|
|
احفظ الله يحفظك |
|
يحيى بن موسى الزهراني |
بسم الله الرحمن الرحيم
نقف في هذه الخاطرة مع حفظ الله للعبد إذا حفظ الله في أمره ونهيه .
عَنْ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ : كُنتُ خَلفَ النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم فقال : " يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكُ كَلماتٍ : احفَظِ
الله يَحْفَظْكَ ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ ، إذا سَأَلْت فاسألِ الله
، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على
أنْ ينفعوك بشيءٍ ، لم ينفعوك إلاَّ بشيءٍ قد كَتَبَهُ الله لكَ ، وإنِ
اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ ، لم يضرُّوك إلاَّ بشيءٍ قد كتبهُ الله
عليكَ ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ " [ رواه الترمذيُّ وقال :
حديثٌ حسنَ صَحيحٌ ] .
وفي رواية غير التِّرمذي : " احفظ الله تجده أمامَك ، تَعرَّفْ إلى اللهِ
في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ ، واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن
لِيُصِيبَكَ ، وما أصابَكَ لم يَكُن ، ليُخطِئَكَ ، واعلَمْ أنَّ النَّصْرَ
مَعَ الصَّبرِ ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ معَ العُسْرِ يُسراً
" .
فقوله صلى الله عليه وسلم : " احفظِ الله " يعني : احفظ حدودَه ، وحقوقَه ،
وأوامرَه ونواهيَه ، وحفظُ ذلك : هو الوقوفُ عندَ أوامره بالامتثال ، وعند
نواهيه بالاجتنابِ ، وعندَ حدوده ، فلا يتجاوزُ ما أُمر به ، وأُذن فيه إلى
ما نُهي عنه ، فمن فعل ذلك ، فهو مِنَ الحافظين لحدود الله الذين مدحهمُ
الله في كتابه ، وقال عز وجل : { هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ
حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَانَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ }
.
وقوله صلى الله عليه وسلم : " يحفظك " يعني : أنَّ من حفظَ حدود الله ،
وراعى حقوقَه ، حفظه الله ، فإنَّ الجزاء من جنس العمل ، كما قال تعالى : {
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } .
وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان :
أحدهما : حفظه له في مصالح دنياه ، كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله ، قال
الله عز وجل : { لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ } ، قال ابن عباس : هم الملائكة يحفظونَهُ
بأمرِ الله ، فإذا جاء القدر خَلُّوْا عنه .
وخرَّج الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنسائي من حديث ابن عمر ، قال : لم يكن
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدَعُ هؤلاء الدَّعوات حين يُمسي وحين
يُصبح : " اللهمّ إني أسألُكَ العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إنِّي
أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي ، اللهمَّ استُر عورتي،
وآمن روعتي ، واحفظني من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي ، ومن
فوقي ، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغتَالَ من تحتي " .
ومَنْ حفظ الله في صباه وقوَّته ، حفظه الله في حال كبَره وضعفِ قوّته ،
ومتَّعه بسمعه وبصره وحولِه وقوَّته وعقله .
كان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّتِه وعقله ، فوثب
يوماً وثبةً شديدةً ، فعُوتِبَ في ذلك ، فقال : هذه جوارحُ حفظناها عَنِ
المعاصي في الصِّغر ، فحفظها الله علينا في الكبر .
وعكس هذا أنَّ بعض السَّلف رأى شيخاً يسأل الناسَ ، فقال : إنَّ هذا ضيَّع
الله في صغره ، فضيَّعه الله في كبره .
وقد يحفظُ الله العبدَ بصلاحه بعدَ موته في ذريَّته كما قيل في قوله تعالى
: { وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً } : أنَّهما حُفِظا بصلاح أبيهما . قال
سعيد بن المسيب لابنه : لأزيدنَّ في صلاتي مِنْ أجلِك ، رجاءَ أنْ أُحْفَظَ
فيكَ ، ثم تلا هذه الآية { وَكَانَ أَبُوْهُمُا صَالِحاً } .
فمن حفظ الله حَفِظَهُ الله من كُلِّ أذى . قال بعضُ السَّلف : من اتقى
الله ، فقد حَفِظَ نفسه ، ومن ضيَّع تقواه ، فقد ضيَّع نفسه ، والله
الغنىُّ عنه .
ومن عجيب حفظِ الله لمن حفظه أنْ يجعلَ الحيوانات المؤذية بالطبع حافظةً له
من الأذى ، كما جرى لِسَفِينةَ مولى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حيث
كُسِرَ به المركبُ ، وخرج إلى جزيرة ، فرأى الأسدَ ، فجعل يمشي معه حتَّى
دلَّه على الطريق ، فلمَّا أوقفه عليها ، جعل يُهَمْهِمُ كأنَّه
يُوَدِّعُهُ ، ثم رجع عنه .
ورؤي إبراهيمُ بن أدهم نائماً في بستان وعنده حَيَّةٌ في فمها طاقةُ نَرجِس
، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ .
وعكسُ هذا أنَّ من ضيع الله ، ضيَّعهُ الله ، فضاع بين خلقه حتى يدخلَ عليه
الضررُ والأذى ممن كان يرجو نفعه من أهله وغيرهم ، كما قال بعض السَّلف :
إني لأعصي الله ، فأعرِفُ ذلك في خُلُقِ خادمي ودابَّتي .
الثاني من الحفظ ، وهو أشرف النوعين : حفظُ الله للعبد في دينه وإيمانه ،
فيحفظه في حياته من الشبهات المُضِلَّة ، ومن الشهوات المحرَّمة ، ويحفظ
عليه دينَه عندَ موته ، فيتوفَّاه على الإيمان .
وكان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يودِّع من أراد سفراً فيقول : " استودعُ
الله دينكَ وأمانتَكَ وخواتِيمَ عملك " ، وكان يقول : " إنَّ الله إذا
استُودعَ شيئاً حَفِظَهُ " . [ خرَّجه النَّسائي وغيره ] .
فالله عز وجل يحفظُ على المؤمن الحافظ لحدود دينَه ، ويحولُ بينَه وبين ما
يُفسد عليه دينَه بأنواعٍ مِنَ الحفظ ، وقد لا يشعرُ العبدُ ببعضها ، وقد
يكونُ كارهاً له ، كما قال في حقِّ يوسُف عليه السلام : { كَذَلِكَ
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُخْلَصِينَ } .
كتبه
يحيى بن موسى الزهراني
إمام جامع البازعي بتبوك
|
|
|
|
|