رسول الله في محنة...!

د.حمزة بن فايع الفتحي
@hamzahf10000


• كلنا نكره الابتلاء ونكره مرارته، وقليلٌ من يصبر عليه ويتحمل ضره ويحتسب ثوابه..! سوى أنبياء الله وبعض الصالحين .

• اختار الله محمدا نبيا، فلا عجب أن يُمتحن ويُبتلى، ويعلم أمته كيفية التعامل مع البلايا والمحن...!( إنما بعثتك لأبتليك وأبتليَ بك ) رواه مسلم رحمه الله .

• ولد يتيما عليه الصلاة والسلام ولم يلق أباه أمامه فاحتمل ذاك، وكفله جده ثم عمه، وعوضاه شيئا منه، ولكنه صبر واحتسب وقاوم مرارات الحياة .

• وابتُلي بالفقر والعيش مع عمه وشاركه العمل، وأعف نفسه برعي الغنم( كنتُ أرعاها على قراريطَ لأهل مكة ).

• وابتلي بميولات المجتمع وملاهي أهل مكة زمن الشباب، فحُبب اليه الخلاء وسلِمت فطرته، وصانه ربه تعالى من ذاك كله .

• وابتلي بالدعوة ونذارة المشركين وابتدأ لوحده فأعانه الله ويسر أمره وبارك مسيرته .

• وابتلي بالسخرية والاستهزاء أمام الناس على جبل الصفا ( تبا لك ألهذا جمعتنا )؟! فاحتمل كلام عمه، وتحلى بالأناة والصمت الجميل . وتخيل أن يكذبك قريب لك في فضاء من الناس...!!

• ولم يزل في معترك البلاءات حتى قيّض الله له أعوانا على الطريق وحواريين يصبرون وينشرون دعوته...

• أوذي واعتدي عليه، وخنق في رقبته.. فقابل كل ذلك بصبر متين، وتحمل شديد.( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ). سورة الأحقاف .

• ومر على صحابته وهم في ساحات المعاناة فقال: ( صبرا آلَ ياسر فإن موعدَكم الجنة )

• واشتكوا له شدة المشركين وأذاهم المستديم فقال لخباب رضي الله عنه: ( واللهِ ليُتمنّ الله هذا الأمر....) ليريهم أن النصر لايجتنى بسهولة والصبر ضروري لمواصلة الطريق، والثبات عمدة المسيرة والتأثير... ( وليُنصرن الله من ينصره ) سورة الحج .

• وذهب إلى (الطائف) فاستلموه سخريةً وأذى وبلاء وشقاء، حتى أدموا قدميه، وجاءه (ملَك الجبال) يستئذنه لإبادتهم فيرفض ويقول: ( بل أرجو الله أن يُخرجَ من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ).
• ويتوعده أبو جهل بالمنع من الصلاة ودهسه بقدمه، لئن أعلن صلاته وضراعته إلى الله فيقول الله له: ( كلا لا تطعه واسجد واقترب )سورة العلق. ويرد الله كيد الطاغية في نحره ولا يرى إلا الملائكة ومحارق الموت...!( فليدعُ ناديه سندع الزبانية) أي ملائكة العذاب .

• وحينما أِسري به في الإسراء والمعراج سخروا وتهكموا، فأراهم البراهين على صدقه وحاججهم حتى رد كيدهم وكشف عوارهم.

• وطاردوه يوم الهجرة ووضعوا الجوائز للقبض عليه، فحماه الله في الغار، وأنزل عليه سكينته ، وصانه من شر الفرسان ( إلا تنصروه فقد نصره اللهُ إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ) سورة التوبة .

• ولم يزل مطاردا جائعا حتى بلغه الله المدينة، ونجا من القوم الظالمين .

• وهنالك في المدينة ابتلي بتأسيس كيان إسلامي جديد فبنى المسجد، وشرع المؤاخاة ليخفف من لأواء الحياة الجديدة لمهاجرين بلا مسكن ولا مال ولا استقرار، فتجاوز العقبات بفضل الله .

• وحصلت المواجهه في بدر ، وبعدد قليل، أمام جيش أكثر عددا وعُدة، فثبت وأصحابه حتى بلغهم الله النصر وقطع دابر المعتدين .( قد كَانَ لكم آية في فئتينِ التقتا )سورة آل عمران.

• وكان ثمة المنافقون الذين يدسون له الدسائس، ويتآمرون على الدعوة فعاملهم بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، وصبر على مكرهم وسخريتهم .

• وفي (غزوة أحد) أصيب في عاتقه وشُج وجهه وكُسرت رَباعيته، ولم يزل ثابتا راضيا بما كتب الله، وخرج بعد ثلاث إلى (حمراء الأسد) لتأديب المشركين المتوعدين بالاستئصال .

• وفيها قُتل عمه حمزة وخيرة صحابته رضي الله عنهم، وتألم ولكنه تجلّد، وعلم أمته الرضا بالقضاء والقدر ، وأن النصر صبر ساعة، والعاقبة للمتقين .

• ولم يسلم من كيد اليهود ونقض العهود المعروف عنهم فأجلى وغزا وطهّر المدينة من شرهم وبلائهم .

• وفي (صلح الحديبية) مُنع البيت هو وأصحابه، وصدوهم أن يطوفوا ويستمتعوا، وكان وعدهم بالعمرة ورأى في ذلك رؤيا وشق عليهم، فصبر واحتمل فأنزل الله ( إنَّا فتحنا لك فتحا مبينا ). سورة الفتح .

• وفي خَيْبَر تأخر فتحها، وحصلت خسائر في الجولات الأُول، إلى أن منّ الله بالفتح على يد علي رضي الله عنه ، وأطعمته اليهودية سما لتقتله فعصمه الله، حتى بلغ رسالته.

• ثم صوّب نحو مكة بعد نقض قريش للعهد، ودخلها منصورا سنة ٨ للهجرة، واتجه بعد ذاك للطائف التي آذته في المرحلة المكية وردوه ردا قبيحا، وحاصرهم حتى استسلموا وغنم الغنائم الجمّة، بعد جولة من الابتلاء والاغترار المبدئي ( ويومَ حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئا )سورة التوبة .

• وكان رأس المنافقين في المدينة مصدرا للأذى والإزعاج وتسبب في النيل من عرضه في (حادثة الإفك الشهيرة)، فاحتمل المرارة، وقاسى الشدة حتى أنزل الله الفرج، وحصحص الحق، وانكشفت القضية ( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) سورة النور .

• وسمع بتجميع الروم له في (تبوك) فتجهز واستعد غاية الاستعداد وحدد وجهته، وهنالك قطع صحاري وقفارا، ومكث مدة، ولم يحصل قتال ونجم النفاق وتآمروا عليه، ورد الله كيدهم في نحورهم .

• وحضرت ساعة وفاته ومكث أياما يشكو الحمى، وتعاظمت السكرات، واشتعلت الآلام، فكان يقول:( اللهم خفّف علي سكرات الموت ) ( إن للموت لسكرات ) ولم تحل تلك المتاعب عن الخروج للصلاة أحيانا، وتذكيرهم في اللحظات العصيبة ( الصلاةَ الصلاةَ وما ملكت أيمانكم ).

• وفي كل ذلك درس وعبرة لكل مبتلى وصحيح، وعامل للدعوة وعاطل، وجاد ومقصر، وشجاع ومتردد، ومقبل ومدبر.

• وأن أفاضل الناس يُبتلون ثم تكون لهم العاقبة( حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم كُذبوا جاءهم نصرنا فنُجي من نشاء ولا يُرد بأسُنا عن القوم المجرمين )سورة يوسف.

• وأن في البلاء صقلا وتربية وتمحيصا وكشفا للنفوس والأتباع .( ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم )سورة محمد.

• وهو امتحانُ ثباتٍ ورسوخ، من تجاوزه عز وتضاعف ثوابه، ومن تورط عليه المحاسبة والتوبة، واستدراك الأمور قبل الاستفحال، والله ولي التوفيق.

• وفي تكاثر محنه عليه الصلاة والسلام عظة على عدم سلامة الطريق، وأن المصلحين عرضة للتنكيد والتتغيص، والحل بالصبر والمواجهة ومجاهدة النفس والخصم( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) سورة العنكبوت .

• وفيها أن الدعوة لا تحلو بلا صبر، وأن الابتلاء طريق للتمكين والنصر، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله( لا يُمكّن حتى يُبتلى ) والله يتولانا بفضله ورحمته ويجعلنا من عباده الصابرين ..!

١٤٣٩/٥/١٠