|
|
وقفات في محطات
|
|
الأستاذ الشيخ : إسماعيل محمد ربعي
رئيس مركز ابن باز الخيري الإسلامي / فلسطين –الخليل |
في كل صباح يُطل بنوره علينا ، تشرق فيه أرض بخيراتها ، وتفوح
روائح العطر من نسماتها ، القلب يهفو إلى ظلال أشجارها ، ونسائم الربيع تطرب
شادية ، ومياه العيون تترقرق صافية .
العصافير على أغصانها ترفرف شادية ، بكلمات العز والفخار صادية ، ومعاً سنرحل
إلى هذه الأرض المباركة بعد ما طال غيابنا عنها ، إنها فلسطين المباركة ، صاحبة
المجد التليد ، والأيام العصيبة التي تقف في وجوه أكبر المحن ، تصمد رغم
الأعاصير والإحن .
بكل صدق وحق نقول : لقد كانت فلسطين محطة كبرى ليتخللها السائرون ، يتزوّدون
منها ، وبعضهم يلطمونها على وجهها ، فما يزيدها إلاّ شموخاً وارتقاءً نحو
المعالي كالجبال الراسيات العوالي .
ففيها قصص أهل فلسطين ، تزداد أيام الحنين ، وتترك على القلب لحظات مؤلمة جداً
، وأخرى مبشّرة مفرحة ، فتمتزج مرارة الألم مع ومضات البشرى .
فيغلب بريقها فقاعات الألم ، فتنير الدرب للحيارى التائهين في دهاليز الصحاري ،
الذين يتخبطون في سراديب الظلام الدامس ، ألا هلمّوا إلى مراقي المجد الموعود ،
هلمّوا إلى منارات الهداية التي لاح نورها ، وعمّا قريب سيُفكّ أسرها .
أحبّتي الأعزاء ..
لنقف في المحطات التالية لنتزوّد باللوازم لرحلة المجد ..
المحطة الأولى :
نحن كأمّة إسلامية عربية صاحبة رسالة سامية وتاريخ مشرِّف ، ينبغي ألاّ نطلب
الجواهر والمرجان في قفار الصحاري ، فنرجع بخيبة الأمل ، بل الواجب على كل عامل
فينا التدرج نحو الهدف بكل تؤدة ورباطة جأش ، ولننزل المحطة الأولى ومنها
نتزوّد بأهم مصدر ، وأغلى مرغوب وأعزّ مطلوب ، وهو كتاب الرب العزيز الحميد ،
فيه خبر من قبلنا ، وحكم ما بينِنا ، وهو حبل الله المتين ، من قال به صدق ،
ومن حكم به عدل ، ومن تبنّاه نُصِر ، ومن اعتز به عَزْ ، ومن تركه ذَلْ ،
فلنعكف عليه ، دراسة منهجية ، وبنفوس صلبة قويّة ، لننهل من معينه الصافي ،
فيثمر لدينا عملاً جاداً بناءً يتولد منه من تقوى الله عز وجل ، التي نتربى
عليها ونربي أبناءنا ، ومن أصدق من الله حديثاً .
فلا ينبغي إهمال هذه اللحظة ، فلنحل حلالها ، ونحرّم حرامها ، ولنتجنب شبهاتها
.
المحطة الثانية :
لا بد من الترادف في المحطات ، والتنسيق التام بين العاملين في كل محطة ، حتى
نصل إلى بر الأمان ، حيث الرضوان من الرحمن ، ودخول دار السلامة ، فلا بد من
العمل ، وإلاً لم ينفع العلم ، وكما قال أهل العلم ( اعملوا ما شئتم فلن تؤجروا
حتى تعملوا ) .
فلك أخي الحبيب ، وأنت أختي المسلمة أن تسبقوا إلى المحطة الثانية ، وهي السنة
النبوية ، فالسنة هي كل ما ورد عن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم
من قول او فعل أو تقرير ، والسنة هي الطريقة التي سار عليها النبي صلى
الله عليه وسلم ، والسنة أيضاً هي مفتاح القرآن العظيم ، فهي بوابة لفهم
مجمله واستيضاح منهجه ، فكيف بنا لا نقف في هذه المحطة لنتزوّد ؟!! ونواصل
السير ، فكم من قوم تركوا فذلّوا ، فأصبحت أعمالهم هباءً منثوراً . "
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورا. "
الفرقان:23 ، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى رضوان الله
تعالى ، وهذه الدعوة مرتبطة بالمحطة الأولى ، فأقبلوا على موائدها كما يُقبل
الظمآن على الماء البارد ، وكل من تمسّك بالسنة نجى ، ومن تركها ضل ، فإلى من
يريدون الهداية ، هلموا إلى السنة ، لا تترددوا ولا تتقهقروا ، أسرعوا .......
فالمركب يسير نحو المحطة الثالثة .
المحطة الثالثة :
هي مشعل نور ، لأنها تزوّدت من الأولى والثانية ، فهي اتباع من لهم الخبرة
التامة بغوائل الطريق ومصاعبه ومشاقه ، وهم أدرى الناس بالمحطات ، ومكان
تواجدها ، لأنهم عبروها وخبروها ، خبرة تامة ، فينفون عنها العابثين اللاهين
دوما ، ويُبعدون المخاطر عن كل من نزل بساحتهم ، ويُرشدون إلى محطات التقوية
الأكيدة ، بُعداً عن محطات الوهم ، التي يظن أهلها أنهم وصلوا بها ، كالذي يحمل
معه ماءً في الصحراء ، وينظر من بعيد إلى سراب فيظنه ماءً ، فيُلقي ما معه من
ماء ، ويُهرول خلف السراب ، فإذا جاءه لم يجده شيئاً ، وندم حيث لا ينفع الندم
، فنحن يجب علينا أن نرتقي بأنفسنا نحو محطات معروفة ومنسقة ، حتى لا ننقطع في
منتصف الطريق ، فنهلك كما هلك صاحب الماء في الصحراء .
فالصحابة هم أرباب المحطة ، ومن تبعهم بإحسان من أهل الملّة الحنيفية السمحاء ،
فهم خبراؤها ، لم يذل ولن يضل من تبعهم ، فهم للخير ادلاّء ، وله حماة أقوياء ،
فلا يسع عاقل التجاوز عن خبراتهم اتّكالاً إلى الهوى أو الوهم ، أو اعتماداً
على سراب خادع ، فيهلك حيث ظنّ الوصول ، فكم من ضال وقع ، فأعياه النهوض ، لأنه
ضلّ الطريق ، ولم يأت هذه المحطات ، فكم من جهابذة عقلاء ، خسروا حينما اتكلوا
على أنفسهم ، ولم يُعرّجوا على كل المحطّات ، فاكتفوا ببعضها دون بعض .,
ومن شروط النجاة السير في المحطات المتسلسلة ، وخاصة بفهم المحطة الأخيرة ،
والخلفاء على رأسهم ، فمن المحطة الثانية نفهم ( إرشادات على الطريق ) نقول
للسائرين : ( عليكم بسُنّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا
عليها بالنواجذ ) .
فيا تُرى أين نسير إن لم نسر بدليل؟ وكيف السبيل إلى قطع الطريق ، وتجاوز
الهفوات إن لم نُعرّج على هذه المحطات .
فهذه المحطات تهدف إلى تصحيح المسار ، وترشيد العمل ، ورفع المستوى العلمي ،
والوعي الدعوي لدى الدعاة ، مع الحرص على التأصيل الشرعي المبني على كتاب الله
تعالى ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومنهج السلف الصالح رضوان
الله تعالى عليهم أجمعين ، ومن سار على دربهم ، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين .
فلا يكفي أبداً أن نبقى لا نعرف من ديننا سوى الاسم ، ومن محطاتنا سوى الرسم ،
والمتديّن منّا لا يقف في تديّنه على أرض صلبة ، نظراً للتحريفات الكثيرة التي
أدخلها أهل الضلال من مشركين ووثنيين وكفار أينما كانوا وحيثما حلّوا فاربأ
بنفسك يا صاح قبل حلول المزعجات ، والأمور المهلكات ، وكم في الكون من عبر
تنادي .. هل من معتبِر !! فكل شيء أمام ناظِرَيْك يدعو إلى وحدانية الله تعالى
لو عقِلْت ذلك ، وبهذا نكون قد عُدنا إلى ديارنا الحبيبة ، وحققنا الأماني
العزيزة ، ورفعنا بالحق وللحق همماً قويةً ، وعلى الباطل عنيدة ، ديدنها الطاعة
لله ورسوله صلى الله عليه وسلم .
أخي .. اركب وارحل قبل فوات الأوان
www.ibenbaz.org
info@ibenbaz.org
|
|
|
|
|