في هذه الأيام أُصيْب المجمع الليبرالي في السعودية بضربات عدّة زادت من
كشف حقيقتهم أمام النّاس ؛ بدايةً من فضيحة فندق الماريوت ، وما حدث فيه ،
حتى تخبّط المجمع وظهر من أظهر توديعه للمجمع الليبرالي ، وانشقاقه عنه ،
بعد أن كان من المنتسبين له ، بل وأبدى تراجعه عن أفكاره ، فيما يظهر للناس
، وإن كان يُناقض نفسه لأن تهجّمَه على دين الله ، وثناءَه على الليبراليّة
، مثبتان في تغريداته في صفحته على التويتر بعد إظهاره للعودة إلى دين الله
وهُجران الليبراليّة حتى لحظة كتابتي هذه عصر الأربعاء الموافق 21/4/1433ه.
وتعليقاً على تلك التراجعات كتبت ما يلي :
1 – إن من تأمل وتبصّر في أُسس الفكر الليبرالي وأصوله اتضح له أن
الليبرالية منظومة قيَم ومنهج حياة يقومان على الحريّة الفرديّة واستقلال
الفرد ، وهي تختلف فيما تقصده عن دين الإسلام من حيث فهم الحريّة ، فالمسلم
تحدّ حريّتَه أحكامُ الكتاب والسنة ، بحيث إن حريّته لا تخالفهما ، كما قال
تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ
وَرَسُوْلُهُ أَمْراً أَن يَكُوْنَ لَهُمْ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ..
الآية ) الأحزاب 36 ، أمّا الليبرالي – حسب الأصول الليبراليّة – فلا يُقيم
لما يُقيّد حريّته وزناً. ( أنصح بالاطلاع على رسالة الدكتوراه للدكتور عبد
الرحيم السلمي ، بعنوان : ( الليبرالية وموقف الإسلام منها ) ، وكتاب الشيخ
عبد العزيز الطريفي ، بعنوان : ( الليبرالية بين رصف العقل ووصف النقل ) ،
ومقال الشيخ إبراهيم السكران ، بعنوان : ( لماذا لا يثق الليبراليون
بالليبراليات )).
2 - إن مصطلح ( ليبرالي ) اختفى خلفه كثيرٌ من أصحاب المذاهب والأديان التي
ترفضها المجتمعات المسلمة ، كالرافضي والنصراني واليهودي وغيرهم.
3 – الحكم على المنهج ليس حكماً على من اعتنقه ، ومما لا شكّ أن الليبرالية
تُخالف الإسلام ، وبالتالي فهي تؤول للكفر ، والخلاصة أنّ الحكم على
الليبراليّة ليس حكماً على من ينتسب لها أو يدّعيْها حتى تقوم عليه الحجّة.
4 – إن من ينتسبون لليبرالية ليسوا سواء ، فمنهم الذي انتهجها في حياته ،
ولا شكّ أن منهجها مخالف للإسلام كما تقدّم ، ومنهم من أخذ من الليبرالية
أشياء وترك أشياء ، وهؤلاء ليسوا ليبراليين بالفعل ، لأنهم لم يسيروا على
أصولها ، ومنهم مدّعو الليبراليّة وهم لا يمتّون لها بصلة ، وإنما بدعوى
الحريّة يتبعون أهواءَهم وشهواتهم.
فالفئة الأولى تنكّبت عن الإسلام ، والفئتان الثانية والثالثة ربّما
يسوقهما إتباع الهوى للخروج من الإسلام ، فهم على خطر ، كما قال تعالى : (
يَا دَاوْودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيْفَةً فِيْ الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ
النَّاسِ بِالحَقِّ وَلَا تَتّبِعْ الْهَوَى فَيُضلِّكَ عَن سَبِيْلِ اللهِ
إِنَّ الّذِيْنَ يَضِلُّوْنَ عَن سَبِيْلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيْدٌ
بِمَا نَسُوْا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص 26 ، وكما قال : ( أَفَمَنْ كَانَ
عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ
وَاتَّبَعُوْا أَهْوَاءَهُمْ ) محمد 13
5 – أن من تاه في الليبرالية من أبناء المسلمين ثم وجد أنّها تشتمل على ما
يدعو إلى استحلال ما حرّم الله – لأن من مبادئ الليبراليّة منع المنع أو
منع التحريم ، بمعنى لا شيء محرّم ، فشرب الخمر والفواحش وأكل الربا وغيرها
من المحرّمات في الإسلام كلها ليست محرّمة حسب مبادئ الليبراليّة - ، أو
وجد أنّها تشتمل على الشكّ المنافي لليقين – لأن من مبادئ الليبراليّة أنّ
الجزم برأي فيه تقييد للرأي الآخر ، لأنك إن أيقنت أن رأيك صواب فيلزم أنك
ترى أن رأي غيرك خطأ ، لذا فكن شاكّاً في رأيك في كلّ شيء لتقبل الرأي
الآخر حسب مبادئ الليبرالية - ، أو وجد أنّها تشتمل على عدم الانقياد لله ،
بل الانقياد للقوانين الوضعية ، فإن سبب تيهه عدم معرفته بدين الله على وجه
الحقيقة ، ولا يتأتى معرفة الدين إلا بأمرين بعد توفيق الله ؛ الأول لزوم
الراسخين في العلم ، فالله يقول : ( فَاسْأَلُوْا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ ) الأنبياء 7 ، والثاني قراءة كتبهم وترك كتب
الفلاسفة ، لأن الراسخين هم الذين نقلوا لنا دين الله تعالى ، وقد ثبت في
الحديث الصحيح ( الْعُلُمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ
الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يُورِّثُوْا دِيْنَاراً وَلَا دِرْهَماً وَإِنّمَا
وَرّثُوْا الْعِلْمَ .. الحديث ) ، فلزوم الراسخين وقراءة كتبهم يُسهمان في
بناء القواعد والتأصيل ، بحيث يوجد الجواب عن كلّ شبهة تحار فيها العقول ،
أمّا قراءة كتب الفلاسفة فلا تزيد المرء إلا حيْرةً وشكاً ، كما سيأتي.
6 – أن من تاه من أبناء المسلمين في دينه ثم وجد ما يدعوه للتّحوّل إلى
الحق فليعلم أنّ تيهه بسبب بُعده عن منهج السلف ، الذي هو الحق ، بدايةً من
إمام السلف رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم أصحابه ، ونهايةً بمن
تبعهم واقتفى أثرهم ، ويشهد لهذا ما قاله الشهرستاني في آخر حياته بعد
رجوعه عن الباطل :
لعمْري لقد طُفْتُ المعاهد
كلّها *** وسَيّرتُ طرفي بين تلك المعالمِ
فلم أرَ إلا واضـــعاً كفّ حائرٍ *** على ذقــنه أو قارعاً سنّ نادمِ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله تعليقاً على هذين البيتيْن :
( فأخبر أنه لم يجد إلا حائراً شاكّاً مرتاباً ، أو من اعتقد ثم ندم لمّا
تبيّن له خطؤه ) ، وقال عن الشهرستاني : ( ولهذا تجده في المسائل يذكر
أقوال الفرق وحججهم ، ولا يكاد يرجّح شيئاً للحيْرة ). (منهاج السنة لابن
تيمية 5/270).
وقد اعترف الفخر الرازي بأنه كان في ضلال ، ومما قال :
نهاية إقدام العقول عــقالُ
*** وأكثر ســعْي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحـــشة من جسومنا *** وغــاية دنيانا أذىً ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا