الجنَّــــة

عبدالسلام بن سعيد الشمراني

 
بسم الله الرحمن الرحيم


* في مكان الجنة وأين هي ؟

قال تعالى  ولقد رآه نزلةً أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى .
وقد ثبت في البخاري ( أنه قال صلى الله عليه وسلم الجنة مئة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ( وفي رواية ( أعدها الله للمجاهدين في سبيله) وهذا دليل على أن الجنة أكثر من ذلك والدليل أن منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم فوق ذلك كله لأنه لا يشاركه فيها أحد وهذا قد نالها المجاهدين.

* مفتاح الجنة :
( شهادة ألا إله إلا الله ) وذكر البخاري في صحيحه (قصة وهب ابن منبه مع من سأله عن المفتاح ) .
وورد عن الأعمش عن مجاهد عن يزيد قال " السيوف مفاتيح الجنة ".
حديث معاذ " ألا أدلك على باب من أبواب الجنة قلت بلى ، قال : (لا حول ولا قوة إلا بالله ) .
يقول ابن القيم رحمه الله ( وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوب مفتاحاً يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة : (الطهور) ومفتاح الحج (الإحرام) ، ومفتاح البِّر : (الصدق) ، ومفتاح الجنة (التوحيد) ، ومفتاح العلم (حسن السؤال وحسن الإصغاء) ، ومفتاح النصر (الصبر) ، ومفتاح المزيد (الشكر) ، ومفتاح الولاية والمحبة (الذكر)، ومفتاح الفلاح (التقوى) ، ومفتاح التوفيق (الرغبة والرهبة) ، ومفتاح الإجابة (الدعاء) ، ومفتاح الرغبة في الآخرة (الزهد في الدنيا ) ، ومفتاح الإيمان (التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه ) ، ومفتاح الدخول على الله (اسلام القلب وسلامته له والإخلاص له في الحب والبغض والفعل والترك ) ، ومفتاح حياة القلب (تدبر القرآن والتضرع بالأسحار وترك الذنوب ) ، ومفتاح حصول الرحمة (الإحسان في عبادة الخالق ، السعي في نفع عبيده ) ، ومفتاح الرزق ( السعي مع الاستغفار والتقوى) ، ومفتاح العز (طاعة الله ورسوله ) ، ومفتاح الاستعداد للآخرة (قصر الأمل) ، ومفتاح كل خير (الرغبة في الله والدار الآخرة ) ، ومفتاح كل شر (حب الدنيا وطول الأمل ) .
ثم قال رحمة الله :ـ
وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم ، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر لا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظم حظه وتوفيقه ، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لكل خير وشر مفتاحاً ، وباباً يُدخل منه إليه ، كما جعل الشرك والكبر والإعراض عما بعث الله به رسوله ، والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحاً للنار . والخمر (مفتاح كل إثم) ، وجعل الغناء : مفتاح الزنا ، وجعل إطلاق النظر في الصور : مفتاح الطلب والعشق ، وجعل الكسل والراحة : مفتاح الخيبة والحرمان ، وجعل المعاصي : مفتاح الكفر ، وجعل الكذب مفتاح النفاق ، وجعل الشح والحرص : مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حله , وجعل الإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح كل بدعة وضلالة.
وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة ، وعقل يعرف به ما في نفسه وما في الوجود من الخير والشر ، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت المفاتيح له ، والله من وراء توفيقه وعدله ، له الملك وله الحمد ، وله النعمة والفضل ( لا يُسئل عما يَفْعل وهم يُسئلون ) .

* طريق الجنة واحد وطرق النار كثير .

* في درجات الجنة :ـ

( في الصحيحين من حديث مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدُري الغابر من الأفق ، من المغرب أو المشرق لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : بلى ، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ، وفي رواية على شرط البخاري ( لا ، بل والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) 0
* (روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من صلى هؤلاء الخمس ، وصام شهر رمضان كان حقاً على الله أن يغفر له هاجر أو قعد حيث ولدته أمه قلت : يارسول الله ألا أخرج فأوذنُ الناس ؟ قال : لا ذر الناس يعملون ، فإن في الجنة مئة درجة بين كل درجتين منها مثل ما بين السماء والأرض ، وأعلى درجة منها الفردوس ، وعليها يكون العرش فهو أوسط شيء في الجنة ، ومنها تفجر أنهار الجنة ، فإذا سألتم الله فسألوه الفردوس " رواه الترمذي وصححه الألباني في السلسلة.
وأعلاها ( الوسيلة ) كما أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نسألها له لتحق لنا الشفاعة وذلك بعد كل أذان . في الحديث الذي رواه مسلم .

* في عدد الجنات وأنها نوعان : جنتان من ذهب ، وجنتان من فضة.

* روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك : أن أم الربيع بنت البراء ( والصحيح بنت النضر ) وهي أم حارثة بن سراقة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة ؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء, قال : (يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ) .
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) رواه البخاري ومسلم والترمذي ، ابن ماجة .

* غرفها وقصورها ومقاصيرها وخيامها :ـ

* روى الترمذي في جامعه من حديث عبدالرحمن ابن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن في الجنة لغرفاً يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها ، فقام أعرابي فقال : يا رسول الله ، لمن هي ؟ قال: " لمن طيب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى بالليل والناس ينام " الترمذي وأحمد وابن حبان والبيهقي في الشعب من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه وهو حديث حسن .
*وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً " .

* ريح الجنة :

* ( أنس بن النظر وريحها ) .

* مؤذن الجنة :ـ

روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ينادي منادٍ : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً ، وأن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً " .

* ظلُّ الجنة :
قال تعالى ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ..... الآيات ) .
*وفي الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن في الجنة شجرة يسير في ظلها الراكب مئة عام ، لا يقطعها ، فاقرؤوا إن شئتم ( وظلٍ ممدود ) )0
*وفي جامع الترمذي من حديث أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب " وهو حديث (صحيح).
* وقال ابن المبارك ، حدثنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " نخل الجنة جذوعها من زُمرُّد أخضر ، وثمرتها ذهب أحمر ، وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم ، وثمرها أمثال القلال والدّلاو ، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيه عجم .
*وقال الإمام أحمد بسنده إلى عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه يقول :ـ جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الحوض ، وذكر الجنة ، ثم قال الأعرابي : فيها فاكهة قال : " نعم وفيها شجرة تدعى طوبى ، فذكر شيئاً لا أدري ما هو ؟ ، فقال أي شجر أرضنا تشبهه ؟ قال : ليست تشبه شيئاً في شجر أرضك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتيت الشام ؟ قال لا ، قال : تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة ، ينبت على ساق واحد وينفرش أعلاها ، قال : ما أعظم أصلها؟ قال : لو ارتحلت جدعة من ابل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرماً ، قال: فيها عنب ؟ قال نعم ، قال : فما عظم العنقود ؟ قال " مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر " قال ما عظم الحبة قال : هل ذبح أبوك تيساً من غنمه قطُّ عظيماً ؟ " قال نعم ، قال : فسلخ أهابه فاعطاه أمك ، فقال: اتخذي لنا منه دلواً ؟ قال : نعم قال الأعرابي ، فإن تلك الحبة لتشبعني وأهل بيتي ؟ قال " نعم وعامة عشيرتك" أحمد والطبراني في الكبير .

* في زرع الجنة :ـ قال تعالى ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوماً يحدث وعنده رجل من أهل البادية " أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه عزوجل في الزرع فقال له : أولست فيما اشتهيت ؟ فقال : بلى . ولكني أحب أن أزرع ، فأسرع وبذر فبادر الطرفَ نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول الله عزوجل : دونك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء " فقال الأعرابي يا رسول الله ( لا نجد هذا إلا قرشياً أو أنصارياً ، فإنهم أصحاب زرع ، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع (فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الرب تعالى مع أهل الجنة . وخرجه في غيره أيضاً .

* أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه :ـ
" عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : " أظنكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض ؟ لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض ، إحدى حافتيها اللؤلؤ ، والأخرى الياقوت وطينه المسك الأذفر ، قلت : ما الأذفر ؟ قال : الذي لا خلط له". ( أبو نعيم في الحلية).

* في ذكر طعام أهل الجنة ، وشرابهم ومصرفه :

 إن المتقين في ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون ...  .
وفي صحيح مسلم ( من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يأكل أهل الجنة ، ويشربون ، ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس " وفي رواية قال : فما بال الطعام ؟ قال : " جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد " رواه مسلم .

* في ذكر لباسهم وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم:ـ

روى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها, ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها " قال قلت يا أبا هريرة وما النصيف؟ قال الخمار . ( رواه أحمد وهو صحيح ) السلسلة .
روى البخاري ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني : سوطه من الجنة خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً ، ولأضاءت ما بينهما ، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " .

* من ملابسهم التيجان على رؤوسهم :

ذكر الإمام أحمد في المسند من حديث ابن بريدة عن أبيه يرفعه " تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ، ولا تستطيعها البطلة ، ثم سكت ساعة ثم قال : " تعلموا سورة البقرة وآل عمران ، فإنهما الزهراوان ، وإنما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف ، والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب ، فيقول :هل تعرفني ؟ فيقول : ما أعرفك, فيقول القرآن : إن الذي أظمأتك الهواجر ، واسهرت ليلك ، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك من وراء كل تجارة ، فيعطي الملك بيمينه ، والخلد بشماله ، ويوضع على راسه تاج الوقار ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا ، فيقولان " بم كسينا هذا فقال : بأخذ ولدكما القرآن ، ثم يقال له : اقرأ وأصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذاًّ كان أو ترتيلاً" . حديث صحيح .

* * *