|
|
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
هذه مسألة خلافية بين العلماء ، وذلك بناءً على اختلافهم في تصحيح
الأحاديث والآثار الواردة في ذلك من جهة، وفيما تدل عليه من جهة أخرى.
فقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنّ صلاة
الجمعة لا تسقط عمَّن حضر صلاة العيد؛ وذلك لأنَّ صلاة الجمعة فرض، وصلاة
العيد سواءٌ أكانت سُنة أو فرض كفاية فهي دونها في الرتبة ؛ فلا تُسقط
الفرض بحال، وقد قال تعالى: {إِذَا نُودِیَ لِلصَّلَوٰةِ مِن یَوۡمِ
ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡا۟ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ} [الجمعة: ٩]، وقال النبيُّ
صلى الله عليه وسلم: "الجمعة على كل مسلم" وهذا يدل على وجوب صلاة الجمعة
في كل أيامها، ،ويؤيّده:
أنَّ الجمعة آكد من العيد لأنها فرض ، فإذا لم يسقط الأضعف كان الأضعف أولى
بأن لا يسقط الأكبر"
ويؤيّده : أنَّ كلًّا منهما شعيرة قائمة بنفسها لا تجزئ عن الأخرى، وأنَّ
ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما في أسانيدها من
مقال .[تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق(١/ ٢٢٤)] ،[المعونة على مذهب عالم
المدينة(١/ ٣١١)]
القول الثاني: وهو تفصيل الإمام الشافعي
وتفريقه بين أهل البلد ، فلا تسقط عنهم صلاة الجمعة بأداء صلاة العيد ،
وأما أهل العالية أي الذين يسكنون في أماكن بعيدة عن البلد فتسقط عنهم صلاة
الجمعة بصلاة العيد، وذلك لما في إلزامهم بأدائها مع العيد من المشقة
والحرج ". [الأم (١/ ٢٧٤)]
يدل عليه: ما قَالَه أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ: شَهِدْتُ مَعَ
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ،
فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ،
فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي
فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ.
»(رواه البخاري(5251))
والقول الثالث: وهو ما ذهب إليه الحنابلة وهو
أنَّ من حضر صلاة العيد مع الإمام، سقط عنه حضور الجمعة، على أن يصليها
ظهرًا ، وهو مرويٌ عن عمر وعثمان وعليٍّ وابن عمر وابن عباس وابن الزبير
رضي الله عنهم ، لذا فهو ثابتٌ عن الصحابة رضي الله عنهم ،ولا مخالف منهم.
قال ابن قدامة : فإذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلوا العيد لم تلزمهم الجمعة،
ويصلون ظهرًا".[الكافي في فقه الإمام أحمد - (١/ ٣٣٨)] وهذا هو الصحيح ،
والله أعلم، أنَّ من شهد العيد سقطتْ عنه صلاة الجمعة، لكن على الإمام أن
يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد، وقد ورد في تأييد
ذلك جملة من الآثار المرفوعة التي لا تخلو من مقال، ولكنَّ يشدُّ بعضها
بعضًا ، كما نصَّ على ذلك علي بن المديني،ونذكر من ذلك :
ما أخرجه أحمد(19318) وأبو داود حديث (1070) مَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي
رَمْلَةَ الشَّامِيِّ ، قَالَ: «شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ رضي اله عنه سَأَلَ
زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رضي الله عنه: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى
الله عليه وسلم عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
كَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ
،فَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ». (صححه علىُّ بن المدينى
فيما حكاه عنه ابن حجر في "التلخيص الحبير"(2/88) ، وقال الحاكم:" صحيح
الإسناد، وله شاهد على شرط مسلم"(1/ 288)
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ
رضي الله عنهما فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ
النَّهَارِ، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا
فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما
بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «أَصَابَ
السُّنَّةَ»، وبلغ ابن الزبير رضي الله عنهما فقال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطاب
رضي الله عنهما إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا.
حسن: (أخرجه أبو داود(1071)والنسائي(1594)، وإسناده حسن(ما صح من آثار
الصحابة في الفقه(1/495))
وقول الصاحب:"من السنة"، مما يثبت له – على الراجح- حكم الرفع إلى النبي
صلى الله عليه سلم.
وقول عطاء :"فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا" :أي أنهم صلوا مكان الجمعة ظهرًا،
والله أعلم.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: «اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ
الْحَجَّاجِ، فَصَلَّى أَحَدَهُمَا»أخرجه ابن أبي شيبة في
المصنَّف(5790)وسنده صحيح.
وَالْحَجَّاجُ كَانَ أَمِيرًا وَكَانَ ثَمَّ صَحَابَةٌ رضي الله عنهم
وَالتَّابِعُونَ كَانُوا مُتَوَافِرُونَ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وفي إيجاب الجمعة على الناس تضييق عليهم،
وتكدير لمقصود عيدهم، وما سُنَّ لهم من السرور فيه، والانبساط، فإذا حُبسوا
عن ذلك عاد العيد على مقصوده بالإبطال، ولأنَّ يوم الجمعة عيد، ويوم الفطر
والنحر عيد، ومن شأن الشارع إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد أدخل إحداهما في
الأخرى، كما يدخل الوضوء في الغسل، وأحد الغسلين في الآخر ،والله أعلم. اهـ.(
مجموع الفتاوى (24/211)
فَنَخْلُصُ مِنْ هَذَا: إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ
وَاحِدٍ:
فَمَنْ شَاءَ صَلَّاهُمَا، وَهُوَ الأَفْضَلُ، أَوْ صَلَّى الْعِيدَ
وَصَلَّى الجُمُعَةَ ظُهْرًا.
تنبيهات مهمة:
الأول:هذه المسألة خلافية والأمر في ذلك واسع
، ولا يعترض بمذهب على مذهب، فتقام الجمعة في المساجد؛ عملًا بالأصل
والأحوط، ومن كان يشق عليه حضور الجمعة أو أراد الأخذ بالرخصة فيها تقليدًا
لقول من أسقط وجوبها بأداء صلاة العيد فله ذلك، بشرط أن يصلي الظهر عوضًا
عنها من غير أن يُثَرِّب على من حضر الجمعة أو ينكر على من أقامها في
المساجد أو يثير فتنة في أمر وسع سلفنا الخلاف فيه.
الثاني: القول بسقوط الجمعة وبدلها ، الذي هو
صلاة الظهر قول ضعيف؛ فإنَّه لم يُعهد من الشارع أنه جعل الصلوات المكتوبات
أربعًا في أي حالة من الحالات حتى في حالة المرض الشديد، بل وحتى في
الالتحام في القتال، بل هي خمس على كل حال كما هو منصوص قطعيات الشرع
الشريف في مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم للأعرابي في تعداد فرائض
الإسلام: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» (متفق عليه)،
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى
اليمن: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» (متفق عليه) ، وقوله صلى
الله عليه وآله وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى
الْعِبَادِ» رواه الإمام مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي من حديث عبادة
بن الصامت رضي الله عنه إلى غير ذلك من النصوص المتكاثرة.
وإذا كانت الصلاة المفروضة لا تسقط بأداء صلاة مفروضة مثلها فكيف تسقط
بأداء صلاة العيد التي هي فرض كفاية على المجموع ؟!.
وقد أوجب الشرع الشريف هذه الصلوات الخمس لذاتها على اختلاف الأزمنة
والأمكنة والأشخاص والأحوال -إلا فيما استثناه من حيض المرأة ونفاسها- حتى
إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أخبر عن مدة لبث الدجال في الأرض
فقال: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ
كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قَالَ لَهُ
الصَّحَابَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ
أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: لَا، اقْدُرُوا لَهْ قَدْرَهُ»
رواه مسلم، وهذا كالنص على عدم سقوط أي صلاة مكتوبة على أي حال وفي أي
زمان.
وعلى ذلك فالقول بسقوط الجمعة والظهر معًا بصلاة العيد قول لا يعوَّل عليه؛
لضعف دليله من جهة وعدم تحرير النسبة إلى قائله من جهة أخرى. والله سبحانه
وتعالى أعلم.
وصلى الله على النبي.
كتبه : أبو عبد الرحمن
أيمن إسماعيل.