الصُّوَرِ الْعَصْرِيَّةِ
بِالْأَصْلِ الْمُحَرَّمِ أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَمُخْتَلَفٌ فِي حُكْمِهِ.
وَضَابِطُ الْكَبِيرَةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِثْمُ وَالْوَعِيدُ
لَا تَثْبُتُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ
بِالْيَقِينِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ شَكٌّ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ بَرَاءَةِ
الذِّمَّةِ.
وَالْقَوْلُ بِالْإِبَاحَةِ مُطَّرِدٌ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّصْوِيرِ
الْعَصْرِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَامِيرَا أَوْ بِالْفِيدْيُو أَوْ
بِالْمُونْتَاجِ أَوْ بِالْجَوَّالِ. وَلَا دَلِيلَ يَنْهَضُ لِلتَّفْرِيقِ
بَيْنَهَا فِي الْحُكْمِ، وَمَا يُذْكَرُ مِنْ فَوَارِقَ هِيَ فَوَارِقُ غَيْرُ
مُؤَثِّرَةٍ عِنْدَ التَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ الصُّورَةَ بِالْفِيدْيُو
وَالْجَوَّالِ يُمْكِنُ تَوْقِيفُهَا وَتَثْبِيتُهَا عَلَى وَضْعٍ مُعَيَّنٍ
فِي أَيِّ شَاشَةِ عَرْضٍ، وَيُمْكِنُ نَسْخُهَا فِي طَابِعَةٍ عَلَى وَرَقَةٍ
بِكُلِّ يُسْرٍ؛ فَالْمُحَصِّلَةُ وَالْمَآلُ وَاحِدٌ. وَلِذَلِكَ نَجِدُ
الْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ قَدِ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ
يُحَرِّمُ التَّصْوِيرَ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ حَتَّى فِي الْفِيدْيُو
وَالْجَوَّالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ
فِي بَعْضِهِ وَيَمْنَعُ بَعْضَهُ، وَوُجُودُ الِاضْطِرَابِ يَدُلُّ عَلَى
ضَعْفِ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ.
وَإِنَّمَا التَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ شَرْعاً
هُوَ مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَتَصَرُّفِهِ، بِحَيْثُ يَصْنَعُ
الْمُصَوِّرُ صُورَةً تُضَاهِي خَلْقَ اللَّهِ؛ كَالنَّحْتِ وَالرَّسْمِ
لِصُورَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِذَوِي الرُّوحِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي وَرَدَتْ
فِيهِ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَكِ تَصْوِيرُ أَطْفَالِكِ فِي الْجَوَّالِ
لِغَرَضِ الذِّكْرَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَلَا حَرَجَ فِي
ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَمَّا تَصْوِيرُ الْمَرْأَةِ لِنَفْسِهَا بِالْجَوَّالِ فَالْأَصْلُ فِيهِ
الْمَنْعُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَلَا يُرَخَّصُ فِيهِ إِلَّا فِي أَضْيَقِ
الْحُدُودِ بِشَرْطِ التَّيَقُّنِ التَّامِّ مِنْ حِمَايَةِ الْجِهَازِ، مَعَ
التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْأَجْهِزَةَ الذَّكِيَّةَ الْحَدِيثَةَ
الْمُرْتَبِطَةَ بِالْإِنْتَرْنِتِ لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ التَّامُّ
بِأَمْنِهَا مِنَ الِاخْتِرَاقِ أَوْ تَعَرُّضِهَا لِلسَّرِقَةِ وَالضَّيَاعِ،
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْأَحْوَطَ شَرْعًا وَالْأَبْرَأَ لِلذِّمَّةِ
لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ هُوَ إِغْلَاقُ هَذَا الْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ
إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مُعْتَبَرَةٍ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى حَذْفِ
الصُّوَرِ فَوْرَ انْتِهَاءِ الْغَرَضِ مِنْهَا. وَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ
فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ. وَيُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ
إِرْسَالُ صُوَرِهَا عَبْرَ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِئَلَّا يَطَّلِعَ
عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَتَجْلِبَ لِنَفْسِهَا وَأَهْلِهَا الْعَارَ
وَتُسْتَغَلَّ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ وَتُشَوَّهَ
سُمْعَتُهَا. وَقَدْ تَسَاهَلَ كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ فِي تَصْوِيرِ
الْأَفْرَاحِ وَالْمُنَاسَبَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ نَشْرَ عَوْرَاتِ
الْمُسْلِمِينَ وَفَضَائِحِهِمْ مِنْ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ بَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْعَذَابِ
الْأَلِيمِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ
الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
خالد بن سعود البليهد
binbulihed@gmail.com
16/4/1435